أفكَار

لا وجود لكلام أعجمي في القرآن.. لأنه وجد قبل الإنسان.. وهذا الدليل

أنزل الله القرآن ببعض المفردات الموجودة في اللغات الأخرى المتداولة خارج قبيلة أم القرى وما حولها.. (الأناضول)
لقد أوجد الله لسان القرآن كما هو بقواعده الحالية في غيب السماء، وبه علم آدم كل الأسماء وحفظه على حاله، حتى أنزل الوحي به في غار حراء. وهذا هو التفسير الذي يجيب كل الذين يبحثون عن الشبهات في كتاب الله لتضليل البسطاء من عباده المؤمنين.

والحقيقة أن كل اللغات البشرية كانت منحدرة من أم اللغات، التي لا يعلمها إلا خالقها، كما يتبين لكم لاحقا؛ ولذلك أنزل الله القرآن ببعض المفردات الموجودة في اللغات الأخرى المتداولة خارج  قبيلة أم القرى وما حولها. والدليل على ذلك، أن بعض الصحابة أنفسهم لم يعرفوا معاني بعضها، كما هو معلوم، وهي موجودة في الآرامية والفارسية والمصرية واليونانية واللاتينية، وغيرها مما سنذكر أمثلة عن بعضها  لاحقا.

فالله هو الذي يعلم كل تلك الأسماء التي علم بها آدم ونحن نجهلها، فحكمنا يجهلنا على عجمتها، حتى أظهر لنا حكمته فيما سنقرؤه على لسان عباده المسخرين، لإظهار بعض أسرار آياته للعالمين. 

يقول الدكتور زغلول النجار في حديث (سمعي بصري) على شبكة التواصل الاجتماعي منذ أيام، ما مفاده، أنه قرأ كتابا لعالم أمريكي مشهور (لم يذكر اسمه)، عنوانه (في البدء كانت الإشارة)، وهو ما يعني في نظره أن الإنسان بدأ جاهلا أبكم، لا يعرف شيئا، ثم تعلم الكلام من تقليد أصوات الطيور وغيرها، وهو كلام لا أساس له من الصحة، كما يقول؛ لأن القرآن الكريم يؤكد لنا أن آدم ـ عليه السلام ـ بدأ عالما، عابدا، يعرف ربه، ويتكلم مع أهله باللغة العربية، التي علمه بها الله كما ورد في قوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم". (البقرة 32) وبها خاطب آدم أهله وربى أبناءه على الإسلام القائم على التوحيد، الخالص لله وحده.

الحقيقة أن كل اللغات البشرية كانت منحدرة من أم اللغات، التي لا يعلمها إلا خالقها، كما يتبين لكم لاحقا؛ ولذلك أنزل الله القرآن ببعض المفردات الموجودة في اللغات الأخرى المتداولة خارج  قبيلة أم القرى وما حولها.
ويقول بأنه يوجد في العالم حوالي 7000 لغة، في كل منها كلمات متشابهة مع لغات أخرى متفرعة عنها في الأصل، وقد ابتعد بعضها عن بعض مع الزمن؛ نتيجة الهجرات البشرية من الجزيرة العربية إلى كل قارات الأرض.

ويقول بأن آدم أبو البشر ـ عليه السلام عاش وأهله في مكة المكرمة، ومات ودفن فيها وعبد ربه فيها باللغة العربية، وقد أمره الله أن يسكن مكة، وهي بقعة لا تستوعب أعدادا كبيرة من البشر؛ لأنها أرض صخرية جرداء جدباء، ليس فيها  تربة صالحة للزراعة، ولا يوجد فيها وفرة من المياه تكفي لإنتاج الغذاء لعدد كبير من الناس، ولذلك هاجرت ذريته بعد تكاثرها وكانت الهجرة الأولى إلى العراق، حيث كان فيه أقرب مصدر دائم للمياه، ونوح ـ عليه السلام ـ عاش في العراق، والطوفان حدث في العراق أيضا.

والهجرة الثانية لأبناء آدم كانت لوادي النيل، وهو أقرب الأنهار إلى الجزيرة العربية، وهنا بدأت تتحول اللغة العربية إلى لهجات، ومع الزمن تتحول إلى لغات متباعدة في النطق ومخارج الحروف، ومع ذلك نجد في كل اللغات كلمات ذات أصل عربي يعود إلى لغة آدم -عليه السلام-.

