كتاب عربي 21

هذه سيدة أولى وتلك سيئة أولى

1300x600

بسبب إعجابي بالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حرصت على قراءة السيرة الذاتية لحرمه ميشيل "الصيرورة Becoming"، وإعجابي بالرجل يقوم على مقياس "ليس حبا في عليّ بل كرها لمعاوية"، والأخير في هذه الحالة هو دونالد ترامب، ووجدت السيرة ممتعة لأنها تحكي نهوض طائر الفينيق من الرقاد، فميشيل سليلة عائلة رقيقة الحال في شيكاغو، ولكنها، وبالتفوق الأكاديمي صارت محامية مرموقة، ثم هجرت المحاماة وتفرغت لنشاط شبه طوعي للارتقاء بأحوال السود في ولاية إيلينوي.

ثم كان ما كان من أمر فوز زوجها بكرسي الرئاسة في الولايات المتحدة وفوزها بلقب السيدة الأولى، وهو لقب ابتدعه الأمريكيون المولعون بالصراعات، ومرده في تقديري أن البيض منهم، والذين ظلوا مستأثرين بالسلطة منذ تأسيس الدولة، مصابون بعقدة افتقارهم لتاريخ "مميز" كرصفائهم في أوروبا الذين يتكئون على إرث حضاري عريق، فعكفوا على ابتداع أمور كثيرة من بينها نصب أعداد هائلة من التماثيل هنا وهناك، لمن أسهموا في التأسيس ذاك، وكان من بينها تماثيل ونصب تذكارية لتجار رقيق، متجاهلين تماما أن بلادهم ظلت مأهولة بسكان أصليين منذ آلاف السنين، فالتاريخ عند الرجل الأبيض يبدأ بحلوله في مكان ما لأول مرة، ولهذا يتحدث الأوروبيون عن اكتشاف الربع الخالي ومنابع النيل وجبل إيفرست، وكأنها كانت "ضائعة" إلى أن جاءوا هم وعثروا عليها.

 

لا يوجد بلد ديمقراطي تسمى فيه زوجة رئيس الدولة سيدة أولى أو خامسة، بينما العديد من الديكتاتوريين، ومن باب خلق سلالة حاكمة دفعوا بزوجاتهم إلى دوائر الضوء،

 



لقب السيدة الأولى تشريفي وليس لشاغلته مهام محددة، أو مخصص مالي، وبدلا من أن تجلس في البيت الأبيض كقطعة ديكور مكملة لزينة زوجها، انغمست ميشيل في أنشطة طوعية في مجالات مكافحة الفقر، ونشر الوعي بأهمية التعليم والتغذية المتوازنة والنشاط البدني، ونأت بنفسها عن السياسة تماما، وتفاديا للقيل والقال الذي كانت تدرك أنه سيصاحب وجود زوجها الأسود في قمة السلطة الأمريكية، حرصت ميشيل وزوجها على دفع قيمة المآدب التي كانوا يقيمونها في البيت الأبيض من مالهما الخاص.

وبالمقابل فإن ماري لنكولن زوجة أحد أشهر الرؤساء الأمريكيين (أبراهام لنكولن)، اشتهرت بالتبذير والإنفاق البذخي، وتوظيف المال العام لشراء الحلي والحلل، حتى وزوجها يخوض حربا ضروسا ضد ولايات متمردة على سلطة واشنطن، أما إيديث زوجة الرئيس ودرو ويلسون، فما إن أصيب زوجها بجلطة جعلته عاجزا عن أداء مهام وظيفته حتى تولت "مقاليد الأمور"، رافضة تسليمها لنائب الرئيس.

وسِيَر كثيرات ممن حملن لقب سيدة أولى في أمريكا لا تستحق صفة "عطرة"، فراشيل تزوجت بالرئيس أندرو جاكسون دون أن تبلغه أنها لم تكمل إجراءات الطلاق من زوجها لويس روباردس، أما زوجة الرئيس روزفلت فقد أعلنت أنها لا ترغب في أن تكون السيدة الأولى، واتضح أن ذلك كان بهدف البقاء بعيدا عن دائرة الضوء، بسبب علاقة "مثلية" ربطتها بالصحفية لورينا هيكوك.

