مقالات مختارة

الموصل ومعركة فرض الإرادات

1300x600
بدأت سماء الموصل تتلبد بغيوم تحمل في طياتها نذير شؤوم ينتظر أبناء العراق بشكل عام، والموصليين بشكل خاص، فالجميع يريد اغتصاب عروس الحدباء، والظفر بقلائد جمانها العريقة، وأساورها المرصعة بحضارة النمرود، فالخلافات السائدة حول من سيشارك في معركة الموصل ونيات الطامعين قد تفجر صراعا آخر بين الأطراف العراقية لمرحلة ما بعد التحرير، الأمر الذي يؤثر على معنويات المشاركين، وربما يستغله التنظيم في جذب المتضررين من هذا الخلاف إليه لتعزيز قدراته القتالية، لذلك هناك خشية حقيقية من تفجر بركان الصراعات المحلية والإقليمية على الموصل التي تتداخل فيها قوى عربية وتركية وإيرانية، مما يشكل التحدي الأكبر أمام انتصار حقيقي في المحافظة، إضافة إلى وجود تحديين كبيرين:

الأول: احتواء أزمة محتملة للنازحين من الموصل، حذرت منها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، نتيجة الخزين البشري الذي تحتويه محافظة نينوى، والآخر: تأسيس حكم مدني يجمع كل المكونات الاجتماعية في الموصل بما يضمن عدم تقسيمها. وإلا كيف نفسر مطالبة إقليم كردستان باتفاق سياسي قبل تحرير الموصل؟ وهل هناك ما يبرر مخاوف بعضهم من استئثار قوات البيشمركة بالمزيد من الأراضي قبل إعلان الانفصال لاحقا؟ وما الذي يضمن عدم تفجر الأوضاع ونشوب حرب أهلية بعد تحرير الموصل؟

إن رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، الذي يقود معركة الانفصال عن العراق، أعلن صراحة أكثر من مرة عن حق الإقليم بتقرير مصيره، وهو الذي بات يعيش واقعيا ضمن مفهوم الدولة المستقلة بمعزل شبه تام عن حكومة بغداد من حيث السياسة الخارجية وجيش الإقليم المتمثل بقوات البيشمركة، وكذلك السياسة المالية والاقتصادية. وكان البرزاني تعهد باستعادة ما يعتقد أنها مناطق كردية "محتلة" من العرب، أو مناطق متنازع عليها مع بغداد، منذ حقبة ما قبل احتلال العراق عام 2003، وبما أن بعض هذه المناطق، يقع تحت سيطرة "تنظيم داعش" فقد تعهد بإعادة هذه المناطق، والإبقاء على قوات البيشمركة فيها للأبد، وهذا ما يعيد إلى الأذهان إعلان البرزاني الشهير بأن المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بهذه المناطق، قد انتهت صلاحيتها، بحكم الأمر الواقع الذي سيتبع من يمسك الأرض بعد طرد تنظيم داعش.

وفي الوقت الذي يتراجع تنظيم داعش في العراق وسوريا، يزداد الخلاف العلني والمخاوف بين العرب والكرد التي ربما تترتب عليها عمليات اصطفاف وإعادة تموضع جديدة، داخل صفوف كل طرف على حساب الطرف الآخر، وهذا ما يجعل الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت والتحديات، خصوصا بعد إصرار الحشد الشعبي على المشاركة في عملية تحرير الموصل، مما يجعل المعركة شديدة المراس، ولعل تجربة الصدام التي حصلت بين قوات البيشمركة والحشد الشعبي في ديالى وطوز خورماتو خير دليل على ذلك،

وهذا يعني أن معركة الموصل لن تنتهي بسقوط داعش، لأن مخاطر كثيرة قد تحدق بالعراق، إذا لم تتفق مكونات المشهد السياسي وأطرافه على ترتيبات ما بعد الانتصار على الإرهاب. وقد لوحت مليشيات الحشد الشعبي بسحق كل من يعترض على مشاركتها في معركة تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش، ويأتي هذا التهديد في ظل رفض واسع لمشاركتهم في المعركة الاستراتيجية الكبرى؛ إذ أعلنت عصائب أهل الحق، أن التحضيرات العسكرية لمعركة الموصل جارية على قدم وساق وبهمة عالية، ومن يعترض على مشاركة الحشد "سيسحق بالأقدام، ولا يلومن إلا نفسه".

إن اعتراض القوى السياسية والاجتماعية في الموصل على مشاركة الحشد الشعبي يعود إلى الانتهاكات التي ارتكبها بعض أفراده ضد المدنيين العزل في المدن السنية، ممن يعملون تحت إمرة الجنرال قاسم سليماني والشخصيات السياسية العراقية، التي تعمل وفق أجنداته وهذا ما يجعل المشاركة محفوفة بالمخاطر التي ستؤجج النعرات الطائفية، ولعل السؤال الذي يراود جميع الشرفاء: لماذا لا يقوم الجيش العراقي بمفرده بمحاربة تنظيم داعش؟ وما المخاطر التي ستنجم عن مشاركة قوات الحشد الشعبي والبيشمركة الكردية في محاربة التنظيم؟ ومن أصحاب النفوذ الأقوى لفرض الإرادات؟

الشرق القطرية