ويستشهد الدكتور بقوله؛ "إن أحد الإخوان (ولم يذكر اسمه)، أعد رسالة دكتوراه أثبت فيها أن في اللغة الإنجليزية أكثر من 5000 كلمة عربية. ويقول: أنا درست في بريطانيا، وأدركت أن اللغة الإنجليزية فيها كثير من المفردات العربية. وكما بدأ ربنا خلق الإنسان من العدم، بدأ آدم وحواء الحديث باللغة العربية، والآن يعرف الإنسان حوالي 7000 لغة. أغلبها منطوق فقط!! واللغات المكتوبة (التي لا تتجاوز 150 لغة في كل تاريخ البشرية)، كلها تتضمن كلمات عربية، مما يؤكد لكل ذي بصيرة، أن العربية هي أصل جميع اللغات".

وتأكيدا لذلك، يقول الدكتور مصطفى محمود في بحث مطول له، في كتابه (عالم الأسرار)، نقتبس منه بعض الفقرات حرفيا، ونوردها بين قوسين، ونورد بعض كلامه بتصرف وإضافات منا خارج علامات التنصيص، نوردها كتعاليق؛ قصد بلورة الفكرة التي نحن بصدد بحثها وتبليغها بموضوعية إلى القراء الكرام، الذين يعود إليهم الرأي والحكم في النهاية.

يقول الدكتور مصطفى محمود: "لقد كان لي اهتمام كبير باللغات البشرية منذ زمن طويل، وكانت لي وقفة تأملية عميقة أمام أصل اللغات (آيات الله في كونه)، وأنا اتأمل اللفظة العربية "كهف" مثلا فأجدها:

في الإنجليزية (cave)، وفي الفرنسية (cave)، وفي الإيطالية (cava)، وفي اللاتينية (cavus)، فأسأل وأنا أراها كلها ذات أصل واحد، فأتساءل عن اللغة التي أخذت من الأخرى.!؟ وكان الجواب يحتاج للغوص في علم اللغويات، والبحث في البحار القديمة التي خرجت منها كل الكلمات التي نتداولها اليوم في مختلف لغات العالم".

هذه اللغات التي يفوق عددها الآن 6700 لغة كما أسلفنا (منها الشفهي البدائي والحضاري المكتوب)، الذي لا يتجاوز 150  لغة ذات حروف وقواعد في كل تاريخ البشرية حتى الآن، والمتداول منها حاليا لا يتجاوز 30 لغة تقريبا، تتقاسمها كل دول الأمم المتحدة التي يبلغ عددها الآن 194 دولة كما هو معلوم، بحيث تتقاسم كل مجموعة منها لغة واحدة كدول الجامعة العربية بالنسبة للغة القرآن، ودول أمريكا اللاتينية بالنسبة للأسبانية، والدول الأفريقية (غير العربية) بالنسبة للإنجليزية والفرنسية، حسب المستعمر السابق الذي فرض لغته على هذا الشعب الأفريقي، أو ذاك على حساب اللغة العربية التي تعتبر اللغة الحضارية الوحيدة المكتوبة، غير الأجنبية على القارة. والكل يعلم المذابح التي ارتكبها الفرنسيون عند احتلال النيجر ومالي وتشاد وغيرها في شرق القارة وغربها، من مذابح في مئات العلماء ومعلمي اللغة العربية في هذه البلدان، كما تشهد الوثائق التي سجلنا أهمها في كتابنا (مستقبل اللغة العربية بين محاربة الأعداء وإرادة السماء!؟!؟ ـ  دار الأمة الجزائر 2010).

ورغم هذه الحرب التي تشن ضد اللغة العربية من كل الأعداء، تأتي في المرتبة الرابعة عالميا من العشر الأولى بعد الإنجليزية والصينية والإسبانية، وتأتي الفرنسية في المرتبة التاسعة قبل الألمانية.

