أخبار ثقافية

قراءة في مجموعة "الجَمَل الإنجليزي" لنبيل عبد الكريم

في "زِرّ مقطوع" هناك ذلك التعلُّق المرَضِيّ الذي يعانيه "وليد" بماضيه السياسيِّ المرتبِط بـ"جمال عبد الناصر"- عربي21

في تسعِ قِصَصٍ متراوحة الطُّول، يُحدِّثُنا (نبيل عبد الكريم) عن ثيمة التَّعَلُّق. وبما أنّ مَرَدَّ التّعَلُّق هو الضعفُ، والضَّعفَ هو لُبُّ الوجود الإنسانيِّ ومِحوَرُه، فإنّ قَصَصَ هذه المجموعة يحاولُ محاولةً جَسُورَةً أن يستكشِف الوجود الإنسانيَّ ويسبُرَ أعمقَ أغوارِه، وهو يفعلُ ذلك دائرًا حول أوجُهٍ شَتّى للعلاقات الإنسانيّة.

تعلُّقاتُ القِصَص التِّسع:

 
في القصة الأولى التي تحمِلُ عنوانَ المجموعة (الجَمَل الإنجليزي) نَجِدُ تَعَلُّقَ المَسّاح (فريد سعادة) بعروسِه الشابّة ورغبتَه في العودة إليها بالمشمش الذي تُحِبُّه، وخلالّ ذلك نلاحِظُ تعلُّقَه بالقِيَم الإنجليزية التي وجدَ عليها أساتذتَه في الجامعة، في مقابل تعلُّق مُساعِدِه الذي يكبرُه بعشرين عامًا بقِيَمٍ مخالفةٍ تمثّل الوجهَ الآخَر للثقافة الإنجليزية، ومِن توتُّر هذا الخِلافِ يَبرُزُ المُحتَلُّ الصهيونيُّ كوَريثٍ للإنجليزيِّ ينظُر إلى العربة (اللاندروفر) التي يقودُها المُساعِدُ باعتبارِها أنتيكة، وهي العربة التي يلتقي فيها المتأثِّران بوجهَي القِيَم الإنجليزية. 

وفي القصة الثانية (لزوم ما لا يلزم) نجدُ تعلُّق (عزّام) سائق الشاحنة بطِفلِه الذي أُصيب بالالتهاب السحائيِّ ونّذرَ ألاّ يُصَلِّيَ فَجرَين في نفس المسجد ما بَقِي مِن عُمرِه، فكأنَّه بهذا النَّذر الغاضِبِ مِن لَوم الطبيبِ يَرُدُّ بشكلٍ سِحريٍّ على لائِمِه، قائلاً ضِمنيًّا إنه متعلِّقٌ بوَلَدِه تَعَلُّقًا ليس للطبيب أن يفهمَه، وهو في الحقيقة يُعلِّقُ محبَّتَه لطِفلِه بهذا النذر على تعلُّقٍ آخرَ رُوحِيٍّ بالمَساجِد، لعلَّ المساجِدَ تَجبُرُ ضعفَه الأصيل. 

في الثالثة (أسماء حرَكِيّة) حيثُ تعودُ (عائشة) مُناضِلَةُ الجامعة و(مِشعَل) الحِزبيُّ القديمُ إلى الظُّهور في عالَم البطل (سامر)، نجدُ تعلُّق سامر وعائشة بما يظهر أمام أعيُنِهما من الأحداث، مبرِّرًا لحماسِهما الحِزبيِّ في توزيع المنشورات، وهو حماسٌ يتجدد حين تُناصِر (عائشة) ثورتَي تونس ومصر في يناير 2011، وموضوعُ التعلُّقِ هنا يتراسَلُ وعنوانَ القِصَّة المُوحي بالخِداع واستتار الحقيقة، وفي مقابلِ سذاجتِهما نجدُ انتباهَ (مشعل) لحقيقة الأُمور والخيبة التي تَحكُمُ مساعي المُناضِلِين أوّلاً وآخِرا. 

