قضايا وآراء

التطبيع مع قلب الاستبداد النابض بدمشق

هل تُسهم عودة العلاقات التركية مع الأسد في إعادة تأهيله؟ - جيتي
لا ينكر أحد أن تركيا قد تبوأت مركزها في المشهد السوري عن "استحقاق" لعدة أسباب، منها ما هو متعلق بالجغرافيا السياسية التي أتاحت للأتراك لعب دورٍ مهم ومركزي في القضية السورية، واستضافتها لملايين السوريين داخل المخيمات على الحدود وفي الداخل التركي، ما مكنها من الإطلالة على المشهد السوري، وفرض استحقاقات سياسية تم ربطها بشعارات سياسية أطلقها الرئيس أردوغان في البداية عن مدينة حماة؛ إلى أن وصلت وحشية النظام وعصاباته لبسط السيطرة على حلب بمساعدة روسية، وتقف اليوم على مشارف إدلب وريفها تحضيراً لمعركة مؤجلة إلى حين إنضاج ظروف تسمح بها.

لهذا كان أمرا طبيعيا أن المؤثرات والتطورات الفاعلة جرت على هذا النحو لمصالح تركيا، وفي إطلاق العمليات العسكرية في الداخل السوري، لمواجهة ما تصفه الجماعات الكردية الانفصالية، خصوصا ونحن نشهد إسدال الستارة على مطالب السوريين في معركتهم مع النظام لنيل الحرية من الاستبداد وتحقيق الديمقراطية والمواطنة.

تتكثف الدعوات التركية للتطبيع مع نظام الأسد بدعم روسي، وغير بعيد عن المصالح المزدحمة لقوى الاحتلال على الأرض في سوريا ورغبتها أيضاً بالإبقاء على تماسك النظام واستمراره، يبقى النموذج التركي الأهم في التناول لارتباطه مع شعارات "أيقظت" عند بعض السوريين آمالا في ما مضى من عمر الثورة

تتكثف الدعوات التركية للتطبيع مع نظام الأسد بدعم روسي، وغير بعيد عن المصالح المزدحمة لقوى الاحتلال على الأرض في سوريا ورغبتها أيضاً بالإبقاء على تماسك النظام واستمراره، يبقى النموذج التركي الأهم في التناول لارتباطه مع شعارات "أيقظت" عند بعض السوريين آمالا في ما مضى من عمر الثورة، لكنها توقظ اليوم الرعب والخديعة المستمرة للسوريين؛  بدعوة الرئيس أردوغان لـ"قمة" تجمعه مع الأسد بحضور بوتين، والعزف على وتر إعادة تأهيل الأسد من حين لآخر من أطراف عربية وإقليمية ودولية، تعترف كلها بخيوط العلاقة الأمنية والسياسية مع النظام، الذي يجيّر هذه العلاقات لمصلحة وأحقية الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين. فما الذي تغير في المشهد السوري ومحيطه الإقليمي والدولي، حتى تكون الحاجة ملحة لعلاقة "طبيعية" مع نظام يفشل في كل شيء يخص السوريين، ومهترئ في علاقاته مع المحيط العربي ومع المجتمع الدولي الفاشل بوقف جرائمه ومحاسبته عنها؟

منذ بداية الثورة السورية، وتكاثر الجرائم والفظاعات التي ارتكبها الأسد وجيشه، غابت الجدية في لجم النظام ووقف جرائمه ومحاسبته أمام القانون الدولي والسوري، والمحاولات الروسية لإعادة دمج النظام السوري بمحيطه الإقليمي والعربي لم تتوقف، وتستخدم كأداة ابتزاز بوجه السوريين، والمجتمع الدولي غير آبه للمعاناة التي تكبدها المجتمع السوري جراء الانتهاكات والجرائم التي تعرض لها من النظام وقوى الاحتلال المساندة له على الأرض، ما شجعه على المضي باستنساخها في معظم الجغرافيا السورية وبمختلف الوسائل البدائية والغبية والذكية، حسب الشهادات والصور والأفلام والوثائق غير القابلة للطمس والتزوير.
غابت الجدية في لجم النظام ووقف جرائمه ومحاسبته أمام القانون الدولي والسوري، والمحاولات الروسية لإعادة دمج النظام السوري بمحيطه الإقليمي والعربي لم تتوقف، وتستخدم كأداة ابتزاز بوجه السوريين، والمجتمع الدولي غير آبه للمعاناة التي تكبدها المجتمع السوري