والجواب عن السؤال السابق الذي طرحه الدكتور مصطفى محمود، يحتاج ـ كما يقول- للغوص في علم اللغويات والبحث في البحار القديمة التي خرجت منها كل الكلمات التي نتداولها، وكان هذا الأمر يحتاج إلى سنوات وربما إلى عمر آخر، وقد استرشدنا بما قام به بعض الباحثين العرب في هذا المجال، ومنهم على سبيل المثال، البحاثة أنستاس الكرملي الذي يقول عن الأصل العربي للغات الأوروبية، وتحور الكلمات العربية فيها حسب مخارج حروفها (الحلقية)، التي لا يوجد ما يقابلها في هذه اللغات اللاتينية ما نصه:

"إن أشد الحروف السامية تقلبا في اللغات الأوروبية هي حروف الحلق، وإذ لا وجود لها في لغات الأعاجم، فقد اضطروا إلى تصويرها باتخاذ أقرب الحروف إليها مخرجا أو حذفوها بتاتا لاستثقالهم إياها على لسانهم، وهذا الأمر معروف في اللغات الإفرنجية الحديثة، فضلا عن اللغات القديمة. وهذه الحقيقة تنجلي لك كل الانجلاء إذا ما قابلت الأعلام القديمة ذوات الحروف الحلقية، بما صارت إليها في نقلها إلى لغات الأغراب (يقصد غير العرب)، فكلمة حواء مثلا نقلت بصور مختلفة أي Heva ثم Eva ثم Ever.

فإن الحاء انقلبت هاء ثم حذفت، والواو قلبت. وكذلك قل عن بيت لحم، فإنها صارت Bethlehem ثم Bethlehem  ثم إلى صور أخرى مذكورة في اللغات التي انتقلت إليها.". بينما اسم آدم (الخالي من حروف الحلق)، بقي ينطق في كل الألسنة كما نزل في القرآن  تماما.

ويضيف الدكتور مصطفى محمود قوله في البحث عن ضالته: "ودار الزمان إلى أن ظهر كتاب عنوانه "اللغة العربية أصل اللغات". والكتاب بالإنجليزية، والمؤلفة هي تحية عبد العزيز إسماعيل أستاذة متخصصة في علم اللغويات، تدرس هذه المادة في الجامعة، فقلت في نفسي: لقد وقعت على ضالتي. ولما بحثت، عرفت أنها قضت عشر سنوات تنقب وتبحث في الوثائق والمخطوطات والمراجع والقواميس؛ لتصل إلى هذا الحكم القاطع... فازداد فضولي وشوقي وتعلقت بالكتاب تعلقا شديدا.".

وأنا الآن (وهذا كلامي)، أبحث عن مؤسسة جادة في العالم العربي كالمجامع اللغوية وغيرها (وقد اتصلت ببعضها) لتتولى ترجمته إلى اللغة العربية، وتنشره لينير درب الأجيال والدول العربية الضائعة  الموزعة بكل عقد  نقصها المركبة إزاء الغرب، بين مائدتي فولتير وشيكسبير منذ ما يزيد عن القرنين من زمن الاحتلال والاستحلال. (راجعوا معنى الاستحلال في مقالنا هنا  10 تموز/يوليو  2023). والكتاب يعتبر بحق ثروة أكاديمية وفتحا جديدا في علم اللغويات.

وعنه يقول الدكتور مصطفى محمود: "ألفت نظر القارئ أن يمر بعينيه على الجداول الملحقة بالمقال، ويلاحظ الألفاظ المشتركة بين اللغة العربية والإنجليزية، وبين العربية واللاتينية، وبين العربية والأنجلوساكسونية، وبين العربية والفرنسية، وبين العربية والأوروبية القديمة، وبين العربية واليونانية، وبين العربية والإيطالية، وبين العربية والسنسكريتية، ليشهد هذا الشارع العربي المشترك الذي تتقاطع فيه كل شوارع اللغات المختلفة، وهذا الكم الهائل المشترك من الكلمات رغم القارات والمحيطات التي تفصل شعوبها بعضها عن بعض وأعود إلى السؤال:

لماذا خرجت المؤلفة بالنتيجة القاطعة أن اللغة العربية كانت الأصل والمنبع، وأن جميع اللغات كانت قنوات وروافد منها؟".

تقول المؤلفة عن أسباب ذلك في كتابها؛ "إن السبب الأول، هو سعة اللغة العربية وغناها وضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي؛ فاللغة اللاتينية بها سبعمائة جذر لغوي فقط، والساكسونية بها ألفا جذر! بينما العربية بها ستة عشر ألف جذر لغوي، يضاف إلى هذه السعة، سعة أخرى في التفعيل والاشتقاق والتركيب... ففي الإنجليزية مثلا لفظ Tall بمعنى طويل والتشابه بين الكلمتين في النطق واضح، ولكننا نجد أن اللفظة العربية تخرج منها مشتقات وتراكيب بلا عدد (طال يطول وطائل وطائلة وطويل وطويلة وذو الطول ومستطيل... إلخ)، بينما اللفظ الإنجليزي Tall لا يخرج منه شيء.