في الرابعة (عائلة) يكسِرُ كاتبُنا التعلُّقَ رغمَ عنوان القِصّة المُوحِي بشِدَّة التعلُّق، فلا نلمَحُ تعلُّق الزوجَين ببعضِهما وتعلُّقَ الطِّفلِ بهما إلاّ بصُورةٍ سلبيّةٍ، حيث تنكمشُ علاقة الزوجَين إلى محادثاتٍ تليفونيّةٍ مع طفلِهما يُطارِدُ فيها كلٌّ منهما خطواتِ الآخَر ويحرصُ على خِداعِه، بينما الطِّفلُ يبدو أنه قد وعى درسَ التبلُّد العائليِّ جيِّدًا فمارسَ شكلاً طفوليًّا من أشكال القسوة على صديقَيه اللذَين زاراه ليُشارِكاه اللَّعِب. 

 

في الخامسة (لذَّة وجسارة) هناك تعلُّق (فتحي) باستراق النَّظَر إلى جارتِه الشابّة (مُنى)، فهو رغمَ ما تشهدُ له به أُمُّ (مُنى) من حياءٍ وصلاحٍ – حيث يحكي زوجُها إنه يحرص على أداء الصلوات في المسجد – يجد لذَّتَه في هذا التلصُّص، خاضعًا لضعفه الإنسانيّ في النهاية، ثم نكتشف في الخِتام أنّ موضوع تلصُّصِه (مُنى) تسترقُ النظرَ إليه هي الأخرى وتعرفُ حركاته وسكناته، وبين الأُسرَتَين نجدُ تعلُّقًا آخَر بالهُوِيّة الوطنيّة يعكسُ درجةً من درجات التوتُّر، ففي بيت (فتحي) هناك صورةٌ كبيرةٌ معلَّقَةٌ للملِك (حُسَين) رحمةُ الله عليه، وفي بيت (مُنى) صورةٌ لزعيمٍ فلسطينيٍّ غير مُصَرَّحٍ باسمِه، كأنّ في هذا الإمساك عن التصريحِ إشارةً إلى شكلٍ من أشكال الحذر والحيطة يُحيطُ به فلسطينيُّو الأردن أنفسَهم. 

في السادسة (بُنّ محروق) هناك تعلُّق السيّدة المترددة على المقهى بذِكرياتِها البعيدة، وهو تعلُّقٌ يتصارعُ مع تعلُّقِها بابنتِها، فهي تقابلُ في المقهى شابًّا يتقدّمُ للزواجِ بالابنة، وتُعرِبُ له عن رفضِها حرصًا على مصلحة البنت بعد أن اطَّلَعَت على تحذيراتٍ مِن هذا الشابّ تلقَّتها مِمَّن استشارَتهم، لكنّها في الوقت ذاتِه تلاحِظُ كم هو جَذّابٌ وتُدرِك لِمَ وقعَت ابنتُها في غرامِه، فكأنها تتذكّر في علاقة ابنتِها به علاقتَها بزَوجِها (عبد العزيز) الذي يبدو أنه أذاقَها مرارةَ الخِيانة.

في (القرينة) نَجِدُ تعلُّقَ الأُمِّ بوَلَدِها الذي حَبِلَت به مع توأَمٍ ثُمّ فقدَت التوأمَ أثناءَ الحَمل وولدَت واحدًا فقط، ويتجسّد هذا التعلُّق في الكابوس البشِع الذي يُراوِدُها، حيث تختطفُ القِطَّةُ الوَليدَ وتهربُ به.

 

وفي هذه القصّة بالذاتِ يجِدُ الخيالُ الشعبيُّ طريقَه إلى سَرد كاتبِنا، فالجَدَّةُ تعتقِدُ أنّ القِطَّةَ قرينةُ الولَد، وهي عينُ التوأم الذي فُقِدَ في الحَمل.

 

ويتقاطَع هذا الخيالُ مع علاقةِ الولَد حِين يكبُرُ بالقِطَط، إذ تمُرُّ بمرحلةٍ سلبيّةٍ يتربّصُ فيها بقِطَط الحيّ ويعذبُها مع رفاقِه، ثُمّ مرحلةٍ من التعلُّقِ الغريب تنضحُ فيها حياتُه بالقِطَط، ثم يُعاودُ الكابوسُ الأُمَّ بعد زمنٍ طويلٍ ف صورةٍ جديدةٍ، حتى إننا نكادُ نظُنُّ أنّ الخرافة الشعبيّة حقيقةٌ والكابُوس بسبيله إلى التحقُّق!

