قضايا وآراء

حتى لا يسطو قيس سعيد على "الثورية".. هل كان قادة حركة النهضة ثوريين؟

بحري العرفاوي
1300x600
1300x600
1- قبضة الاستبداد وضياع البوصلة

في ظل بيئة "مهشمة" نفسيا وفكريا وثقافيا بفعل الاستبداد وحلفائه من النخبة الرديئة، لم يكن يسيرا طرح سؤال الثورة وفكرة الثورة بما هي رؤية وبما هي فعل.

لقد أصيب عموم التونسيين في أعماق شخصياتهم بالخوف والشك والقلق، حتى أصبح المواطن يخشى أن يُشار إليه بكونه ذا فكر نقدي أو بكونه متعاطفا مع ضحايا الاستبداد من رجال ونساء وأطفال.

الذين غادروا السجون من أبناء النهضة لم يستقبلهم التونسيون كمناضلين وكأبطال ولا حتى كمظلومين، إنما استقبلوهم كعامل إحراج لهم إذا ما تعاملوا معهم أو حتى ردوا عليهم التحية أو سلموا عليهم بحرارة؛ مجرد مصافحة قوية كانت مادة للتقارير الأمنية وللوشاية. كان أغلب من يتمتعون برخصة مقهى أو ورشة أو دكان أو كشك مطالبين بتقديم "المعلومة" للجهاز الأمني.. "المعلومة" هي كل ما ينتهي إلى المسامع أو تقع عليه الأعين، وليس للمبلغين حق الاجتهاد في تقدير مدى أهمية أو بساطة "المعلومة".

ظل أغلب الخارجين من السجن ملاحقين بالرقابة الإدارية/ الأمنية وبالرقابة "المدنية"/ "الشعبية.

ربما كانوا يحملون في أعماقهم تصميما على تحقيق حلم بالحرية وبالعدالة وبالأمن، وربما كانوا يشعرون بأنهم يتحملون أذى في سبيل مشروع هو أقرب إلى ما يمكن أن يُسترضى به الله، وأن من مات في سبيله فهو شهيد، وأن من تعرض لأذى في بدنه وماله وكرامته فهو مُبتلى. وربما كانوا يفكرون بأن وقوفهم في نفس الوضعية إذا عجزوا عن التقدم هو أفضل من التحرك إلى الخلف.

أن يكون كثير من مناضلي النهضة على هذا التوصيف في تلك البيئة المهشمة لا يمكن إلا أن يكون حالة ثورية في مستواها الأعلى وليس الأدنى، فالثبات زمن العاصفة هو موقف تاريخي يُحسب لأصحابه.
أن يكون كثير من مناضلي النهضة على هذا التوصيف في تلك البيئة المهشمة لا يمكن إلا أن يكون حالة ثورية في مستواها الأعلى وليس الأدنى، فالثبات زمن العاصفة هو موقف تاريخي يُحسب لأصحابه

لقد جالست العديد من قادة النهضة قبل 2011 (علي العريض، العجمي الوريمي، عبد اللطيف المكي، الصحبي عتيق، عبد الكريم الهاروني، محمد القلوي..)، وكنت أجد فيهم جَلداً وهدوءا، وكنت أقرأ في أعينهم أملا ليس لهم عليه دليل إلا في ما يجدونه في أنفسهم من أن الظلم لا يمكن أن يستمر.

كانوا يتابعون ما أكتبه في "تونس نيوز" و"حوار نت" وفي "الموقف" و"مواطنون" و"الصباح"، وكانوا يثمنون ما يجدونه من صياغات تفتح على الأمل والمستقبل والحرية والتحرر. لم يكونوا منكسرين ولا متأففين من شعب لم ينتصر إليهم ولم يحتضن أوجاعهم وأشواقهم؛ إلا عائلاتهم المصغرة كانت شريكة لهم في الأذى.

