كتاب عربي 21

بيان طوفان الأقصى "أمتي.. أمتى".. مفاهيم ملتبسة (74)

سيف الدين عبد الفتاح
تظاهرات في جميع أنحاء العالم العربي- عربي21
تظاهرات في جميع أنحاء العالم العربي- عربي21
مفهوم "الأمة" واستحضاره بمناسبة تلك المعركة الكبرى "طوفان الأقصى" لا بد وأن يكون له وجدان خاص؛ يؤكد على ذلك ما طرحه أستاذنا "الدكتور حامد ربيع" رحمة الله عليه الذي اهتم بالدراسات الصهيونية والقضية الفلسطينية وأمته العربية والإسلامية والصراع العربي الصهيوني كصراع مصيري وحضاري. إذ أكد أن للأمة في الرؤية الإسلامية معنيين؛ أحدهما مادي في التعبير عنها في وجودها المادي والذي قد يتوارى، والثاني ما يتعلق بالوجود المعنوي للأمة الذي لا يغيب.

هذا التمييز الإدراكي أمر غاية في الأهمية حينما يتجسد هذا الوجود المعنوي في سلوكيات ومواقف وتحرك شعوب تنتفض لتحتضن أهم رموزها في مقاومة كل غصب وظلم؛ فتشكل إضافة لمقاومتها، وتسهم من كل طريق في انتصارها. ولذا كانت انتفاضة الأقصى عنوانا لانتفاضة الأمة؛ الأمة القطب التي تستقطب كل الفاعليات وعناصر فاعلية الأمة، هذه الفكرة الربيعية والتها بالتعهد والتأصيل تلميذته "الدكتورة منى أبو الفضل" رحمة الله عليها، وكأنهما يعيشان معنا معركة "طوفان الأقصى" التي تستدعي من الأمة كل الأمة أن تقوم باحتضانها وحمايتها وتحصينها.

إن موضوع التأصيل لـ"لأمة" في المجال السياسيّ قد طُرح منذ أكثر من عقود مضت، حيث واكب بدايات المد الإسلاميّ، ومن ثم جاء في حينها تعبيرا صادقا وأصيلا، لا ليسد ثغرة في حقل معرفيّ ومناهجه فحسب، بل ليدشن وجهة جديدة فيه، ومعه، في تكوين جيل وعقليّة وصفوة. ومن ثم فإن استحضار ملف هذه الفترة يكتسب أهميّة مزدوجة ترجع لطبيعة فترة المنشأ والمحضن لهذا المفهوم في ذاته من جانب، ثم إلى دواعي ومقتضيات المرحلة الراهنة من جانب آخر. وإنّي أرى أنّه يكتسب أبعادا تجعله أكثر حيويّة وإلحاحا في الظروف الراهنة، إنّه يمثل ملف حقبة وجيل نفتح صفحاته من جديد، لأنه ملف أمّة.

هكذا تقول "منى أبو الفضل" في كتابها "الأمة القطب"، كما كان يشير "الحكيم البشري" إلى ضرورة أن نركز على أيامنا لا أيام الغرب. "طوفان الأقصى من أيامنا الجليلة لحدث كاشف في الأمة وفارق فيها. هل يعقل أن نشغل تفكيرنا وخاصة عقول شباب جيل هذه الأمة بمفاهيم تتعلق بظواهر مصطنعة هي أشباح قوى ومؤسّسات ومذاهب معاصرة، ونغفل عن جوهر قوى وتيَّارات وعقائد وآليّات حراك تاريخيّ تموج بها في منطقتنا وأيامنا وتاريخنا، بدعوى تلمُّس الحداثة والامتثال لمقولات توصف ب "العلميّة"؟! تولد إحساس بوجود الأمّة، وتبينت فيها الروح التي تحرك الحياة العامّة، وتفرض نفسها على الواقع والتي أضحت الشاهد الغائب أو الحاضر الغائب الذي لا تجد له نظيرا في المؤسّسات أو في "الدولة"، ولكن نستشعره حولنا استشعارا، بل نشهده شهودا، سواء في أيامنا هذه أو في أحداث تلك الفترة.. هكذا تتحدث أبو الفضل.