الدعوة التركية لعلاقة مع النظام، غير بعيدة عن بقية الدعوات والخطوات التي انتهجت من أطراف عربية وإقليمية ودولية في هذا الشأن، وتحت ذرائع "المصلحة المشتركة" أو تبني ذريعته بمحاربة "الإرهاب" أو تشجيع النظام على تغيير سلوكه بالضغط لإجباره على القبول بعملية سياسية تُنقذ ما تبقى للسوريين من آمال.. كلها تصب بعيداً عن المصلحة الحقيقية للشعب السوري، فالجعبة المثقوبة للنظام استطاعت تخريج كل الدعوات إلى فضاء استمراره بالمراوغة بالفشل والاهتزاز، ومساعدته على إعادة بسط بطشه على المناطق التي دمرها وهجّر سكانها وارتكب فيها جرائم الحرب والإبادة، أنتجت فشلاً شاملاً يدركه كل سوري ومراقب في الداخل والخارج.

العلاقة مع النظام السوري من أي طرف عربي وإقليمي ودولي، بإمكانها تحقيق الحاجات الأمنية للنظام عن طريق استعادة الدور الأساسي له في هذا المضمار، وكل ما هو مرتبط بهذه العلاقة وبالجوهر الاقتصادي والسياسي، غير منفصل عن تثبيت الأسس المتخلخلة له. فتركيا على سبيل المثال متوغلة بالأرض السورية، وتخوض عمليات عسكرية ضد الانفصاليين الأكراد وتحارب تنظيم داعش الإرهابي، لكنها غير مهتمة بحال النظام وأذيته، كما هو حال بقية قوى الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي والروسي والإيراني، وأجهزة الاستخبارات الغربية التي تقيم غرف رصد واتصال مع أجهزة النظام الأمنية، فشلت في إعادة تلميع النظام وتطهيره من الجرائم؛ لأسباب عدة منها:

كان سهلاً على السياسة التركية والغربية وبعض الشعارات العربية استحضار كل القيم الخيرة والمبادئ الإنسانية ضد نوايا وخطط نظام الأسد، واستثمارها اليوم بنفس الوقت للتطبيع معه، بإعادة أسطوانة المصلحة المشتركة مع نظام الأسد والحرص على وحدة الجغرافيا السورية

لا يكفي السوريين الاستماع لمرافعات العدالة والإنسانية وذرف الدموع، فقد كان سهلاً على السياسة التركية والغربية وبعض الشعارات العربية استحضار كل القيم الخيرة والمبادئ الإنسانية ضد نوايا وخطط نظام الأسد، واستثمارها اليوم بنفس الوقت للتطبيع معه، بإعادة أسطوانة المصلحة المشتركة مع نظام الأسد والحرص على وحدة الجغرافيا السورية، ما يعيد السؤال عن معنى إخفاء الخصم الحقيقي للسوريين، وإبعاد شبحه؛ من أقرب نقطة للفروع الأمنية ومسالخها البشرية إلى المجازر المنثورة فوق الجغرافيا السورية.. ذلك لن يبني للسوريين شيئاً غير الذي عايشوه منذ خمسة عقود بوظيفة النظام المعهودة في قهر السوريين.

أخيراً، استعادة العلاقة مع قلب الاستبداد النابض في سوريا، ليخفق مجدداً بالقهر والظلم فوق الدمار والموت، لا يعين المُطبعين مع الأسد في تحسين صورته وصورتهم الملطخة بدماء الضحايا، يمكن فقط لقلب الاستبداد النابض في دمشق أن يُعين ويلهم مستبدين كثرا في المنطقة العربية وفي الإقليم، وأن يبهج قوى الاحتلال وطمأنتها على وظيفة قلبٍ ينبض بالوحشية والدمار، لكن إنعاشه بضربات التطبيع لا يبني مستقبلا، كما لا يبني وطنا وإنسانا بحسب كل نظريات التاريخ وتجارب الشعوب.

twitter.com/nizar_sahl