في (زِرّ مقطوع) هناك ذلك التعلُّق المرَضِيّ الذي يعانيه (وليد) بماضيه السياسيِّ المرتبِط بـ(جمال عبد الناصر)، فهو عائدٌ من خبرةٍ طويلةٍ استمرّت خمسةً وعشرين عامًا، تُشيرُ إليها زوجتُه (هيفاء) إشارةً عابرةً فلا نعرفُ إن كان قضاها في مُعتقَلٍ أم منفىً أم مصحّة نفسيّة، مُحمَّلاً بأحداث ذلك الماضي، حيث يستعِدُّ لحضور حفل تأبينٍ ربّما مرّت عليه هذه السنواتُ الخمسُ والعشرون!

وأخيرًا في (فَم السمكة) نجدُ تعلُّقًا طفوليًّا غامضًا من الولَد بأبيه، يعكسُ تعلُّقَه ببشائر الذُكورةِ في جسَدِه، وبين التعلُّقَين يستكشِفُ استكشافاتٍ أُولَى تتعلّقُ بالأدوار الجنسيّة.

لعب الرموز وخيبةُ المسعى:

 
هناك لَعِبٌ واسعٌ للرموز في هذه المجموعة، وهي رموزٌ تؤثِرُ أحيانًا أن تسكُن العنوان. هذا ما يحدثُ في (بُنٌّ محروق) و(فم السمكة) و(الجمل الإنجليزي) و(زِرّ مقطوع). فالبُنّ المحروق هو حبّة البُنّ التي تتوسّط الكعك الذي يقدِّمُه النادلُ في المقهى، والتي تمثِّلُ مُعادلاً لذكرياتِ السيّدة البطلة بكل ما تنطوي عليه من مرارةٍ، ورغم مرارتِها تحِنُّ إليها، ولعلّ هذه المفارقةَ بين مرارة الذكريات والحنين إليها تترسّخُ مع ذِكر اللون الأصلي لشَعرها (البُنّي المحروق) الذي لم تعُد تتذكَّرُه إلا حين تتطلّع إلى صُوَرِها القديمة.

 

أمّا (فَمُ السمكة) فهو اسمُ النبات الذي يسقيه الأبُ في القصّة بخُرطوم (بربيش) يمسِك به ويتدفّقُ ماؤه مِن بين ساقَيه كأنّه يتبوّل، أو هكذا تُوحِي الصُّورة الموصوفة من وِجهة نظَر الطِّفل، لكنَّ فمَ السمكة كذلك هو الوصف الذي يعتقد الطِّفلُ أنه مناسبٌ لشكل عضوه التناسُليِّ مُغَطَّىً بالقُلفَة، والآليّة التي تتسع بها فتحة القلفة ليتبوّل (بأن يضغط الجانبين فينفتح فم السمكة ويخرُج البوغ العسليّ) هي نفس تتابُع الحركات المشهور في التعامُل مع نبات (فم السمكة) وهو سِرُّ التسمية الإنجليزية Snapdragon (حيث يُستبدل تصوُّر فَم التنِّين بفم السمكة).

 

و(الجَمَل الإنجليزي) هو العربة اللاندروفر الثقيلة العتيقة التي تجمعُ في تركيبِ العنوان بين (الجَمَل) بما هو حيوانٌ مرتبطٌ بالعُروبة وبيئتها الصحراوية القاسية و(الإنجليزي) المستعمِر العتيق الذي مهّد بالانتداب على أرض فلسطين للاحتلال الصهيوني، ومِن تركيبِ العنوان نجدُ أنفُسَنا إزاءَ كائنٍ ثقيلٍ قليلِ الحِيلةِ أمام المُحتلِّ الغاصِب.

 

اقرأ أيضا : قبسٌ من أغاني رمضان المصرية

 

أمّا (الزّرّ المقطوع) فهو كما تقول (هيفاء) قد وقع من البذلة الزرقاء بينما يضرب (وليد) الطاولة بيدِه أثناء خُطبةٍ حماسيّةٍ يُلقيها، وبهذا فهو رمزٌ على ماضٍ مُنتَهٍ إلى غير رجعةٍ مازالَ البطل القائدُ السابق (وليد) حبيسًا له.