والملاحظة نفسها في لفظة أخرى مثل Good بالإنجليزية وجيد بالعربية، وكلاهما متشابه في النطق، ولكننا نجد كلمة جيد يخرج منها الجود والجودة والإجادة ويجيد ويجود وجواد وجياد... إلخ، ولا نجد لفظ Good يخرج منه شيء!

ثم نجد في العربية اللفظة الواحدة تعطي أكثر من معنى بمجرد تلوين الوزن... فمثلا قاتل وقتيل، وفيض وفيضان، ورحيم ورحمان، ورضى ورضوان، وعنف وعنفوان... اختلافات في المعنى أحيانا تصل إلى العكس كما في قاتل وقتيل، وهذا التلوين في الإيقاع الوزني غير معروف في اللغات الأخرى. وإذا احتاج الأمر لا يجد الإنجليزي بدا من استخدام كلمتين مثل Good & Very Good للتعبير عن الجيد والأجود".

وميزة أخرى ينفرد بها الحرف العربي، هي أن الحرف العربي بذاته له رمزية ودلالة ومعنى، نجده مفصلا بمنطق خلاق مبدع من لدن عليم، خبير صنفه العلماء في كتب (حروف المعاني) مثل معاني المواد اللغوية المصنفة في القواميس، حسب مدلول كل مادة (ثلاثية الحروف) ومشتقاتها. وهي ميزة تنفرد بها اللغة العربية وحدها في الوجود كما سنرى... فحرف الحاء مثلا نراه يرمز للحدة والسخونة،  مثل حمى وحرارة وحر وحب وحريق وحقد وحميم وحنظل وحريف وحرام وحرير وحنان وحكة وحاد وحق. بينما نجد حرفا آخر مثل الخاء يرمز إلى كل ما هو كريه وسيئ ومنفر، ويدخل في كلمات مثل: خوف وخزي وخجل وخيانة وخلاعة وخنوثة وخذلان وخنزير وخنفس وخرقة وخلط وخبط وخرف وخسة وخسيس وخلع وخواء.

ونرى الطفل إذا لمس النار قال: أخ، ونرى الكبير إذا اكتشف أنه نسي أمرا مهمّا يقول: "أخ"؛ فالنسيان أمر سيئ، وهذه الرمزية الخاصة بالحرف التي تجعله بمفرده ذا معنى، هي خاصية ينفرد بها الحرف العربي ولسانه وحده كما قلنا، لذا نجد سور القرآن أحيانا تبدأ بما يسمى بالحروف المتقطعة، فتبدأ بحرف واحد مثل: "ص، ق، ن". أو "ألم"... وكأنما ذلك الحرف بذاته يعني شيئا عند الله.

وجهلنا لمعناه لا ينفي وجوده عنده هو الذي لا يعلم تأويل كلامه إلا هو ـ عز وجل ـ كما قال: "والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا".

ثم يضيف الدكتور  قوله: "نستطيع أن نؤلف بالعربية جملا قصيرة جدا مثل "لن أذهب"، ومثل هذه الجملة القصيرة يحتاج الإنجليزي إلى جملة طويلة ليترجمها، فيقول I shall not go ليعني بذلك الشيء نفسه؛ لأنه لا يجد عنده ما يقابل هذه الرمزية في الحروف، التي تسهل عليه الوصول إلى مراده بأقل كلمات".

وإذا ذهبنا نتتبع تاريخ اللغة العربية ونحوها وصرفها وقواعدها وكلماتها وتراكيبها، فسوف نكتشف أن نحوها وصرفها وقواعدها وأساليب التراكيب والاشتقاق فيها، ثابتة لم تتغير على مدى ما نعلم منذ آلاف السنين، وكل ما حدث أن نهرها كان يتسع من حيث المحصول والكلمات والمفردات كلما اتسعت المناسبات، ولكنها ظلت حافظة لكيانها وهيكلها وقوانينها، ولم تجر عليها عوامل الفناء والانحلال أو التشويه والتحريف، وهو ما لم يحدث في اللغات الأخرى التي دخلها التحريف والإضافة والحذف والإدماج والاختصار، وتغيرت أجروميتها مرة بعد مرة.

