قضايا وآراء

مبروك ترامب شكرا إيران.. باي باي سليماني هارد لك بيلوسي

1300x600
منذ أسبوع، مع فجر الجمعة الأولى من العام الميلادي الجديد، والذي واكب بداية عقد جديد على العالم، أطلقت الولايات المتحدة طائرات مسيرة قذفت سيارتين خارج مطار بغداد، وكانتا تحملان قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وبعض المرافقين لهما، وتم قتلهم جميعا، وكان عددهم أكثر من عشرة أشخاص كما نشرت وتداولت وكالات الأنباء.

وعلى مدى الأسبوع لم يكن هناك حديث إلا هذا الخبر، وقام الجميع قنوات وصحف وسوشيال ميديا بتحليل الحدث واستشراف توابعه. وبالطبع دخلت إيران دائرة الضوء ولم تكن تمر خمس دقائق إلا ونسمع ونرى خبرا من إيران حول الرد المزلزل الذي ستقوم به الجمهورية الإسلامية للثأر لمقتل مهندس التوسع والتغلغل الإيراني في مختلف دول العالم، وإن كان يحمل مسمى قيادة فيلق القدس، ولكن كان النطاق الفعلي يشمل العالم كله.

وانشغل سليماني بالعالم ونسي القدس، ولم ينته الأسبوع إلا وكانت إيران قد قامت بالرد الذي كانت تقول إنه سيقطع "أرجل" الولايات المتحدة ويطردها من منطقة الخليج، بل من غرب آسيا بالكامل كان الإيرانيون يقولون.. ويا ليتهم ما فعلوا!!

وكان الرد المزلزل الذي قامت به إيران فجر الأربعاء، أي بعد قتل سليماني بخمسة أيام وبعد دفنه في مسقط رأسه، هو إطلاق ما يقل عن عشرين صاروخا باليستيا أرض- أرض استهدفت قاعدتين عراقيتين، الأولى عين الأسد في بغداد والأخرى قاعدة الحرير في أربيل بشمال العراق.

وفي البداية ادعت طهران للاستهلاك المحلى أن الصواريخ التي قامت بإطلاقها قد قتلت حوالي ثمانين أمريكيا ومن الجنود المتواجدين في القاعدتين. وتعالت الأخبار بأن الولايات المتحدة سترد على هذا الهجوم، وبالتالي ستستكمل إيران القصف، وأنه قد يطول قواعد أمريكية في دول خليجية أخرى، وذُكرت الكويت وقطر ودبي في الإمارات العربية، واستمرت هذه الهلوسات حتى خرج الرئيس الأمريكي ليوضح أنه لم يقتل أمريكي واحد، بل لم يتأثر أي فرد أمريكي أو غير أمريكي من جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية على القاعدتين في العراق.

واستمر ترامب في الهجوم على إيران وعلى سليماني نفسه ووصفه بأنه مجرم استحق القتل، وأنه (ترامب) مستمر في حصار إيران، بل سيفرض عليها عقوبات جديدة حتى يستمر المسلسل كما كان.

شاهدنا وقرأنا جميعا الأحداث على مدى الأسبوع الماضي، وكيف كان البعض يغالي ويتطرف من كلا الجانبين.. يقول المرشد الإيراني: سوف نقوم بعمل كذا وكذا، وبكى على سليماني في جنازته. ويقول الرئيس الإيراني: سننتقم، وإذا لم يخرج الأمريكان على أرجلهم، فسيقومون بإخراجهم في نعوشهم غير ما قيل من القيادات العسكرية الإيرانية، وماذا سيفعلونه بالقوات الأمريكية وغيرهم وغيرهم. وكذلك فعل حزب الله والحشد الشعبي وغيرهما من الأدوات التابعة لإيران في المنطقة، ومن يطلق عليهم بمحور المقاومة، وأنهم لن يقبلوا بوجود أمريكي في المنطقة، حتى وصل الحال بالترويج لفيديو يتحدث عن قتل الرئيس الأمريكي نفسه.

وعلى الطرف الثاني، نجد ترامب نفسه ووزير خارجيته وبعض التابعين يروجون بأن أي عمل من جانب إيران لن يمر، "ولو تم لمس شعرة من أمريكي فسوف تزال إيران من الوجود". ودخل نتنياهو على الخط أن إسرائيل سوف تتدخل بإزالة المفاعل النووي الإيراني لو أقدمت إيران على أي فعل يهدد الكيان.

وتذكرت خلال مشاهدة هذه الأحداث خلال الأسبوع المنصرم ما شاهدته في عام 2011 عندما قامت الولايات المتحدة في العام الأخير من مدة أوباما الرئاسية الأولى؛ بتنفيذ عملية إنزال في إحدى المناطق الباكستانية لقتل زعيم تنظيم القاعدة وقتها، السعودي أسامة بن لادن. وأُخرجت العملية بشكل يدعم أوباما في الانتخابات الرئاسية والتجديد له، وبالتالي حاول ترامب أن يقوم بنفس المشاهد وقامت القوات الأمريكية بقتل زعيم داعش. ولكن يبدو أن أثر هذا الفعل لم يكن بالتأثير المطلوب، وخصوصا مع الحملة التي يشنها الديمقراطيون على ترامب ومحاولة عزله ومحاكمته، فكان من الضروري أن يتم البحث عن تكرار نفس المشاهد مع شخصية أخرى، واستقر الرأي على قاسم سليماني، وهو شخصية معروفة للأمريكان منذ أحداث أفغانستان بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وله دور في مساعدتهم في القضاء على تنظيم القاعدة, واستمرت العلاقة حتى التعامل مع داعش في العراق وسوريا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة وتشكيل ما أطلق عليه بالتحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة.

وكان سليماني مسؤول الحرس في محافظة كرمان، وترقى ليقود فيلق القدس بنهاية التسعينيات. وزاد نشاط الفيلق خلال قيادته في مناطق مختلفة من العالم.

هذا بالتأكيد لا يعني أن أمريكا كانت متفقة مع إيران على هذا السيناريو، وهو أن تقوم أمريكا بقتل أحد القيادات الإيرانيين، ولكن قد يكون دوره قد انتهى في النظام الإيراني أو.. أو .. وبالتأكيد كان هناك تسريب عن حركة سليماني، ثم تأتي مشاهد الإثارة وتتعالى الأصوات سوف نعمل ونعمل ولن نترك حقنا، وسندمر وسنقتل الأمريكان الغزاه (كما كان يقول عبد الناصر في يوم 4 حزيران/ يونيو قبل حرب 67، وغير ذلك)، ولكن جاءت النتيجة بأن القتلى كانوا من الأوكرانيين والكنديين والإيرانيين على متن الطائرة الأوكرانية التي سقطت في سماء طهران في نفس ليلة الهجوم على القواعد الأمريكية في بغداد. وحاولت إيران الإصرار بداية على أن الطائرة سقطت نتيجة عطل فني، قبل أن تعترف بمسؤوليتها عن إسقاطها!! ولم يقتل أمريكي واحد، وخرج الرئيس الأمريكي في مشاهد تمثيلية وهو يقوم بدور المنتصر، ويوجه نصائحه للإيرانيين بأن عليهم الحضور والتفاوض معه من أجل اتفاق نووي جديد، وأنه لا يريد إسقاط أو تدمير إيران، ولكن يريد أن تسير إيران على الخط الذي تريده أمريكا والغرب.

وفي أمريكا، ولرغبة الديمقراطيين في إزاحة ترامب، ونتيجة فشلهم في التجديد النصفي وعدم الحصول على الأغلبية في مجلس الشيوخ، فإن أي جهد في قضية محاكمة الرئيس برلمانيا لن يفيد وهو مجرد تضييع وقت، لذلك هم تصوروا أن عملية قتل سليماني قد تأتي لهم بفرصة ذهبية في أن تتورط الولايات المتحدة في حرب مع إيران، وبالتالي تفقد أمريكا ضحايا من أبنائها في هذه الحرب، كما تصوروا أن تهديدات إيران قد تصبح حقيقة، وسوف تعود حرب فيتنام وخسائرها كما هددت القيادة العسكرية في إيران.

واعتقد الديمقراطيون أن الإيرانيين جادون ويمكن لهم أن يواجهوا الولايات المتحدة، ولكن كل أحلامهم ذهبت هباء واستيقظوا على موقف أقوى لترامب، وأن كل التهديدات الإيرانية كانت للاستهلاك المحلى. وبالتالي استطاع ترامب أن يستعيد المكانة التي خطط لها، ويظهر أنه قد حافظ على هيبة الولايات المتحدة، ولم يفقد جندي أمريكي واحد، مما جدد آماله في الحصول على مدة رئاسية ثانية، والشكر بالطبع للإخوة الإيرانيين الذين سربوا موعد الضربات وأماكنها قبل التنفيذ، وبالتالي ساهموا في إفشال الرد ذاته، والشكر موصول لهم أيضا أنهم في نفس الوقت كانوا قد رفعوا مستوى التهديد حتى يشدوا الأبصار ثم عادوا مرة أخرى إلى نغمة محور المقاومة ودوره.

وختاما، فإننا نرى نفس المشاهد تتكرر كل فترة. قد يختلف البطل، ولكنه يكرر نفس السيناريو. وهناك مقطع فيديو يتم تداول على السوشيال ميديا يظهر فيه ترامب في نهاية عام 2011 عندما كان يجري الترتيب للتجديد للرئيس أوباما لفترة رئاسية ثانية، وكان وقتها قد حدث تصعيد بين إيران والغرب بزعامة الولايات المتحدة بخصوص المشروع النووي الإيراني. والمقطع يظهر ترامب وهو يهاجم أوباما بأنه سوف يعلن الحرب على إيران من أجل اكتساب شعبية داخل الولايات المتحدة تساعده في تحقيق الفوز بالانتخابات. وهذا نفس ما رأيناه منذ أيام قليله، فهل نرى أيضا فوز ترامب في الانتخابات القادمة ويتم التوقيع على اتفاق نووي جديد بين إيران ومجموعة 5+1 في السنوات القليلة القادمة، فنبارك لترامب ونشكر إيران ونودع سليماني ونواسي نانسي بيلوسي ولا عزاء للمشاهدين؟

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.