والمُلاحَظُ أنَّ القصص الأربعة التي يسكُن الرمزُ عناوينَها تنتهي بخيبة مَسعَىً واضحة. فالسيّدة في (بُنّ محروق) تظلّ مُعلَّقَةً في مخاوفِها بشأن مستقبل ابنتِها وحسراتِها بشأن ماضيها، ولا يبدو أنّ لقاءَها بالشابّ في المقهى قد أسفرَ عن أي نصرٍ في جانبِها، و(وليد) في (زر مقطوع) يظلّ حبيسَ ماضيه بين حفل التأبين الذي ينوي الذهابَ إليه والقصيدة التي ينوي كتابتَها، والتي ربما كانت مرثيةً لعبد الناصر، و(فريد سعادة) يتحول في (الجَمَل الإنجليزي) إلى سائق تاكسي في عَمّان، وترتبط ذكرى المشمش في وعيِه بخيبة المسعى والانكسار أمام المحتلّ الغاشم، وحتى الطفل في (فم السمكة) بعد أن تُجرَى له عملية الختان المؤجَّلَة ويسافر أبوه سفرًا طويلاً خارجَ البلاد، يُحاول سَقيَ نباتاتِ أبيه التي طالتها يد الإهمال، فيفاجَأ بأنّ "رءوس فم السمكة جافّة، تتدلى من شماريخِها الذابلة جماجمُ مُرعِبَة" كأنّ هذه الجماجِم تُشير إلى ما يَرى عليه شكلَ عُضوِه التناسُليِّ بعد الخِتان، فطموحُه الذكوريُّ باءَ بالفَشَل، ولو كان فشَلاً مِن وجهةِ نظَرٍ مرحليّةٍ طفوليّة. 

هذا الارتباط بين العنوان الرّامز وخيبة المسعى يبدو مُحمَّلاً بمخاوفِ الأبطال من التصريحِ بخَيباتِهم، ولأنَّ مُنطَلَقَ الكاتبِ هو الضعفُ الإنسانيُّ نَبعُ كُلِّ تَعَلُّقٍ كما أسلَفنا القولَ، فهو متعاطفٌ مع أبطالِه مُتواجِدٌ معهم، متقمِّصٌ مشاعرَهم المرتبكةَ، كأنه حريضٌ على ألاّ يزيدَهم جرحًا إلى جروحِهم، ولذا يعبِّر عن خيباتِهم بالرَّمز لا بالتصريح. 

أمّا في (أسماء حركيّة) فخيبةُ المسعى مبثوثةٌ في كُل ركنٍ في القصّة بين القفزات الزمنية إلى الخلف وإلى الأمام، في الواقع وفي حُلم اليقظة التنبُّؤيّ الغريب الذي رآه (مشعل)، بالتصريح الواضح والإشارة اللطيفة. 

نرى هذه الخيبةَ في محض ذِكر ثورة المصريين في يناير 2011 دون حاجةٍ إلى تفاصيل، وفي عودة (سامر) إلى البقعة التي كان يوجد فيها بيتُ (عائشة) ليجدَه قد اختفى، وفي الضربة التي تلقّاها الحزبُ إثر فشل تظاهراته، وفي هجرة عائشة إلى أمريكا، وفي عودة (سامر) إلى رقيّة، تلك الفتاةَ السمراء المحجَّبة التي كان قد أنهى علاقتَه بها حين رفضَت خلع الحجاب والانضمام إلى الحزب، والتي تطلُبُ منه أن يُدير وجهَه إلى الناحية الأخرى حين تشرَعُ في الغناء لمارسيل خليفة، والتي وجدَها في الختام جالسةً في المكتبة وبن يديها رواية، علامةً على دَفنِه طموحَه السياسيَّ وارتضاءَه الأدبَ بديلاً آمنًا لمغامراتِه!

وربّما لهذا جاء العنوانُ محايدًا لا نستطيعُ أن نرى فيه رمزًا ما، فالتركيبُ نفسُه ما هو إلاّ كليشيه مستخدَمٌ روتينيًّا في الحديث عن الحركات السياسية السرّيّة وجماعات الكفاح المسلَّح وما إليها، لكنّه يمتدُّ هنا ليشملَ الاسم الذي ظهرَت به عائشةُ على فيسبوك "آشلي سالم" والاسمَ الذي ربما سيظهر به (مشعل) حين يحترفُ الطبخ "الشيف هاني" تبعًا للنبوءة القصيرة التي يقدِّمُها لنا الراوي دون نسبتِها إلى أحدٍ بعينِه! الخلاصةُ أنَّ تلاحُقَ الخيباتِ وإلحاحَها على أبطال هذه القصّة يبرِّرُ الدفعَ بهذا العنوان المحايد، كأنّ غايةَ السردِ أن يستعرضَ ما حدث، ويُلقي علينا نحنُ تبِعَةَ التعاطُف والمُواجَدَة. 

