قضايا وآراء

في مواجهة حرب الاستنزاف وفصل الساحات

1300x600
شكلت معركة سيف القدس 2021 مفاجأة للاحتلال في المبادرة، وفي ما فرضته من التحام مقاومة غزة مع قضية القدس ومع مختلف ساحات فلسطين التي اشتبكت مع المحتل في وقت واحد، فأربكته وعززت الشكوك والمخاوف الوجودية حتى في عقل أكثر المتفائلين فيه. وكانت الكثافة النارية التي تضاعفت أربع مرات منذ حرب 2014، ومدى الصواريخ الذي وصل إلى مطار رامون قرب إيلات جنوباً، والأنفاق القتالية العميقة والخطيرة المكتشفة؛ أبرز المفاجآت التي تحدثت عنها التقارير الصهيونية ويمكن أن تلمس في إصدارات معهد الأمن القومي.

وكان واضحاً في تلك التحليلات التركيز على طول المدة الفاصلة بين الحربين باعتبارها أحد أهم العناصر التي سمحت بمراكمة تلك القوة إلى حد يفاجئ الاحتلال، رغم جولات التصعيد المتعددة خلال عامي 2018 و2019 والتي شهدت بوادر تلك المفاجآت.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن المبادرة إلى معارك استباقية مع المقاومة في غزة ستكون عنوان المرحلة المقبلة صهيونياً، وإن علينا أن نتوقع حرب استنزاف متقطعة تهدف لمنع مراكمة الإمكانات ولاستكشاف المفاجآت ولمنع المقـاومة من المبادرة، وأن الفواصل الزمنية ربما لا تتخطى العام أو الثمانية عشر شهراً بين المواجهة والأخرى.
المبادرة إلى معارك استباقية مع المقاومة في غزة ستكون عنوان المرحلة المقبلة صهيونياً، وإن علينا أن نتوقع حرب استنزاف متقطعة تهدف لمنع مراكمة الإمكانات ولاستكشاف المفاجآت ولمنع المقـاومة من المبادرة

ويبدو هذا واضحاً في مدى الإصرار على اقتحامات الفصح العبري في رمضان ومسيرة الأعلام في 29 أيار/ مايو، حتى وإن أدت إلى حرب مع غزة، وفي المبادرة إلى الهجمة الاستباقية بعد تهديدات الجـهـاد الإسـلامي بعد اعتقال الشيخ بسام السعدي.

إذا ما صح هذا الفهم، وأدركنا أن المحتل سيبادر إلى حرب استنزافٍ متقطعة، فلا بد أن ندرك أولاً أنه سيبادر إلى التعمية على نواياه من خلال طروحات تتحدث عن هدنة طويلة الأمد عبر الوسطاء، وأن ندرك أن التحدي المركزي أمامنا بات كيف يمكن أن نخوض تلك المعارك المفروضة من موقع الأفضلية والمبادرة، وما هي الأرضية السياسية الصلبة التي تسمح بخوضها دون انكسار حتى وإن تمكن المحتل من المبادرة في بعض تلك المحطات.

وإذا ما صح هذا الفهم فإن معركة شهر آب/ أغسطس 2022 تأتي في إطار الثأر من معركة سيف القدس 2021، وفي استمرار للمحاولة الحثيثة لتقويض نتائجها، والتي بدأت بالعدوان على المسجد الأقصى في شهر رمضان وفي مسيرة الأعلام من بعده، ولم تكن منفصلة عن القدس هذه المرة أيضاً، إذ أن المحتل تعمد شن حملته قُبيل أحد اقتحاماته المركزية للأقصى التي يعد لها منذ شهر من الزمن، وهو اقتحام "ذكرى خراب الهيكل" يوم الأحد (7 آب/ أغسطس)، وقد كان إنجاحه محل نقاش في الكنيست بعد عريضة من 16 نائباً. وجاء العدوان على غزة بعد 24 ساعة من إعلان تفاهمات غير مسبوقة مع شرطة الاحتلال لتغيير قواعد اقتحام المستوطنين للأقصى، فجاء العدوان على غزة لعله ينجح في رسم الصورة المعاكسة لمعركة سيف القدس: أن الاستفراد بالأقصى والقدس يأتي بينما غزة تحت النار والمحتل يستعيد زمام المبادرة.
قراءة هذه المعركة مجزوءة وناقصة ما لم ننظر إليها باعتبارها استمراراً لمعركة سيف القدس، فالثأر من تلك المعركة هو استمرار لها، والمحتل حين خاض معركة القدس وغزة مقلوبة هذه المرة أعاد تكريس الارتباط بين الساحتين

إن قراءة هذه المعركة مجزوءة وناقصة ما لم ننظر إليها باعتبارها استمراراً لمعركة سيف القدس، فالثأر من تلك المعركة هو استمرار لها، والمحتل حين خاض معركة القدس وغزة مقلوبة هذه المرة أعاد تكريس الارتباط بين الساحتين، وعبّر عن وعيه العميق بمقدار الهزيمة التي ألحقتها به معركة 2021، وحاجته الملحة إلى العودة للتصرف المطلق في القدس بعد أن قُيدت يده. وإذا كان قد بادر اليوم للمعركة في لحظة هدوء شعبي؛ فالانفجار قادم وليس بعيداً ما دام الأقصى مهدداً بفرض الطقوس التوراتية فيه، وما دامت حرب التهجير والهوية مشتعلة على كل ساحات المدينة.

