قضايا وآراء

"أربع أطروحات عن مجتمع الإعلام"

1300x600
ثمة أربع أطروحات غالبا ما نصادفها عندما نكون بإزاء الحديث عن مجتمع الإعلام:  
 
- أما الأطروحة الأولى فتتمثل في أن مجتمع الإعلام هو "الأول الذي لا ارتباط عضويا بداخله بين التكنولوجيا من ناحية، والقيم الثقافية والتصورات الإيديولوجية للسلطة وللمجتمع من ناحية ثانية". 
 
معنى هذا أننا لسنا هنا فقط بإزاء استبعاد حتمي لنظرية "التحديد التكنولوجي"، ولكن أيضا بإزاء ما يشبه استقلال فضاء التكنولوجيا (حتى بمسلمة كونها محركا كبيرا) عن تحولات الاقتصاد والمجتمع. 
 
بالتالي، فالمفروض هنا إنما "ضرورة التمييز بين الآثار والتبعات المباشرة للتكنولوجيا، وآثار التحولات الاقتصادية والمالية والجيواقتصادية التي هي في تداخل مع التكوين السريع لمجتمع الإعلام، لكنه لا يمكن أن تكون لها آثارا مباشرة عليه". 
 
- الأطروحة الثانية وتكمن في القول بأنه من ضرورة أمر التمييز بين فضاء التكنولوجيا وفضاء الاقتصاد والمجتمع، تتأتى ضرورة التمييز بين مجتمع الإعلام باعتباره "نوعا مجتمعاتيا جديدا"، وبين العولمة (أو الشوملة) والتي هي بمثابة ثورة رأسمالية جديدة، تفرز بالقطع قطبيات جديدة، ولامساواة متعددة، وأشكال مختلفة من الإقصاء والتهميش. 
 
معنى ذلك، أن مجتمع الإعلام المتمحور حول تكنولوجيا الإنتاج والإعلام والاتصال، لا يختزل حتما في الآثار المترتبة عن تطبيقاتها، بل بالاحتكام إلى البنية (والثقافة والقيم) التي تفعل فيها هذه التكنولوجيا أو تتفاعل معها، وكذا التجارب والخلفيات التي تحكم تمثل الفرد والجماعة للمكان كما للزمن سواء بسواء. 
 
- أما الأطروحة الثالثة فتتراءى لنا كامنة فيما يسميه كاسطيل "بالقطائع" الكبرى داخل عالم الشغل، والتي وسعت الشرخ بين منتجين معلوماتيين أكفاء ومكونين... وبين يد عاملة بسيطة، متواضعة التكوين، لا قيمة لمنتجاتها تذكر، ولا رهان على استهلاكها ولا مكانة اعتبارية لها حتى. 
 
والسر في ذلك إنما "أن المقاولة التي كانت مصممة دوما كمنظمة، وكمجتمع إلى حد بعيد، حيث ميكانيزمات الإدماج قوية وفي بعض الأحيان مهيمنة، أضحت ولكأنها انشرخت تحت ضغط التكنولوجيا من ناحية، وبجبروت السوق من ناحية أخرى، والتي لا رابط بينهما (السوق والتكنولوجيا) إلا استراتيجيات الفاعلين الماليين والمتصرفين في الرموز...". 
 
لا يقتصر الأمر هنا، على قوة الشرخ التي طاولت (ولا تزال) المجتمع وعالم الشغل بصلبه، بل تتعداه إلى حد التسليم بأن التوجه القائم (والقادم حتما) إنما يتجلى في تقدم معلوماتي وتنظيمي ضاغط، في مقابل "تخلف اجتماعي" فاقع، يضغط بجهة الإقصاء والتهميش أكثر ما يدفع بجهة الإدماج. 
 