 

والحقُّ أنَّ خيبةَ المسعى موجودةٌ كذلك بدرجاتٍ متفاوتةٍ في (عائلة)، حيثُ نشهدُ الخيبةَ نفسَها متمثلةً في التفسُّخ العائليِّ دُون مقدماتها، وفي (القرينة) حيث تبدو عودة الكابوس إلى الأُمّ - بعد انتقال ابنِها للعمل في الجَوِّ مع شركة الطيران – مُنذِرَةً بتحقُّقٍ وشيكٍ لفحوى الكابوس، فربّما تختطفُه القرينةُ إلى العالَم الآخَر وهو مُعلَّقٌ في السماءِ مع طاقَم إحدى الطائرات.

 

وحتى في (لذّة وجسارة) هناك تلك الخيبةُ المرحليّة التي تطفو على سطح الحِوار حين يحتدم النِّقاش بين (فتحي) و(مُنى) في لقائهما الأوَّل، فهو يعايرها بأنها لا تستطيع قَليَ بيضة، وهي تقولُ إنّ دماغه صغيرٌ كأدمغة الحَمام الذي يلهو به، وإن كانت نهايةُ القصّة تتجاوزُ هذه المرحلةَ حيثُ يبدأ (فتحي) المذاكرةَ لـ(مُنَى) وينحلُّ التوتُّر اللحظيُّ بين هويّتيهما الأردنية والفلسطينية إلى مشروعِ وئام.


اقرأ أيضا : ليالي "يوسف إدريس" .. ديوانُه الأوَّل


أمّا (لزوم ما لا يلزم) فتكاد تكون القصّة الوحيدة التي لم يُحكَم على أبطالِها بهذه المصير الخائب، ولعلَّ السببَ يكمُن في طبيعة التعلَّق الذي ناطَه كاتبُنا ببطلِه (عَزّام)، فهو في التحليل الأخير تعلَّقٌ بالله، وحتى حِين يُواجِهُه أبوه وإمام المسجد القريب (أبو خالد) بأنَّ ما كلَّفَه نفسَه من المشقَّة يدخُلُ في باب البِدعة ويجدُ نفسَه عاجزًا عن الرّدّ عليهما، هو يشعر في قرارة نفسِه في تلك اللحظة أنّ المسألة خبرةٌ روحيّةٌ عميقةٌ لا يمكنُه نقلُها إليهم، بل لقد انعكسَت على أحوالِه الماليّة إيجابا.

 

وفي تقديري أنّ قناعاتِ كاتبِنا قابعةٌ وراء هذا الاختلاف الأساسيِّ بين مصير (عزّام) ومصائر سائر أبطالِه، وربما لهذا ميَّزَه بهذا الاسم الناطقِ بمكنون الشخصيّة وأدائها البُطوليِّ، فهو يأتي عزائمَ اللهِ كأشَدّ ما تكون، ويُلزِمُ نفسَه ما لا يَلزَم شُكرًا لله وتقرُّبًا إليه.

 

ولعلَّ خِتامَ القصةِ حيث يلتقي ذلك الشيخَ الذي يُقنِعُه بأن يصلّي به الفَجرَ جماعةً على جانبِ الطريقِ - قبل أن يَصِلا إلى (شفا بدران) البعيدة أصلاً عن (حيّ نزال) حيث يُقيمُ (عزّام) – أقولُ لعلَّ هذا الخِتامَ يجعلُ الشيخَ يبدو مبعوثًا إلهيًّا على قَدرٍ من العِلم اللَّدُنِيِّ كالخِضر، فهو يَعِدُ (عَزَّامًا) بأجرٍ أكبرَ إن صلَّى معه الفجرَ ولم ينتظر الوصولَ إلى (شفا بدران).

 

فالخلاصةُ التي نصِلُ إليها ببعض التدقيق في القراءة أنّ كُلّ تعلُّقٍ مصيرُه الخيبةُ إلاّ التعلُّقُ بالله، لكنّ براعة السرد عند (نبيل عبد الكريم) كانت الضمانَ دُون تحوُّل هذه الرسالة الرُّوحيَّة العميقةِ إلى موعظةٍ صارخة.

