قضايا وآراء

موقعة الساعات الست

1300x600
"عفوا تعذر الوصول لهذا العنوان، هناك خطأ وجار إصلاحه"..

كانت هذه العبارة كفيلة بتأكيد الخبر العاجل الذي انتشر انتشار النار في الهشيم.. موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قد انتهى ولم يعد موجودا، ولن يعود مرة أخرى فقد تم مسح جميع البيانات الخاصة به.

حقا! انتهى عملاق التواصل الاجتماعي الأزرق؟ هل تمزحون معنا؟ في تلك اللحظة مر أمامي شريط ذكريات تجاوز العشر سنوات منذ انضمامي لأول مرة لهذا الكائن الأزرق الذي ربط شمال الكرة الأرضية بجنوبها وشرقها بغربها، في خوارزمية تجبرك على الانتقال والتنقل بداخلها لساعات دون ملل لو أنك امتلكت بعض الوقت لفعل ذلك.

ست ساعات من القلق والمتابعة والأخبار العاجلة، اختلطت فيها التكنولوجيا بالاتصالات وتقاطع فيها الاقتصاد مع السياسة، وتشابكت فيها الحرب السيبرانية مع حروب عمالقة التواصل الاجتماعي. ست ساعات من اختفاء واتساب وفيسبوك وإنستجرام أصابت ملايين البشر بالحيرة من أمرهم والقلق على مستقبل أعمالهم، وشبكات علاقاتهم الشخصية والعملية التي بنوها على مدار سنوات طويلة.
ست ساعات من اختفاء واتساب وفيسبوك وانستجرام أصابت ملايين البشر بالحيرة من أمرهم والقلق على مستقبل أعمالهم، وشبكات علاقاتهم الشخصية والعملية التي بنوها على مدار سنوات طويلة

صورك الشخصية، ذكرياتك العائلية، شبكة علاقات ممتدة من صداقات عبر هذا العملاق الأزرق، علاقات عمل وشراكات، مواد يومية يتم نشرها بغية كسب العيش وصناعة البراند، ومئات الآلاف من البشر تتواصل معهم عبر سنوات تواجدك على فيسبوك.. كل هذا انتهى في لحظة، تم مسحه في طرفة عين، فقط في ست ساعات يمكن لجزء هام من حياة ملايين البشر أن ينتهي دون سابق إنذار ليتركهم غارقين في وحل الحيرة ومحاولة فهم أسباب ما حدث.

فيسبوك هو أقل مواقع التواصل الاجتماعي احتراما للخصوصية، فهو يشارك بياناتك مع أطراف أخرى، وفضائحه في هذا الإطار لا تنتهي، آخرها ما تم نشره منذ أسبوعين وما تورط به قبل ذلك في فضيحة كامبريدج أنالتيكا، ولكنه يظل من أبرز مواقع التواصل الاجتماعي انتشارا ومن أكثرها استخداما على مستوى العالم؛ لما له من خصائص تفتقدها في أي تطبيق آخر.

ما حدث في موقعة الساعات الست كان أشبه بيوم القيامة ولكنه إلكترونيا، انقطع فيه كل شيء فجأة ولا أحد يملك من أمره شيئا، تنظر يمينا ويسارا فلا تجد أحدا، تسأل زوجتك وإخوتك وأبيك وأمك وأصدقائك عن مخرج فلا يجيبك أحد، تفتح التلفاز لتسمع رأي الخبراء علك تجد عندهم ما يطمئنك فلا تجد إلا قلقا وهلعا واضطرابا مما يجري.

انتهى جزء هام من هذه الحياة فجأة وتساوى الجميع في الأزمة.. يا إلهي ما أحقر هذه الدنيا وما أضعف هؤلاء البشر، توقفت التكنولوجيا وعجزت أكبر دولة في العالم على فعل شيء أمام ما يجري في مشهد تام من العجز وقلة الحيلة أمام ما حدث.
الحياة لن تتوقف بتوقف فيسبوك وواتس اب، من استطاع ان يذهب الى تطبيقات اتصال وتواصل اخرى مثل تليجرام وسيجنال فعل، ومن لم يخطُ في حياته خطوة تجاه موقع التغريدات المصغر تويتر ذهب هناك ليكشتف عالما جديدا، ولكنه بديل جيد

بعد عدة ساعات بدأ الناس يفكرون في البدائل، فالحياة لن تتوقف بتوقف فيسبوك وواتس اب، من استطاع ان يذهب الى تطبيقات اتصال وتواصل اخرى مثل تليجرام وسيجنال فعل، ومن لم يخطُ في حياته خطوة تجاه موقع التغريدات المصغر تويتر ذهب هناك ليكشتف عالما جديدا، ولكنه بديل جيد.

الدرس هنا كان واضحا، لن يعبأ بك أحد إذا توقفت أو رحلت، سيقلق البعض لعدة ساعات، ثم اذا ما تبين لهم أنك انتهيت ولم تعد موجودا وقد استحالت عودتك مرة أخرى، سيبحثون عن بديل لك كي تستقيم حياتهم دونك. ربما أحدثت فراغا كالذي أحدثه فيسبوك وواتساب، ولكنها كانت مسألة وقت حتى يجد المستخدمون بدائل لتلك التطبيقات وتستمر الحياة.

موقعة الساعات الست أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه الثورة التكنولوجية ليست بالقوة الكافية، وأن الاختراق سهل والانهيار قريب، وأساطير السرية وإجراءات الأمان انهارت كلها مع الدقائق الأولى لتوقف فيسبوك وواتساب. العالم سيتعلم الدرس في قادم الأيام، وربما تظهر تطبيقات أخرى وعمالقة آخرون يزيحون فيسبوك وواتساب نهائيا عن المشهد، هذه المرة لن تكون باختراق أو عبر مشكلة تقنية، بل ستكون عبر كسب ثقة مليارات المستخدمين الذين شعروا بعدم الأمان وانعدام الثقة بعد انتهاء موقعة الساعات الست.

twitter.com/osgaweesh