- الأطروحة الرابعة، وهي ذات خلفية وتبعات ثقافية، وتتعلق بما يعتبره البعض "ثقافة الواقعية الافتراضية" وما نعتبره، في سياق الحديث عن مجتمع الإعلام، ب"ثقافة الافتراضية الواقعية". 
 
أما الواقع الافتراضي هنا فإنما هو "النظام الذي بداخله يتمظهر الواقع وينصهر في عالم من الصور الافتراضية والإيهامية، حيث المظاهر لا تبرز فقط على الشاشة مكمن تجسيد التجربة... بل تغذو التجربة نفسها". 
 
معنى هذا (من زاوية ثقافة الافتراضية الواقعية) أن "إدماج معظم أشكال التعبيرات الثقافية في نظام الاتصال المندمج والمبني على الإنتاج والتوزيع وتبادل الرموز الألكترونية المرقمنة، إنما له آثار اجتماعية وثقافية كبرى" من المفروض استحضارها لفهم ذات التعبيرات، كما لضبط فضاء ذات الثقافة. 
 
بيد أن هذه الأطروحات تثير في ذهننا بعض الإشكالات ذات الطبيعة المنهجية وبعض الملاحظات على الجوهر: 
 
- فهذه الأطروحات لا تحدد بالتدقيق ما القصد من عبارة "مجتمع الإعلام". إنها تحددها بالقياس إلى البنية التحتية، لكنها لا تسائل المادة التي تقتني هذه الشبكات، من زاوية الخاصية أو الطبيعة أو الحجم أو الجهة الموجهة لها.  
 
صحيح أنها أطروحات ذات طبيعة سوسيولوجية خالصة، إلا أنها لا تدقق كثيرا في طبيعة العلاقة بين الشبكة (وهي ذات خلفية تقنية وتقنواقتصادية صرفة) وبين المجتمع كوحدة سوسيولوجية تتنافى أدوات تحليلها مع أدوات التحليل التقني التي يستوجبها مفهوم الشبكة. 
 
وصحيح أيضا أن فضاءي الشبكة والمجتمع يلتقيان في مبدأي التعقيد ويتقاطعان في مبدأ التنظيم (الأفقي كما العمودي) ويتشابهان في قدرة كليهما على التكيف والتحول...لكنهما على الرغم من كل ذلك فضاءان مستقلان من المتعذر التعرض لهما في سياق واحد...وبنفس الأدوات. 
 
- ثم إن هذه الأطروحات تتعرض لقضايا معاصرة كبرى، كآثار وتبعات تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال (ضمن أخريات حتما) وكتبعات عولمة الاقتصاد والمادة والرموز، لكنها لم تفلح إلا جزئيا في بعضها الآخر، لا سيما فيما يتعلق بتحديد ما هو مرتبط بصيرورة مجتمع الإعلام وما هو مرتبط بباقي الصيرورات الأخرى وتحديدا صيرورة الرأسمالية. 
 
من المؤكد أن الاقتصاد أضحى مرتكزا أيما يكن الارتكاز على التكنولوجيا بمختلف اشكالها وتلاوينها، لكن هذه الأطروحات لم تتوفق كثيرا في إبراز مدى ارتكاز التكنولوجيا على الاقتصاد، أو مدى انحسار أفقها زمن الأزمات أو الانتكاسات أو التراجعات الكبرى أو ما سواها. 
 
بالتالي، فإذا كان من البديهي التسليم "بنبوءات" هذه الأطروحات (لا سيما مع انتشار الإنترنيت وتجدد الرأسمالية الفردية، غير الممركزة والمفتوحة) فإنه من غير البديهي ذيوع النبوءات إياها (أو الجزء الأكبر منها على الأقل) بشتى بنى الاقتصاد والمجتمع والثقافة. 
 
وهو ما يجعلنا بإزاء بحث في تكنولوجيا الإعلام والاتصال من زاوية الشبكات، أكثر من بحث في هذه التكنولوجيا من منظور سوسيولوجيا الإعلام والاتصال.