كأن الدولة القوميّة -نموذج الحداثة السياسيّة في المنطقة بكل ما حملته من وعي مغاير- قد حاولت أن تحبس مفهوم الأمة في قمقمها، إلا أنها عجزت عن تحجيم الاستجابة التلقائية لأحداث أوقدت قابليات تلك الاستجابة لدى قواعد "جماهيريّة" نشأت في رحاب الجامعة الشعبيّة الأولى، جامعة مسجد الحي والمصلى، حيث يقوم الناس بإقامة الصلاة وتلاوة الذكر الحكيم، فتحقق وحدة بين أجواء بيئة اجتماعيّة حضاريّة واحدة في يومها.

ومنذ توالت أحداث مفصلية شتى في أصقاع العالم الإسلاميّ شرقا وغربا، بدت الأمّة في واقعها وتجلياتها باعتبارها ظاهرة مؤثرة ومفهوما معقولا استطاع أن يتحدى نموذج العلمنة والخطاب السياسيّ السائد يومها، ويفرض على أصحاب التخصص في الدراسات الأكاديمية أن يراجعوا مسلماتهم ويعيدوا النظر في مناهج التفكير.

"الأمّة" إذن بدت مظاهرة تؤطر للجماعة السياسيّة على مستوى الحدث والفعل السياسيّ، وجاءت تفرض نفسها على الساحة السياسيّة في كافّة الأصعدة، سواء أكانت محليّة أم إقليميّة أم دوليّة- عالميّة، بل إنّنا اليوم في بداية الألفية الثالثة الميلاديّة ونحن نعاود النظر في ملف حقبة، نستطيع أن ندرك دلالة الأحداث على نحو أكثر وضوحا كما تشير أبو الفضل.

إنّ الأمّة لم تخلُ قط من نماذج الفرد الأمّة.. ومن يكون؟ إنّه الفرد الذي تَمثَّل قلبا وعقلا ووجدانا قيم الأمّة ومُثُلها وهمومها وآمالها، بحيث جاء فعله من موقعه في لحظة تاريخيّة معيَّنة وكأنه استجابة لحاجة جامحة تعيشها الأمّة في هذه اللحظة، وكأن إرادته إرادة جامعة وليست إرادة مفردة، بها تُبعث قيمة عليا من قيم الحق وتُحدث أثرها في واقع مشهود. هكذا يعيش هذا الفرد في كل عصر وكل مصرٍ دون اشتراط الشهرة والألقاب، ولكن يكفي أن تهب رياح الخطر على الأمة ومستضعفيها، فإذا هي تجده على ثغرة هامَّة من ثغورها، وقد خرج فردا أو معه نفر قليل من أولى العزم، وقد جاءوا رجالا يسعون في سبيل الله، وقد تنادوا من كل فج عميق لسد تلك الثغرة، والوقوف عليها.

إن هذا التوجيه في بيان الأمة ومخاطبيها من أفراد وجماعات؛ يفرض على كل فرد في الأمة أن ينتفض بمناسبة هذه المعركة الكبرى؛ عليه أن يرابط فاعلا متأهبا بنية الوقوف بوجه الظالمين الغاصبين والمنافقين المخذلين والمتصهينة المطبعين.. فليحرص كل منا ألا يؤتى من قبله.

إن أقرب صفة تستطيع أن تسندها لهذه الأمّة؛ تؤكد أبو الفضل هِيَ صفة "القطبيّة"، وهي الصفة التي مكنت الأمّة من "الاستقطاب ومن القابليّة والقدرة على التجميع" حولها لشتى التكوينات والشعوب، هذه الأمّة صاحبة رسالة لا تقوم على عرق أو لون أو إقليم، ولكن تقوم على دعوة ورسالة تحمل طاقة إشعاعية تمد من خلال التاريخ وتجمع القبائل والشعوب والألسنة المختلفة المتنوّعة.

