كتاب عربي 21

تجرّع السم لإنقاذ الوطن والشعب والدولة: من يتخذ القرار الأصعب؟

قاسم قصير
1300x600
1300x600
في الثاني والعشرين من شهر آب/ أغسطس من العام 1988، أعلن قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني قراره الشهير بوقف الحرب مع العراق، والقبول بالقرار 598، وقال الإمام الخميني في تبريره لوقف الحرب والقبول بالقرار: إنني أتجرع السم، وذلك لأن مصلحة إيران الدولة والشعب اقتضت الموافقة على هذا القرار، مع أن القيادة الإيرانية كانت ترفض سابقا وقف الحرب، وكانت تصفها بالحرب المقدسة أو الدفاع المشروع، أو أنها الحرب التي ستغير خريطة المنطقة وتمهّد لتحرير القدس.

وكانت الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت حوالي ثماني سنوات أدت إلى مقتل حوالي مليون مواطن عراقي وإيراني، وجرح مليون آخر، ودمّر قسم كبير من البلدين، إلى جانب خسارة حوالي 400 مليار دولار.

لكن قرار الإمام الخميني الجريء، الذي كان يخالف الرؤية الإيرانية للحرب، يؤكد أنه في لحظة معينة يجب على القيادة اتخاذ قرار جريء لإنقاذ ما تبقى من الوطن والدولة، وحماية الشعب من استمرار القتل والعنف والدمار، بغض النظر عن الأهداف الشرعية أو المشروعة للقتال أو الصراع.

ومثل هذا القرار اتخذته أيضا قيادات أخرى في العالم، لإنقاذ بلادها، كما حصل من قبول اليابان بوقف الحرب العالمية الثانية بعد إلقاء أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي، وهناك أمثلة أخرى على مثل هذه القرارات.

واليوم وفي ظل ما تواجهه بعض الدول العربية من أزمات وحروب كبيرة أدت وتؤدي إلى مقتل عشرات الألوف وتدمير الدول والأوطان وتهجير الملايين، نحتاج إلى قرارات تاريخية لتجرع السم ووقف الصراع الذي لم يؤدّ حتى الآن إلى أي نتيجة، كما يجري في سوريا واليمن ومصر وليبيا والبحرين والعراق، وغيرها من الدول.

ففي كل بلد من هذه البلاد نشهد صراعا عبثيا دون أي طائل، ولا يؤدي إلى أي نتيجة، سوى استمرار القتل وتدمير البلاد، وخسارة مليارات الدولارات، وتهجير الملايين.

وفي كل بلد يلقي كل طرف سياسي المسؤولية على الطرف الآخر، ويرى أن أي تنازل هو خسارة سياسية أو قبول بالأمر الواقع، ولكن في النتيجة الجميع خاسرون، والشعب والوطن هو الخاسر الأكبر.

ففي سوريا، نحتاج لقرار جريء من المعارضة السورية بكافة أشكالها وتنوعاتها، للإعلان عن تجرّع السم، ووقف الصراع، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وفي المقابل المطلوب من القوى الأخرى التي تدعم النظام السوري الاعتراف بأنها لن تنجح بإنهاء الصراع عسكريا وأمنيا، وأن لا خيار إلا بالتنازل لمصلحة الشعب، والقبول بتشكيل حكومة انتقالية جديدة، كما جرى في العراق، بعد سيطرة داعش على الموصل، حيث اضطرار جميع الأطراف إلى القبول بتغيير نوري المالكي، وتشكيل حكومة جديدة.

والأمر ذاته ينطبق على الصراع في مصر والبحرين واليمن وليبيا، وفي كل بلد من هذه البلاد هناك من يجب أن يقف ويقول: إنني أتجرّع السم لمصلحة بلدي وشعبي ووطني، ولوقف الدمار والقتل والعنف.

لا يستطيع أحد أن يكون بديلا عن أي جهة أو قوة سياسية ليحدد لها خياراتها ومواقفها، وماذا يمكن أن تقبل أو ترفض، لكن على كل قوة سياسية أو حزبية إسلامية كانت أو قومية أو وطنية، أن تسأل نفسها دوما: هل هذا الصراع الذي أخوضه يخدم الوطن والشعب، أم أنه يؤدي إلى المزيد من الخسائر دون أي طائل؟

والأهم من كل ذلك أن تدرك القوى السياسية والحزبية، وخصوصا المخلصة منها، متى ينبغي وقف الصراع، والحد من الخسائر، وعدم انتظار المتغيرات السياسية أو الإقليمية أو الدولية، كي تفرض علينا وقف هذا الصراع بعد سقوط المزيد من الخسائر والدماء، وتدمير أوطاننا.

قد يجيب البعض: إن القرار لم يعد بيد القوى المحلية أو الحزبية أو إن هذه القرارات ستؤدي إلى بعض ردود الفعل السلبية، وقد يكون هذا صحيحا، لكن المهم هو الإسراع باتخاذ القرار قبل أن يسقط الهيكل على الجميع، وعندها لا ينفع أي شيء.
التعليقات (0)
مارد الجبل
الخميس، 08-01-2015 11:20 ص
ده قرار سيتم رغم انف الجميع ...