إذا ذهبنا نتتبع تاريخ اللغة العربية ونحوها وصرفها وقواعدها وكلماتها وتراكيبها، فسوف نكتشف أن نحوها وصرفها وقواعدها وأساليب التراكيب والاشتقاق فيها، ثابتة لم تتغير على مدى ما نعلم منذ آلاف السنين، وكل ما حدث أن نهرها كان يتسع من حيث المحصول والكلمات والمفردات كلما اتسعت المناسبات، ولكنها ظلت حافظة لكيانها وهيكلها وقوانينها.
وفي اللغة الألمانية القديمة نجد لغة فصحى خاصة بالشمال غير اللغة الفصحى الخاصة بالجنوب، ونجد أجرومية مختلفة في اللغتين، ونجد التطور يؤدي إلى التداخل والإدماج والاختصار والتحريف والتغيير في القواعد، والشيء نفسه في اللاتينية وأنواعها في اليونانية وفي الأنجلوساكسونية، ولهذا اختار الله اللغة العربية وعاء للقرآن؛ لأنه وعاء محفوظ غير ذي عوج، وامتدح قرآنه بقوله: "قرآنا عربيا غير ذي عوج".

وتوجد في القرآن الكريم 12 آية بينة تدل على علاقة كلام الله بالبيان العربي الأزلي في اللوح المحفوظ بنص قوله تعالى: "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان"، ليفهم لسان القرآن الموجود قبل خلق الإنسان كما هو واضح من نص الآية.

وحدث ولا حرج عن غنى اللغة العربية بمترادفاتها؛ حيث تجد للأسد العديد من الأسماء؛ فهو الليث والغضنفر والسبع والرئبال والهزبر والضرغام والضيغم والورد والقسورة... إلخ. ونجد كل اسم يعكس صفة مختلفة في الأسد، ونجد لكل اسم ظلالا ورنينا وإيقاعا.

ومن الطبيعي أن يأخذ الفقير من الغني وليس العكس، ومن الطبيعي أن تأخذ اللاتينية والساكسونية والأوروبية واليونانية من العربية، وأن تكون العربية هي الأصل الأول لجميع اللغات، وأن تكون هي التي أوحيت بقواعدها وتفعيلاتها وكلماتها إلى آدم كما قال القرآن: "وعلم آدم الأسماء.." (البقرة 32).

ولكن المؤلفة لا تكتفي بالسند الديني، وإنما تقوم بتشريح الكلمات اللاتينية والأوروبية واليونانية والهيروغليفية، وتكشف عن تراكيبها وتردها إلى أصولها العربية، شارحة ما جدّ على تلك الكلمات من حذف وإدماج واختصار، تفعل هذا في صبر ودأب وأناة ومثابرة عجيبة. إلى أن يقول: "نحن أمام دراسة أكاديمية وفتح جديد في علم اللغويات تستحق صاحبته الدكتوراه الشرفية من الجامعة، والتحية من الأزهر، والاهتمام من القارئ الأجنبي والعربي، والالتفات من النقاد، والمناقشة الجادة من الأكاديميين؛ حتى لا يقال عنا إننا لا نقوم ولا نقعد إلا لمباريات كرة الصبيان.".

وليس لدماغ الإنسان واللسان والوجدان وهوية الأمة وسياسة الدولة وسيادتها وحضارتها الممتدة عبر العصور بين الظلام والنور والتقهقر والازدهار، حسب سياسات الدول المتحضرة الصاعدة أو الآخذة في الانحدار إلى الزوال والاندثار، ويبقى اللسان دائما ظلا للإنسان الناطق به، ومتبوعا به وليس تابعا له، ولا يستقيم الظل والعود أعوج.

ومع ذلك، يبقى اللسان العربي مستقيما شامخا عزيزا في عليين، وأغلب الناطقين به من الحكام والمحكومين أذلاء متخاذلين في أسفل سافلين، رغم نعمة الله عليهم بأفضل لسان وأفصح بيان أبدعه خالقه لتنزيل كتابه المبين على خاتم الأنبياء والمرسلين، القائمين بالمعجزة الدائمة الميسرة للذكر أبد الدهر، والمحفوظة به في السطور والصدور إلى يوم الدين. والعزة لله وللأعزاء من عباده الأوفياء الصادقين، والذلة والخسران المبين للأذلاء المتخاذلين في نصرة لسان الأمة والدين في الأولين والآخرين.

*كاتب وناشر جزائري