إنّها الأمّة القطب التي تستوعب دون أن تزيل خصوصيّات الأمم وتضيع ملامحها، وتجمع وتوحد وفي نفس الوقت تعمل على الإثراء والمحافظة على التعدد. فيا شعوب الأمة من شرقها إلى غربها ويا هؤلاء من آمنتم برسالتها هُبّوا إلى نفير واستنفار لكل فرد من أفرادها وكل شعب من شعوبها، فإنَّ موضوع الأمّة يمس الذات؛ الكيان الذاتيّ الجماعيّ العربيّ.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف لنا أن ننتقل بهذه الذات الجماعيّة من مستوى اللا شعور واللا وعي، إلى مستوى الشعور الواعي والإدراك المتفقه؟ إنه إدراك يواجه حاضرها ويصنع مستقبلها. ولنا أن نسأل: ألم يأت علينا بعد حين من الدهر نأخذ فيه بزمام أمرنا لنثبت على أقدامنا ونعمل عقولنا في التحقق من ذاتنا وإدراك حقيقة كياننا؛ لننتقل بذلك من حال إلى حال، نبارح حال المفعول به، موضع البحث والنظر؛ تارة في فضول مشفوع بتعجب، وتارة في شفقة وازدراء، وتارة في حذر ورهبة.. ونأخذ دور وحال الفاعل، صاحب الوجهة والرأي الجدير بالاعتبار والنظر، القادر على الفعل والحركة؟ ما مدى حظ هذا المفهوم من الفاعليَّة في واقعنا المعاصر؟ هل هذا المفهوم الذي ارتجت له قلوب المؤمنين على مدى أربعة عشر قرنا قد سقط في العقل الباطن للشعوب الإسلاميّة بعد أن مزقتها الفواصل الإقليميّة الخارقة، والحدود السياسيّة الباهتة، وبعد أن باعدت بينها النظم "القُطرية" التي خلَفت المستعمر وتشعّبت ولاءاتها الفكريّة والعقائديّة في ظل صفوات فُطمت على نسق "تغريبي" غربي؟ أين الفاعلية بعد هذا الفعل العظيم الجامع الرافع الدافع للأمة الذي يتمثل في طوفان الأقصى الذي ينادي من قريب أو بعيد؛ أمتي.. أمتي؟

أين تفسير ظاهرة "الأمّة" كجماعة حضاريّة سياسيّة على أوثق ما تكون من الأواصر والتجانس؟ فرغم ما أصابها من ضعف ووهن بضياع الأسباب الماديّة والنظامية التي تمثلها وتقوم على مصالحها وتحفظ لها شريعتها وعزتها؛ فإنّ مرجعها دائما أبدا هي ذات الروح المتأجّجة -روح الأمّة- وروح الأمّة في سعي دائب نحو التجدّد والمقاومة: "التجدّد" للتخلص من رواسب علقت مع المعايشة التاريخيّة في ظروف تفاوتت فيها أقدارها، و"المقاومة" لصد محاولات السيطرة عليها وإذلالها.. مقاومة لمنع الغير من التمكن منها والتحكم في مقاليدها، وهي تسعى أبدا لفرض الذات من خلال الطرح المتجدّد للدعوة التي هي منشأ الذات ومصدرها وموضوعها وغايتها.

إذ إنَّ كل جماعة قوميّة عرفت طريق الأمّة يوما، تشكلت بوعي الأمّة واصطبغت به وطبعت فيه، إنّما هي رصيد مضاف يحسب للأمّة ولا يحسب عليها، الأمة كيان ينفرد بمفاعل استقطابيّ يجعل منه "بؤرة جاذبيّة طبيعيّة، أو مركز ثقل بشريّ حيويّ يشد إليه وحداته الداخليّة -فُرادَى وجماعات- دون أن يذيبها ليفقدها معالمها، كما أنّه يجذب نحوه مفردات جماعيّة من خارج إطاره، ليؤكد كل ذلك على أبعاد هُوِيَّة الأمّة.

وتعد جدليّة الاستقطاب بهذا المعنى قاعدة أصوليّة في دورة تشييد الأمّة كيانا حيويّا له جذوره التاريخيّة والوجدانية مؤصلة المنبت متجددة الاتصال، على النحو الَّذِي تكفله التربية الواعية والواعدة للأمة؛ روح الأمة المقاومة.. شرف الأمة المقاومة.. عصب الأمة المقاومة إنها تحميكم فاحموها؛ إنها تمسح عار الذل والهزيمة عنكم فانصروها. طوفان الأمة هو الحاضن للمقاومة؛ حيث يصير الانتماء إلى كيان الأم -"الأمة"- مصدر كرامة وعزة وإعزاز يصيب كل راغب في الانتماء، وكل باحث عن هُوِيَّة..

twitter.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)