ربما يتساءل متابعون: لماذا لم يكن مناضلو النهضة يكتبون للثورة؟ ولماذا لم يكونوا يخوضون تحركات ضد الاستبداد؟

من كان متابعا للساحة السياسية يومها ومن كان وما زال موضوعيا لا يمكنه طرح مثل تلك الأسئلة، إذ لم يكن متاحا لمناضلي الداخل أن يكتبوا للعموم، بل إن أي فضاء يقتربون منه إلا ويتعرض أصحابه للتضييق والمعاقبة، كحال منتدى الجاحظ لصاحبه صلاح الدين الجورشي، إذ تعرض للتضييق والتهديد بالغلق بسبب حضور بعض رموز النهضة لبعض أنشطته، مثل عبد اللطيف المكي والصحبي عتيق وعلي العريض. كما تعرضت "الموقف" لعمليات مصادرة ومنع من التوزيع وتهديد بغلق مقر الحزب الديمقراطي التقدمي بسبب احتضان الحزب والجريدة لبعض الرموز الإسلامية من أبناء حركة النهضة.
ونحن نتكلم عن النهضة علينا الإشارة إلى أن النهضة موزعة بين قواعد وقيادات وبين داخل وخارج، وهو ما يجعلنا نتلمس موقفا جامعا بين هذه المستويات حول النظام وحول الثورة وحول النضال أو التهدئة والإصلاح

ثم ونحن نتكلم عن النهضة علينا الإشارة إلى أن النهضة موزعة بين قواعد وقيادات وبين داخل وخارج، وهو ما يجعلنا نتلمس موقفا جامعا بين هذه المستويات حول النظام وحول الثورة وحول النضال أو التهدئة والإصلاح.

ما يُصطلح عليهم بالقيادات الوسطى وما يُعرفون بالمتعاطفين وشباب الخلايا التنظيمية؛ لم يكونوا بعد السجن يعبرون عن هوية سياسية ولا عن مواقف، بل كانوا في الغالب يبحثون عن إمكانيات الانخراط في مسالك العيش وتوفير حاجاتهم بعرق جبينهم، بما يحقق حاجاتهم وحاجات أسرهم وبما يحفظ كرامتهم. وكانوا يعلمون أن أي تحرك غير مطمئن للسلطة قد يعيدهم إلى وضعيات التضييق والتنكيل. لقد كان مجرد الحفاظ على وضعية العيش الكريم هو عمل ثوري في ظل نظام يستمد قوته من الوشاة والجبناء والزائفين.

الآلاف ممن غادروا السجون وظلوا "صامتين" وربما نظر إليهم الناس على أنهم استسلموا؛ إنما كانوا "صناديق" مغلقة معبأة بالغضب والأمل. ولا يَظن عاقل بأنهم ينسون أو يسلمون بكونهم لم يعودوا "صالحين" لمرحلة قادمة، إنهم "خمائر" ثورة لا يعلم أحد مواقيت انفجارها، ولكنها بالتأكيد ستحصل وفق قانون التاريخ وحتمية علاقة المقدمات بالمآلات.

2- اختلاف التقديرات داخل النهضة
الآلاف ممن غادروا السجون وظلوا "صامتين" وربما نظر إليهم الناس على أنهم استسلموا؛ إنما كانوا "صناديق" مغلقة معبأة بالغضب والأمل. ولا يَظن عاقل بأنهم ينسون أو يسلمون بكونهم لم يعودوا "صالحين" لمرحلة قادمة، إنهم "خمائر" ثورة لا يعلم أحد مواقيت انفجارها

هل كان ثمة موقف موحد من النظام؟ وهل كانت ثمة قراءة متفق عليها بين أبناء النهضة للحالة التونسية وللواقع الإقليمي والدولي؟

ما أعلمه أنه كان ثمة أكثر من وجهة نظر، فقد فعل طول مدة "الانتظار" فعله في مناضلين صبروا طويلا، وراهنوا مرات على "رهانات" لم توافق انتظاراتهم.

منذ 2005 راج خبر إصابة رئيس الجمهورية بمرض خبيث، وبدأ كثيرون يروجون لقرب وفاته. وقد تكون مخابرات الرئاسة وراء إشاعة الخبر بهدف إدخال الخصوم السياسيين في دائرة "الوهم"، وانتظار أن يتصرف "عزرائيل" مع المستبد فيريح الجميع شر "القتال".

أعتقد أن المراهنة على "عزرائيل" لحسم الأمر مع ابن علي قد جعلت أغلب السياسيين لا يراهنون على الشعب، وما يستدعيه ذلك من تكثيف النضال السياسي والثقافي والإعلامي، بل دخلوا في سياسة الترتيب لعملية الانتقال إلى ما بعد ابن علي.