أما ميلانيا ترامب زوجة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، فما ظُلمت لأنها شابهت بعلها في الاستخفاف بالمشاعر والاستعلاء، فعندما زارت معسكر اعتقال الأطفال المهاجرين الذين عزلتهم سياسات زوجها عن ذويهم، ارتدت قميصا كتب عليه بخط بارز: "لا يهمني في شيء"، ولأنها كما بعلها جاهلة وسطحية، ففي أول خطاب لها بعد تولي زوجها الرئاسة أبهرت الجموع، ثم اتضح أن الخطاب مسروق بالمسطرة من النص الذي كتبته ميشيل أوباما عند تنصيب زوجها رئيسا.

 

في العالم العربي بات معروفا أن سوزان مبارك حرم الرئيس المصري الراحل حسني مبارك هي من حفر قبر نظام حكم زوجها بأن عملت على توريث الحكم لإبنها جمال، فكان ذلك الشرارة التي أشعلت ثورة عام 2011 الشعبية التي أطاحت بمبارك.

 



ولا يوجد بلد ديمقراطي تسمى فيه زوجة رئيس الدولة سيدة أولى أو خامسة، بينما العديد من الديكتاتوريين، ومن باب خلق سلالة حاكمة دفعوا بزوجاتهم إلى دوائر الضوء، ولعل أشهر سيدة أولى غير أمريكية هي إيميلدا زوجة ديكتاتور الفلبين الراجل فرديناند ماركوس، التي قدرت ثروتها بعد سقوط حكم زوجها بتسعة مليارات دولار، وبعد هروبها مع زوجها وجدت السلطات في قصرها 1000 حقيبة نسائية وأكثر من 5000 فستان و15 فرواً مصنوعاً من جلد المِنْك، و2700 زوجا من الأحذية بعضها مغطى بالكامل بفصوص الماس.
 
أما الزيمبابوية غريس فقد اجتهدت حتى نالت ترقية من سكرتيرة الرئيس السابق لزيمبابوي روبرت موغابي إلى زوجته، وشرعت على الفور بتشييد قصرين فخمين (باعت أحدهما لمعمر القذافي الذي نصب نفسه ملك ملوك إفريقيا، رغم أنه ظل يتفاخر بأنه قضى على الملكية في ليبيا)، ولديها عقارات فخمة في كل القارات.

وفي العالم العربي بات معروفا أن سوزان مبارك حرم الرئيس المصري الراحل حسني مبارك هي من حفر قبر نظام حكم زوجها بأن عملت على توريث الحكم لابنها جمال، فكان ذلك الشرارة التي أشعلت ثورة عام 2011 الشعبية التي أطاحت بمبارك.

وفي السودان ظلت فاطمة خالد ـ وما تزال ـ زوجة لابن عمها الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي اقترنت به في مطالع سبعينيات القرن الماضي، وكانت وما تزال تحظى باحترام السودانيين لأنها نأت بنفسها عن الأضواء وارتضت العيش في "الظل"، ثم في آذار (مارس) من عام 2002 تزوج البشير بوداد بابكر، أرملة اللواء إبراهيم شمس الدين، وبعدها بسنوات سمع الناس أنها جلست لامتحان الشهادة الثانوية، وأعقبها الإعلان عن أنها حصلت على الدكتوراه في الاقتصاد، وظلت حريصة على الظهور مع البشير في المحافل العامة، وهي الآن رهن الحبس وتواجه تهم الثراء الحرام واستغلال النفوذ.

وإذا كان مجرد اقتران امرأة برأس الدولة يجعلها حتى في نظام ديمقراطي تتفرعن دون خوف من المساءلة، وإذا كانت زوجات الديكتاتوريين يتصرفن في المال العام متمتعات بحصانات من الملاحقة القانونية، فما أصدق مقولة المؤرخ البريطاني جون إيمريك إدوارد آكتون بأن السلطة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا.