كتاب عربي 21

ليبيا.. تعقيب على بيانات الإنفاق العام لسنة 2021م

1300x600

ندوة المكاشفة التي نظمتها حكومة الوحدة الوطنية الأسبوع الماضي مهمة من ناحية الحاجة إلى إطلاع الليبيين على الواقع المالي والمالية العامة للدولة بعد اتهام الحكومة بالوقوع في فساد "فاحت" رائحته داخل البلاد وخارجها كما صرح بذلك بعض المعارضين للحكومة.

لذا ينبغي الإشادة بمسعى الحكومة لتعزيز الشفافية باستعراض الموقف المالي للدولة من زاوية تنفيذ الميزانية وحساب الإيرادات والنفقات العامة للعام 2021م، إلا أن الحكومة وقعت أثناء عرضها للإنفاق العام فيما يمكن أن يشوب مبدأ الشفافية بشائبة.

جدل حجم الإنفاق العام

بداية ينبغي التعقيب على ابتهاج الحكومة من أنها سجلت أقل مستوى من الإنفاق خلال العشر سنوات الماضية وذلك بالنظر إلى حجم الإنفاق مقوما بالدولار، فالإنفاق العام يحتسب بالعملة المحلية وقد بلغ إجمالي الإنفاق لهذا العام نحو 86 مليار دينار ليبي وهو الأكبر في التاريخ معاصر لليبيا.

الفارق الكبير بين الإنفاق مقوما بالدولار وبالدينار يرجع إلى التغيير في سعر صرف الدينار الليبي والذي تم احتسابه بـ 4.48 دينار مقابل الدولار منذ يناير 2021م بعد أن كان يعادل 1.4 للدولار، الأمر الذي وضع بين يدي الحكومة فائضا كبيرا بالدينار الليبي دفعها إلى التوسع في الإنفاق العام وبزيادة تقدر بنحو 120% عن ما تم إنفاقه العام 2020م. 

اضطراب في المسميات والأرقام

من المهم أيضا التأكيد على أن اضطرابا وقع باستخدام مصطلحات ليست متداولة في مجال المالية العامة للدولة، فقد ورد لفظ المعتمد والمستخدم عند الحديث عن بند النفقات العامة، وبحسب ما فهم من كلام من استعرضوا البيانات أن المعتمد هو ما قامت وزارة المالية بتنفيذه من أوجه الإنفاق فيما يراد بالمستخدم الإنفاق الفعلي.

قال وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء إن ما تم تنفيذه من قبل وزارة المالية بلغ نحو 86 مليار دينار ليبي، واستدرك بأن المستخدم، أي ما أنفق فعليا، بلغ 75 مليار دينار، عليه يكون المقصود بما تم تنفيذه هو النفقات التي تم إصدار أذونات صرف بحقها وصرف منها 75 مليارا.

 

ينبغي الإشادة بمسعى الحكومة لتعزيز الشفافية باستعراض الموقف المالي للدولة من زاوية تنفيذ الميزانية وحساب الإيرادات والنفقات العامة للعام 2021م، إلا أن الحكومة وقعت أثناء عرضها للإنفاق العام فيما يمكن أن يشوب مبدأ الشفافية بشائبة.

 



الارتباك في توصيف الحركة المالية للميزانية في جانب النفقات لم يقتصر على المسميات، فبالنظر إلى المبلغ الذي تم استخدامه، أي إنفاقه فعليا، بحسب الوزير شمل 17.4 مليار دينار لصالح مشروعات التنمية، إلا إنه عاد وذكر أن ما أنفق فعليا على هذا البند بلغ فقط 6 مليارات دينار. 

من ناحية أخرى، فقد أظهرت بيانات المصرف المركزي أن الإنفاق التنموي بلغ نحو 27% من الإنفاق العام، أي ما يزيد على 31 مليار دينار ليبي، الأمر الذي يزيد الغموض حول البيانات والأرقام الصادرة عن السلطات المالية ممثلة في الحكومة والسلطات النقدية التي يمثلها المصرف المركزي.

عجز أم فائض

علاوة على ما سبق، وبحسب بيان المصرف المركزي بخصوص النفقات العامة لسنة 2021م فإن العجز الذي بلغ 1.6 مليار دولار أمريكي تم تغطيته من احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما يثير تساؤلا حول طبيعة العجز مع الإعلان عن تحقق فائض في الميزانية بلغ 20 مليار دينار، وسبب اللجوء إلى الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية وذلك مع تحقق فائض بالدولار كما ورد في بيانات الحكومة والتي بلغ إنفاقها بالدولار 19 مليار دولار فقط فحين بلغت الإيرادات بالدولار نحو 24 مليار دولار، وحتى مع استقطاع مخصصات المؤسسة الوطنية للنفط والتي في حدود 3.5 مليار دولار فإن فائضا بالدولار قد تحقق ويبلغ نحو مليار دولار أمريكي.

أوجه الزيادة في الانفاق وأسبابها

بند المرتبات بلغ 33 مليار دينار وبزيادة 39% عن العام الماضي ويرجع ذلك إلى تنفيذ قرارات زيادة مرتبات قطاع التعليم وتوظيف كادر جديد والإفراج عن مرتبات الآلاف من العسكريين التابعين لحفتر والتي كانت متوقفة منذ العام 2014م. وننوه إلى أن الزيادة في المرتبات تحققت في الشهرين الأخيرين من السنة الماضية، وهذا يعني أن بند المرتبات ربما سيصل إلى 50 مليار السنة المقبلة.

بند الدعم الذي ارتفع من 6 مليارات للعام 2020م إلى 20 مليارا للعام 2021م تضخم بفعل تغيير سعر صرف الدينار بحيث أصبحت السلع المستوردة المدعومة من وقود وأدوية وغيرها مقومة بـ 4.48 دينار للدولار، هذا بالإضافة إلى صرف علاوة الزوجة والأولاد ومنح المتزوجين والتي بلغت في مجملها ما يزيد على 6 مليارات دينار ليبي.

بند الطوارئ الذي ارتفع من 4.5 مليار دينار العام 2020م إلى 6.5 مليار للعام 2021م أثار جدلا كبيرا، فقد اتجهت بنوده إلى مصروفات عمومية المفترض أنها مغطاة ضمن مخصصات الوزارات والمؤسسات العامة والبلديات، وأيضا ارتفع بند الطوارئ بشكل كبير عن السنة الماضية برغم وقوع حرب وتفشي جائحة كورونا سنة 2020م.

وتستمر آفة الاستهلاك المفرط

الأهم عندي هو خطر تكريس ثقافة الاستهلاك ذلك أن ما يزيد على 80% من النفقات العامة هي استهلاكية بامتياز، ولأن الحكومة اتجهت إلى هذا الكم الهائل من الإنفاق وتوسعت حتى في مجال المشروعات التنموية في ظل التأزيم الأمني، كان الأولى الاهتمام بمعالجة الخلل الهيكيلي في الاقتصاد الليبي الذي يتضخم فيه القطاع العام وتتضاءل فيه مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي، ولو أن تمويلا اتجه إلى المشروعات الصغرى والمتوسطة وتوجيه طاقات وإبداع الشباب إليها لخطونا خطوة باتجاه معالجة الخلل الهيكيلي الذي يأتي من بين أكبر تحديات تحريك عجلة الاقتصاد وتخفيف الاعتماد على خزانة الدولة في تمويل كل شيء.