انفتاح حزب نجيب الشابي يومها على الإسلاميين كان نوعا من الاستثمار في القاعدة الإسلامية، وقد تكشفت تلك النوايا خاصة في انتخابات 2009 الرئاسية وتعويل نجيب الشابي على خوضها بقواعد النهضة، غير أنها خيبت أمله بإعلانها كونها غير معنية بتلك الانتخابات، وهو موقف يُفهم على أنه حياد في معركة بين ابن علي والشابي، كما يُفهم على أنه رسالة طمأنة لابن علي بكون الإسلاميين لا يحملون عليه حقدا ولا يتحالفون مع خصمه اللدود يومها.

"حيادية" النهضة تلك لا يمكن فهمها خارج الحسبة السياسية، فالنهضة ربما لم تكن ترى في نجيب الشابي خيارا ثوريا أو ديمقراطيا، بل كانت تعي بأنه يستثمر في ملف الإسلاميين وهو لا يتعامل معهم إلا بما هم "حالة إنسانية" و"ملف حقوقي" لا بما هم طرف سياسي. وهو في الجوهر لا يختلف مع ابن علي في عدم اعتبار الإسلاميين طرفا سياسيا، إذ كان يرفض الاعتراف بوجود مساجين سياسيين وسجونه تعج بآلاف الإسلاميين.

هيئة 18 أكتوبر التي التقى فيها يساريون وإسلاميون وليبراليون كانت أشبه ما تكون بجبهة إنقاذ تستعد لملء الفراغ السياسي المترتب عن موت محتمل للرئيس، وهناك من يرى أن نصائح خارجية قُدمت بهذا الغرض.

أبناء النهضة كانوا يعلمون بكونهم في "العراء" وبكون مكونات المعارضة الأخرى تحظى بغطاء خارجي متعدد. فنجيب الشابي كان هو الوحيد تقريبا الذي يزور السفارة الأمريكية، ومصطفى بن جعفر كان صديق الاشتراكية الدولية، وحمة الهمامي كان يستطيع الاختفاء في تونس دون تعطل لنشاطه السياسي.

لذلك سيحصل لقاء بين وفد من الكونغرس الأمريكي وبين القيادي في النهضة حمادي الجبالي في بيته بمدينة سوسة سنة 2008، دون تدخل من أجهزة النظام لمنع اللقاء أو للتحقيق في تفاصيله.

بعض المتابعين يرون في رسالة الأستاذ راشد الغنوشي لابن علي يوم 23 تموز/ يوليو 2008 إنما هي دليل ضعف وانهزام واعتراف لابن علي بشرعية حكمه، وهو ما ينفي برأيهم أي ثورية عن حركة النهضة أو تحديدا عن زعيمها.
في فترات التأزم وانسداد الأفق وتراكم المخاطر على الأوطان وعلى مصالح الناس؛ يكون من المسؤولية والوطنية التنازل عن "الكبرياء السياسي" لمخاطبة حكومة أو رئيس دولة من أجل "نجاة" الجميع

مثل هذا الكلام ربما يجد رواجا لدى كثير من الحماسيين العاطفيين الذين يرون في الثورية أو المعارضة صداما دائما مع السلطة ويرفضون أي تواصل معها.

في فترات التأزم وانسداد الأفق وتراكم المخاطر على الأوطان وعلى مصالح الناس؛ يكون من المسؤولية والوطنية التنازل عن "الكبرياء السياسي" لمخاطبة حكومة أو رئيس دولة من أجل "نجاة" الجميع.

وليس في الرسالة تعبير عن ندم أو اعتذار أو تراجع عن مبادئ، إنما فيها تذكير لرئيس الجمهورية بمسؤوليته تجاه المواطنين والوطن باعتباره - فعلا - ممارسا لمهمة رئاسة الدولة التونسية ساعتها.

وفي هذا الصدد نتذكر رسالة الأستاذ نجيب الشابي المنشورة بجريدة الموقف يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر 2009؛ يخاطب فيها رئيس الدولة ويذكره فيها بمسؤوليته القانونية والشرعية في حماية أرواح المواطنين. كان ذلك إثر ما نشرته جريدة "كل الناس" يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر من ادعاء بأن المقاومة ستقتل كلا من نجيب الشابي والشماري والجندوبي باعتبارهم - بزعمها - عملاء للصهاينة.