أما العنوان الثاني لخوض المعركة فهو عنوان مبادرة فلسطينية، لم تنجح هذه المرة على المستوى التكتيكي لأسباب جديرة بالنقاش الهادئ لاستخلاص الدروس، لكن الانتقال لها يبقى عنواناً مهماً ومشروعاً في المستقبل: فقد أفرزت معركة سيف القدس ومن بعدها عملية نفق الحرية حالة كتيبة جنين باعتبارها بؤرة مقاومة مركزة في مخيم جنين، تخرج عن قدرة سلطة التنسيق الأمني على تصفيتها، ويضطر جيش الاحتلال إلى مواجهتها بنفسه، بما يعيد جذوة المقاومة للضفة الغربية ويفتح الباب لمثال ثوري يعزز المبادرين الأفراد ويعزز وعياً جماهيرياً بضرورة المبادرة إلى الفعل، فتدخل المقاومة في غزة لعلها تمنع تصفية هذه الحالة الهشة الناشئة، بما يسمح لها أن تشتد عوداً وأن تنتشر إلى البلدة القديمة في نابلس وإلى طوباس وإلى مواقع أخرى لاحقة.

ولا يخفى أن مطالبة هذه البؤر الناشئة أن تقفز هي لتحمي غزة وتكسر عنها الاستفراد تتجاوز حدود المنطق الموضوعي إلى التمني، وإن تفهمنا الضغوط النفسية التي تدعو إليها.
خوض معاركنا من موقع أفضلية للمقاومة يؤمّنه الفعل الشعبي بالتجربة، وهو فعل تنضج ظروفه ولا يمكن استدعاؤه عند الطلب، ومن دون الإسهام في إنضاج ظروفه وتعزيز الفاعلين فيه ومنع الاستفراد بهم، فإن استراتيجية مواجهة حرب الاستنزاف الصهيونية ستبقى ناقصة


ربما يقال الكثير في تقييم بؤر المقاومة المسلحة تلك، وفي مدى قدرتها على تكبيد المحتل خسائر مجدية، وفي السلوك العلني لمقاتليها ما يهدد بتصفيتها قبل أن تتجذر وتنتشر، وهذا كله نقاشٌ مشروع في التكتيك إذا ما انطلق من موقع إنجاح تلك التجربة الجَسورة؛ لكن لا شك أن وجود بؤر مقاومة خارجة عن سيطرة التنسيق الأمني لسلطة دايتون هو مكسب بحد ذاته، وأن محاولة حمايتها بمعادلة ردع من غزة هي إضافة مهمة لقواعد الاشتباك تستحق المحاولة والتضحية.

لا بد أن نخوض هذه المعارك إذن مدركين أنها مفروضة باستراتيجية حرب استنزاف، وأنها سياسياً تشكل بالضرورة استمراراً لمعركة القدس، وسعياً إلى فتح آفاقٍ مستقبلية جديدة؛ لكن يبقى عنصر مهم ما زال مغيباً عن النقاش والفعل؛ إن ما سمح بخوض معركة سيف القدس من موقع الأفضلية كان الحراك الشعبي بلا منازع، فهي جاءت بعد فرض الإرادة الشعبية في باب العامود، وبعد ملحمة شعبية وإعلامية عالمية في حي الشيخ جراح، وبعد ملحمة رباط منعت اقتحام 28 رمضان؛ فجاء الفعل العسكري من غزة ليشكل مفاجأة من موقع الأفضلية وليفتح آفاق انضمام ساحة الداخل المحتل عام 1948 وساحات الخارج بعد أن صنع النموذج بالتحامه مع القدس.

خوض معاركنا من موقع أفضلية للمقاومة يؤمّنه الفعل الشعبي بالتجربة، وهو فعل تنضج ظروفه ولا يمكن استدعاؤه عند الطلب، ومن دون الإسهام في إنضاج ظروفه وتعزيز الفاعلين فيه ومنع الاستفراد بهم، فإن استراتيجية مواجهة حرب الاستنزاف الصهيونية ستبقى ناقصة.