مِن أين تُواتيهِ هذه الصُّوَر؟!


مبثوثةٌ كذلك في قَصَص المجموعةِ صُوَرٌ مرسومةٌ بحِذقٍ شاعريٍّ، فهي تكادُ تكونُ أنسبَ ما يُمكنُ قولُه في مواضعِها، كما أنّها تحوِّل المَشاهِدَ التي ضمَّتها إلى لوحاتٍ مفعمةٍ بالبلاغة ناطقةٍ بمقتضى الحال.

 

لعلَّ أُولاها تلك الجُملة التي يصفُ بها الكاتبُ العربةَ اللاندروفر في (الجَمل الإنجليزي)، حيث يمهِّد لتسمية العربةِ جَمَلاً صراحةً بقولِه عن غطائها "السَّنام القِماشِيّ المُغَبَّر"، فكأننا أمام لوحةٍ لسلفادور دالي تتقمّصُ فيها العَرَبَةُ هيئةَ جَمَلٍ أو يتقمص الجملُ هيئةَ عَرَبة! كذلك هناك أوصافُ السيّدات الثلاث المجتمِعات في المقهى في (عائلة): "طريقة رسم الحاجبين المائلة مثل زورقٍ نهريٍّ، والأهداب الطويلة المتباعدة المنحنية إلى الخلف مثل سقوف البيوت الصينيّة"، ولعلَّ مناسبة مقتضى الحال هنا أنه يصِفُ طريقة تزيُّنٍ جعلت من العسير على النادلِ التمييزَ بين النساء الثلاث، فهُنَّ يَتبَعنَ موضةً بعينها، مجرَّد موضة لا تعني مفرداتُها شيئًا في ذاتِها، لذا ليس ثَمَّ نَسَقٌ يجمعُ هذه المفردات، فالحواجب زوارق نهرية والأهداب سقوف بيوت صينية! وفي نفس القصّة يسترسلُ كاتبُنا في وصف لعبة الكمبيوتر التي تجمع الطفلَ (عاصِم) برَفيقَيه (خليج اللؤلؤ Pearl Harbor) فيقول عن سِرب الطائرات الحربية المهزومة في اللعبة "سِرب الذُّباب المُنهَك"، في مزيجٍ من السخرية ولَفت الانتباه إلى الخيبة التي غيَّرَت مسارَها قليلاً لتتسرَّبَ إلى لعبة الكمبيوتر! 

أمّا في (لذة وجسارة) فنَجِدُ ذلك التشبيه الفريد "يقف في وسط السطح بين أسلاك الغسيل، ويَعلو رأسُه فوق ملاقِط الغسيل فيُشبِهُ فاصلةً في نوتةٍ موسيقيّة!" هُنا يمكننا أن نُنحِّيَ نفعِيَّةَ الصُّوَر جانبًا ونستمتِع بمحض عُثور الكاتب على الطرف المشبَّه به بين رُكام العالَم المنظور! إنَّ تراصَّ مَلاقِطِ الغسيلِ يُشبهُ بالفعل تراصَّ العلامات الإيقاعية (النُّوار والبلانش والكروش إلخ) على المدرَّج الموسيقي الخُماسِي، ووقوف إنسانٍ يقطعُ استرسالَها يُشبِهُ انتصابَ الفاصلة بين مازورَتين في النوتة، لكنَّ إدراكَ هذا الشبَه في رأيي يتطلَّبُ عينًا وذِهنًا مُدَرَّبَين جيِّدًا في حُقولٍ معرفيَّةٍ وجَماليَّةٍ شَتَّى، بينها الفُنون البصريةُ والموسيقى فضلاً عن الأدَب، وهو الحقل الإبداعيُّ الذي انحازَ فنّانُنا إلى التعبيرِ فيه.