رسالة الأستاذ نجيب لم تكن لتُفهم على كونها استسلاما أو تراجعا، ولكنها كانت محاولة لضبط قواعد الخصومة السياسية لمنع أي خروج عن منطق السياسة نحو منطق الجريمة، وهذا يُعتَبَر من صميم الرسالة الثورية.

3- قادة النهضة من المغامرة إلى السياسة

مناضلو حركة النهضة تعلموا بعد "محرقة" 1992 بأن السياسة ليست عاطفة أو تهورا، وتعلموا أيضا بأن المشهد الداخلي ليس صناعة داخلية وإنما يتداخل فيه الإقليمي والعالمي.

الحرب على العراق سنة 1991 والانقلاب على انتخابات الجزائر 1992 وغزو أفغانستان في 2001 بعد 11 أيلول/ سبتمبر من نفس السنة، ثم الحرب ثانية على العراق في 2003.. كلها مثلت صدمات عنيفة في منهج تفكير الإسلاميين وفي بنيتهم النفسية، حيث لم تعد الشجاعة كافية لبلوغ الأهداف وتحقيق المقاصد، ولم يعد الاندفاع خصلة من خصال رجال السياسة حين تكون المخاطر محدقة من كل جانب.

بعد عقد ونصف تقريبا انتهى قادة النهضة إلى قناعة مفادها أن على بقية التونسيين أن يساهموا بقسطهم في مواجهة الاستبداد وفي الدفاع عن الحريات.

بعد قمة المعلومات التي انعقدت بتونس سنة 2005 وانكشفت فيها وبعدها معايب النظام أمام الرأي العام الدولي، أصبح الإسلاميون أكثر جرأة على الحركة والظهور بهويتهم السياسية، يحاولون المشاركة في أنشطة الأحزاب المبدئية والجمعيات الحقوقية والمنتديات الفكرية رغم ما يمثلونه من حرج لناشطي تلك الأحزاب والجمعيات.

حين بدأت تسريبات ويكيليكس لم يكن أحد من السياسيين ولا من النهضة احتمل أن تكون تلك التسريبات تعرية متعمدة لعدد من الأنظمة العربية منتهية الصلاحية، لتجرئة الناس عليها تمهيدا لإسقاطها.

وحين أشعل البوعزيزي نفسه واشتعلت الجهات الشمالية ثم انتقلت إلى وسط المدن لم يكن أحد من الزعماء السياسيين يتكلم عن ثورة، بل إن السؤال كان كيف يمكن التعامل مع الحالة؟ هل نعلن انحيازا لحركة الشارع أم ندعو للتهدئة أم نقبل بتسوية مع النظام؟ فقط بعض رموز الاتحاد العام التونسي للشغل - سامي الطاهري - تحديدا عبروا عن دعم التحركات الشعبية ولكن دون الحديث عن ثورة.

مساء 13 كانون الثاني/ يناير خطب ابن علي محاولا استيعاب الغضب الشعبي، وقال إنه فهم التونسيين ووعد بمحاسبة من "غلطوه".
لم تكن الأجواء في عقول السياسيين أجواء ثورية رغم التهاب الشوارع بالغضب الشعبي، وإنما كانت أجواء "مقامرة" لا يدري أحدهم أي خيار يمكن أن يؤدي إلى الكسب السياسي

تفاجأ الناس بقبول رمزين من المعارضة "المبدئية" المشاركة في حكومة محمد الغنوشي، وهما نجيب الشابي (الحزب الديمقراطي التقدمي) وأحمد إبراهيم (حركة التجديد). كانت مفاجأة أيضا أن القيادي في النهضة زياد الدولاتلي تحدث على قناة الجزيرة القطرية بعد خطاب ابن علي في تلك الليلة ليقول حرفيا: "ابن علي الذي أنقذ تونس في 1987 نريده أن يُنقذها اليوم"، ثم شرع في سرد مقترحات قال إنها عشرة، ولكن الجزيرة قاطعته بعد تقديمه المقترح السابع.

على القناة 7 ليلتها كان عدد من الوجوه اليسارية يرحبون بخطاب الرئيس ويرونه مستجيبا لانتظاراتهم، كان التوجس لديهم من أن يكون الإسلاميون وراء تلك الاحتجاجات، وقد حصل الترويج قبلها رسميا لمثل ذاك "الاتهام"، وهو ما سيفسر مسارعة نجيب الشابي وأحمد إبراهيم بالدخول في حكومة الغنوشي مخافة استحواذ النهضة على الحكم باستحقاق ثوري أو انتخابي.

