قضايا وآراء

عمارة الأرض.. إلى أين وصلنا؟

طارق الشريف
1300x600
1300x600
انشغل المفكرون والفلاسفة منذ قرون خلت بمسألة خلق الإنسان، وتاهت البشرية كثيرا وهي تبحث عن مكانة ومغزى وجود الإنسان على هذا الكوكب.

فمنهم من جعل البشر أو فئة منهم فقط آلهة من دون الله، بما لذلك من نتائج على آليات تعامله مع غيره من البشر أو الكائنات الأخرى أو الثروات الطبيعية الكامنة بهذا الكون، ومنهم من أنزل الإنسان لمرتبة المخلوقات المادية الأخرى، حيث لا تحكمه سوى الغرائز الدفينة فيه، وقوانين الطبيعة الحاضنة له، بما له أيضا من نتائج ليس أقلها أهمية؛ انعدام المسئولية الأخلاقية للإنسان تجاه غيره من المخلوقات والبيئة المحيطة به. فالإنسان عند هؤلاء لا يزيد ولا ينقص عن مرتبة الحيوان الناطق، لذلك وأينما وليت وجهك لن تجد تفسيرا منطقيا لخلق الإنسان، وأهداف وجوده، يفوق بتوازنه ومثاليته التفسير الإسلامي. فهو الذي حدد سبب خلقه، بالإضافة إلى دوافع خلق الكائنات الأخرى والثروات الطبيعية، وحدود وضوابط تعامل الإنسان بهذا الكون الفسيح.

الملفت أنه عندما عرض الله على الملائكة فكرة خلق الإنسان، أول ما جاء على أذهانهم هو التخوف من إفساد الإنسان للأرض وسفك الدماء فيها، ومعلوم أن الإفساد هو عكس الإعمار، فهل كان بالفعل تشكك الملائكة رضوان الله عليهم في محله؟ وهل حققت البشرية بعد كل هذه المنعطفات التاريخية والتطورات التكنولوجية الأهداف المرجوة من خَلقِها، وهو كما حددها الله تعالى بعبادته من ناحية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وهذا ليس موضوعنا هنا، وعمارة الأرض من ناحية أخرى (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). فأين نحن حقا من عمارة الأرض؟ وإلى أين وصلت البشرية في تحقيق هذا الهدف؟

لو احتكم المرء بالطبع للرؤية السطحية، لكانت الإجابة أكثر سهولة، وسيجيب أي مراقب لأحوال البشر حاليا وبحماس شديد: نعم، وصلت البشرية قطعا لمستوى مذهل في عمارة الأرض.. ألم نبن ناطحات السحاب الشاهقة؟ ألم نهبط على سطح القمر؟ ألم نُحلِّق في الآفاق وبسرعات تفوق سرعة الصوت بمراحل؟ ألم نبن سفنا بأحجام قياسية؟ ألم نتواصل بأسلاٍك وبدونها، صوتا وصورة حتى صار العالم قرية صغيرة؟ ألم نبتكر روبوتات تتكلم وتسمع وترى، بل وتفهم أيضا بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ ألم نشطر الذرة ونولد بذلك قوة كهربائية كافية لإنارة مدن صغيرة لمدة عام بحفنة صغيرة من اليورانيوم؟ ألم نقهر الأمراض والأوبئة بواسطة تفوقنا بعلوم الطب والمناعة؟ ألم نفك شفرة المادة الوراثية للكثير من الكائنات وعلى رأسها الإنسان، وفتحنا بذلك الباب على مصراعيه لهندسة الجينات كما نحب؟

لكن بمزيد من التعمق سيتولد سؤال جديد: هل بالفعل تصب جميع تلك الإنجازات في مسار إعمار الأرض، هل حققت كل هذه التطورات التكنولوجية ما تصبو إليه البشرية تحقيقا لحكمة الخالق؟ من أجل أن نجيب على هذا السؤال لا بد أن نعرف أولا ما هي المآلات الحقيقية لإنجازات البشرية واحدا واحدا بجميع المجالات. وهذا مما يصعب حصره بالطبع، لكن بالمجمل يمكن وينبغي لنا أن نرسم ملامح التقدم البشري الذي وصل الإنسان إليه، والثمن الهائل الذي دفعه وما زال يدفعه، لتحقيق هذا الهدف واستمراره. هكذا فقط يمكن للمتأمل أن يزن بميزان المكسب والخسارة.. هل ما نحن بصدده هو حقا إعمار للأرض، أم أن الأمر بدأ يأخذ منحى آخر تماما، هو أقرب للإفساد منه إلى الإعمار؟

لكن ربما يتساءل البعض عن جدوى هذه المقاربة، وهل هي فلسفية ونظرية فقط، أم واقعية وموضوعية أيضا، بل وشديدة الأهمية لتقييم أداء البشرية ككل بمسيرتها في تحقيق أهم أهداف خلقها من الأساس. فقد تعلمنا في مجال إدارة الأعمال (إذا اعتبرنا أن حياة الإنسان هي مجموعة من الأعمال التي يمكن قياس أدائها) أن تقييم الأداء هو أهم عناصر النجاح، ومفتاح استدامته، إن كان هناك نجاح أصلا، وإن لم يكن هناك نجاح، فقد يكون تقييم الأداء هو الوحيد القادر على تشخيص أسباب الفشل والملهم لتعديل المسار.

وربما يتساءل آخر: ما علاقتنا نحن كمسلمين بهذا السؤال، فنحن وخاصة في هذا العصر، خارج إطار هذا النقاش تماما، فأين نحن من هذا التقدم التكنولوجي والتطور الصناعي والزراعي والعلمي؟ لكن الحقيقة هي أننا المعنيون في الأصل بهذا النقاش، لأنه وكما أسلفنا نحن أصحاب تلك الأيديولوجية التي تمتلك أكثر التفسيرات توازنا لخلق الإنسان، حيث إعمار الأرض بالضوابط التي حددها خالق الكون تمنع إفساد الإنسان لغيره من مكونات هذا الكون من بشر وشجر وحجر.

والآن بالعودة لسؤالنا: إلى أين وصلت البشرية في تحقيق هدف إعمار الأرض؟ وللإجابة عليه ربما من الأجدى والأكثر حيادية أن نستعين أولا برأي بعض المنتمين لهؤلاء القوم، الذين وصلوا اليوم لمستوى حضاري متقدم جدا، على الأقل سطحيا في القدرة على إبهار الناظرين وإقناعهم بما يبدو وكأنه إعمار للأرض.

في كتابه "المجتمع المنحل"، سطر الكاتب الأمريكي روس دوثات خريج جامعة هارفارد وكاتب نيويورك تايمز الآتي: "ماذا لو كان الشعور بالتطور السريع وهما، مستحضَرا فقط بتوقعاتنا المسبقة للتقدم الدائم، ومبالغا فيه بسبب النظر إليه بعين الإنترنت المشوهة؟ ماذا لو كنا نعيش حقا حقبة يكون فيها التكرار هو القاعدة أكثر من الاختراع؛ حيث تتسم سياساتنا بالجمود وليس بروح التغيير؛ حيث ينتاب التصلب والشيخوخة مؤسساتنا العامة وحياتنا الخاصة على حٍد سواء؛ وحيث يكون العائد دائما أقل من المطلوب مع أي تطورات علمية أو مشاريع استكشافية جديدة؛ وحيث نعيش أطول لكننا نكبر ونحن جالسين في بلادة على ضوء الشاشات الصغيرة غير متفائلين بالمستقبل؟ الخلاصة هي أنه كلما ابتعدت عن توهج الهواتف الذكية، أصبح الأمر لديك أكثر وضوحا: لقد دخلت حضارتنا عصر الانحطاط".