في نفس القصّة هناك تشبيه أُمِّ فتحي وأُمِّ مُنى في جلبابَي الصلاة الفضفاضَين بخيمَتَين كشفيَّتَين. ربما لو اكتفى بـ(خيمتَين) فقط دون نعتِهما لتحوَّلَت الصورةُ إلى كليشيه مهترئ، لكنّ النَّعتَ أضفى سخريةً لطيفةً على الموقف، فأمُّ مُنى تحاول استكشافَ أُسرة أمِّ فتحي بزيارتها وطلبِها مساعدةَ (فتحي)، وأمُ فتحي بدَورِها تبدو خيمةً على أُهبة الاستعداد لاستكشاف زائرتِها الآنَ ولاحِقًا، ربّما في زياراتٍ مستقبليّة! وفي تقديري أنه سواءٌ عَرَفَ مِثلُ هذه الإضافةِ طريقَه إلى الوصفِ مِن وعي كاتبِنا أو لاوعيِه، فالمُنتَجُ النهائيُّ هو المهمُّ، وهو يشهَدُ بحِذقٍ سرديٍّ حتى لو لم ينتبِه الكاتبُ نفسُه إلى أثَر الكلمة وهو يخُطُّها، خاصَّةً إذا انضمَّت شواهِدُ أخرى على هذا الحِذق.

 

ولعلَّ مِن الظُّلم ألا نذكُرَ بهذا الصَّدَدِ صُورةً في (زِرّ مقطوع)، لا أنسبَ منها بالفعل لمقتضى الحال: "دخلَت أمل غرفةَ أبيها فرأَته يقف أمام المرآةِ .... ووَرِيدا عُنقِه بارزان مستديران مثل قضيبَي سِجنٍ متجاوِرَين."


إنها لوحةٌ أخرى سرياليّةٌ، ربما يكون مناسبًا أن يرسُمها (دالي) أو الأنسبُ منه (فْرِيدا كالو)، وهي لوحةٌ سينمائيّةٌ في الوقت ذاتِه، تشبه لقطةً سريعةً للبطل (وليد) معتقَلاً في زنزانتِه محتقن الوجه وهو يُطلُّ من نافذتِها المغلقة بالقضبان. 

وفي رأيي، هناك إشارةٌ في غاية اللُّطف في (بُنّ محروق) إلى تفوُّق السَّرد كمُعبِّرٍ عن المشاعر، فبينما نحن مشغولون بذِكر لوحاتِ هذه القِصَص، يصِفُ كاتبُنا لوحةً مطبوعةً على ورق جُدران المقهى، تحملُ "صُوَرًا لِعُمّالٍ يَزرعون البُنَّ، وآخرين يقطِفونه، وغيرِهم يُحَمِّصُونه، وكلُّهم مبتسمون."، وقُربَ نهايةِ القصة تفكِّرُ البطلةُ "لماذا لَم تَختَر مكانًا آخَرَ ليس فيه هذه الوجوهُ المبتسمةُ برياءٍ منذ الأزل؟.

 

هذه الصورُ الكاذبةُ لمُزارعي البُنّ السعداء، متى كان مُزارعو البُنِّ على هذه الدرجة من الصحة والنظافة؟" هكذا يسدِّد كاتبُنا ضربةً إلى الفوتوغرافيا لمصلحةِ الأدَب! إنّه ظُهورٌ من بعيدٍ لدَور الكاتب وما ينطوي عليه من تطهيرٍ بالمعنى الأرسطيِّ وتعبيرٍ عن دخائل النفس، يُشبه الظُّهور العابرَ للمُخرج في لقطةٍ بعيدةٍ أثناءَ فِلمِه Cameo Appearance أو محضَ الإشارة داخِل فِلمٍ إلى تهافُت الفُنون إزاء السينما/ الفنّ الجامع.  

انتهاءً، نحن أمام قاصٍّ يمتلك أدواتِه ويعرف كيف يوظِّفُها جيِّدًا، مشغولٍ بالضعف الإنسانيِّ، المِحوَر الأصيل لوجود الكائن البشريِّ، منطلِقٍ من هذا الانشغال إلى تصوير تعلُّقات نفوس أبطالِه في سبيل تعزيز وجودِهم الهَشّ، ورغم خيبة مساعيهم إلاّ أنَّ هناك طريقًا دسَّها كاتبُنا بخِفَّةٍ بين قِصَصِه، مَعفِيَّةً من هذا المصير. هي مجموعةٌ جديرةٌ بالقراءة وإعادة القراءة، تملأُنا تشوُّقًا إلى المزيدِ من سَرد كاتبها، فهو مَزيدٌ منتظَرٌ بالتأكيد.