لم تكن الأجواء في عقول السياسيين أجواء ثورية رغم التهاب الشوارع بالغضب الشعبي، وإنما كانت أجواء "مقامرة" لا يدري أحدهم أي خيار يمكن أن يؤدي إلى الكسب السياسي. هكذا يُفهم تصريح القيادي في النهضة زياد الدولاتلي، وأعتقد أنْ قد وقعت "المقامرة" به - سياسيا - تحسبا لفشل التحركات الشعبية و"نجاة" النظام من السقوط، وما قد يعنيه من ردة فعل أشد قسوة ضد قيادات النهضة ومناضليها، خاصة وقد بدأ النظام يشير إلى أنهم هم من يريدون الانقلاب على السلطة.

خارج تونس كانت تصريحات الغنوشي "أميل" إلى الحسم الثوري، وقد ختم حديث على قناة الجزيرة ليلتها بقوله "إلى الأمام"، ليكون أول زعيم سياسي يتبنى التحركات الشعبية باتجاه الحسم الثوري.

في كل هذه الأجواء لم يكن قيس سعيد اسما سياسيا ولا حقوقيا ولا ثقافيا ولا إعلاميا.

(يتبع)

twitter.com/bahriarfaoui1
التعليقات (2)
صالح العسكري
الأربعاء، 07-07-2021 07:41 ص
لقد ابدعت في التحليل وفي الوصف وفي ذكر الأحداث وفقك الله
الكاتب المقدام
الإثنين، 05-07-2021 10:02 م
*** ستبقى للثورة التونسية فضل السبق زمنياُ على موجات ثورات الربيع العربي التي اندلعت بعدها واحدة تلو أخرى، رغم أنها لم تكن السبب في امتداد موجات تلك الثورات، فالواقع أن أسباب كل تلك الثورات واحدة، بما فيها الثورة التونسية والتي تلتها في مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرهم على امتداد العالم العربي، فالدافع الرئيسي كان وما زال هو مواجهة فشل الحكومات المستبدة القمعية الفاسدة العميلة في مواجهة مشكلات شعوبها، وما زالت تلك الثورات مستمرة وتمتد إلى دول عربية أخرى، وإن بدت للبعض بأنها قد قمعت أو خمدت، وذلك بنسق شديد التشابه بما حدث في دول حلف وارسو في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، والتي أدت إلى انهيار المنظومة الشيوعية للامبراطورية السوفيتية العظمى، والعرض المستفيض للكاتب الكريم لأوضاع القوى السياسية في تونس قبل وبعد الثورة، وإن بدا أنه يتناول تفاصيل التحديات السياسية والاقتصادية الخاصة بالوضع التونسي الداخلي، فهو شديد التماثل مع الأوضاع في غيرها من الدول العربية، التي تؤثر وتتأثر ببعضها البعض، فنموذج قيس سعيد في تونس هو ذات نموذج البرادعي في مصر، فكلاهما شخصيتين ضعيفتين وباهتتين، وما كان لأيهما أن يكون له شأن أو ذكر إلا بسبب الخلو المؤقت للساحة أمامهما لانشغال القوى الثورية الحقيقية بالصراعات والخلافات بينها. والثورات تفجرها الشعوب التي ذاقت وبال الحكم الدكتاتوري، وليست الأحزاب ولا التنظيمات السياسية الذي دورها هو بناء الدول الديمقراطية الإصلاحية المستقرة عقب الثورات، ومحاولات التيارات السياسية العلمانية المتغربة لاستئصال التيارات الإسلامية المعبرة عن الهوية الحقيقية للشعوب العربية مآله الفشل، واستخدام القمع والاعتقال والتخوين والاتهامات الباطلة باستخدامها الإرهاب نتيجته عكسية، فستؤدي لمزيد من فقدان ثقة غالبية الجماهير في تلك التتظيمات العلمانية التي تظن أنها يمكنها أن تحكم الشعوب بنيل رضا ودعم المحور الصهيوني الصليبي الجديد، وإن كان الطريق يبقى طويلاُ والكفاح مستمر، ولا تصلح له وحده النوايا الحسنة والشعارات الرنانة التي تداعب خيال الجماهير، ولينصرن الله من ينصره.