ليس بعيدا عن ذلك، كتب المؤرخ جاك بارزون في كتابه "من الفجر حتى الانحطاط.. 500 عام من الحضارة الغربية" ما يلي: "عندما لا ترى معالم واضحة للتقدم؛ عندما تبدو أشكال الفن مثلها كأنماط الحياة مستهلكة وفارغة؛ عندما تتآكل أوجه التنمية والتطوير؛ عندما تعمل المؤسسات العامة بشكل يرثى له؛ عندما يكون التكرار والإحباط نتيجة حتمية؛ عندما يصبح الملل والإرهاق قوى سلبية سائدة؛ عندما يعتاد الناس العبث والسخافة كأمر طبيعي، فاعلم أن الحضارة منحلة".

بالطبع لا بد من إضافة معالم أخرى تميز عصرنا، كالتغير المناخي والتلوث البيئي، تلك الأضرار الفادحة التي لحقت بكوكبنا، كآثار جانبية مرتبطة عضويا بعمارة الإنسان المفترضة للأرض ونشاطه الصناعي بانبعاثاته وعوادمه الكثيفة التي تهدد ليس فقط بتفسخ الحضارة، بل بإبادة وانقراض الكائنات الحية، حتى الإنسان لن يكون بمأمن أكثر من غيره جراء ذلك. تلك الأضرار تتصارع حولها حاليا القوى الصناعية الكبرى، المتسببة الرئيسة بها، وكٌل يلقي الذنب على الآخر، غير مبالين بتحمل مسئولية ما أفسدته أيديهم، رغم آثارها الكارثية على الكوكب كله ومن عليه.

فحسب اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ، فقد زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء بنسبة 47 في المئة منذ بدء الثورة الصناعية، هذا تسبب بالتالي بارتفاع درجة حرارة الكوكب بمقدار درجة مئوية واحدة عما كانت عليه قبل التغول الصناعي. وتتوقع اللجنة أن تزيد درجة حرارة الأرض درجة مئوية إضافية بحلول عام 2100. هذا الارتفاع قد يبدو لغير المتخصص تافها، لكن للأسف له نتائج مأساوية هائلة: كاختفاء مدن ساحلية بأكملها في المستقبل القريب بسبب ذوبان الجليد القطبي بمعدل سريع، والذي أدى بالفعل لارتفاع مستوى سطح البحر اليوم بمقدار 21-24 سنتيمتر عما كان عليه في عام 1880، والتوقعات المستقبلية متشائمة لحد كبير بهذا الصدد. ويضاف إلى ذلك إلى نقص الغذاء بسبب تضرر النشاط الزراعي إثر ازدياد معدلات الأمطار والفيضانات بمناطق، والجدب والجفاف بمناطق جغرافية أخرى، واختلال الثروة السمكية وانقراض الكثير منها بفعل احترار البحار وزيادة حمضية مائها، عدا عن الخسائر الهائلة بالأرواح والممتلكات نتيجة ارتفاع حدة العواصف والأعاصير.

كما يجب الإشارة للاستنزاف غير المسبوق للثروات الطبيعية، وعلى رأسها الوقود الأحفوري غير المتجدد كالبترول والغاز الطبيعي والفحم، حيث تشير تقديرات الشركة البريطانية "بريتيش بتروليوم" إلى زوال كامل احتياطيات العالم منها بحلول الأعوام 2066 و2068 و2113 على التوالي. وهذه بالمناسبة أكثر التقديرات تفاؤلا.

وكذلك إزالة أشجار الغابات المطيرة المعروفة برئة الأرض نظرا لدورها الحيوي بإعادة تدوير الأكسجين من ثاني أكسيد الكربون، والتي يعتقد بزوالها تماما من على وجه الأرض بعد مائة عام إذا استمر استنزافها بنفس المعدل الحالي.

وأخيرا وربما الأهم نضوب الماء العذب الذي يمثل في نظر العديد من الخبراء السبب الأهم للحروب والصراعات في العقود القادمة، صحيح أن ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية مُغطى بالماء، لكن 90 في المئة منه هو ماء مالح، وتقدر نسبة الماء الصالح للشرب منه بحوالي 2 في المئة فقط. وتتنوع أسباب نضوب هذا القدر القليل أصلا؛ من زيادة الطلب عليه بسبب النمو السكاني، إلى ارتفاع نسبة التبخر وانتشار الجفاف ببعض المناطق بسبب تغير المناخ، إلى تفاقم معدل تلوثه بسبب العوادم الصناعية وامتزاجه بمياه الصرف.

وليس آخر سمات هذا العصر الجديرة بالذكر، رغم مساسها بأهم عنصر بعمارة الأرض وهو الإنسان، زيادة معدلات الفقر واختلال العدالة الاجتماعية بتوسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء لمستوى غير مسبوق. فحسب منظمة أوكسفام الدولية، فإن 82 في المئة من الثروة العالمية التي جُمعت في عام 2018 حصل عليها 1 في المئة فقط من سكان العالم. بل وكشف آخر تقرير لنفس المنظمة أن ثروات أغنى عشرة رجال في العالم قد نمت بمقدار نصف تريليون دولار منذ بداية وباء كورونا، بينما سيعيش مليارات البشر في فقر مدقع لمدة عقد على الأقل بفعل التأثيرات الكارثية لهذه الجائحة.

بالتأكيد الأمثلة كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها، كزيادة معدلات الاكتئاب والانتحار والإدمان والتطرف والعنف والهجرة القسرية، ولا يجب أن ننسى والبشرية تعيش حاليا مأساة حقيقية، إضافة وباء كورونا الذي يشك البعض بأنه ربما نشأ نتيجة تسرب من معمل لأبحاث الفيروسات في الصين، يعمل بتقنية تُعد في الأصل إنجازا للبشرية وهي الهندسة الوراثية.

كل ذلك يثبت وبالأدلة القاطعة أن القول بنجاح الإنسان في عمارة الأرض يصعب الدفاع عنه بالحماس الكافي، بعد معرفة كل تلك الأضرار الهائلة، والثمن الفادح الذي يدفعه الكوكب وسكانه مقابل ذلك الإعمار المفترض، خاصة اذا استمر بهذا النمط الحالي، والذي لا يراعي مطلقا التوازن بين استهلاك مصادر الثروات الطبيعية وبين محدودية وفرتها.. بين رغبة الإنسان الفطرية للتقدم وبين المسؤولية الأخلاقية لعواقب ابتكاراته، سواء عليه أو على بيئته.. بين تربح البعض القليل وبين خسارة الغالبية العظمى من البشر.. بين حاجة الإنسان الآنية لإعمار الأرض وبين وجوب الاهتمام باستدامته مستقبلا له ولسلالته من بعده. أما سياسة أنا وبعدي الطوفان، أو الغاية تبرر الوسيلة، فلا تليق إلا بمعتنقي الفلسفة العدمية أو مذهب المكيافيلية الانتهازية.

أخيرا نشير إلى أن هناك البعض الذي يتهم ذلك النوع من تحليل الواقع، بأنه يمثل نظرة تشاؤمية وتركيزا على نصف الكوب الفارغ فقط، وأن الأمر لا يعدو كون إعمار الأرض شأنا بشريا لا تُفترض فيه المثالية، كسائر شؤون البشر، وهو دائما مزيج بين الإيجابيات والسلبيات. وهذه وجهة نظر مقبولة بالطبع للوهلة الأولى، لكنها بتعمق أكثر لا تبرر ما نتحدث عنه. فالأمر لا يمس اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب، بل بأفعال عمدية تصل إلى جرائم قد تسفر عن دمار حتمي للكوكب ولساكنيه، مما يعني أننا بدلا من أن نعمر الأرض كما أراد الخالق من البشر، نسعى لتأكيد مخاوف الملائكة وشكوكهم من آدم وبنيه.
التعليقات (0)