قضايا وآراء

من يحاسب قيس سعيد؟!

1300x600
يريد قيس سعيد أن يحاسب من يشاء وقت شاء بحق وبدون حق، فمن يحاسبه؟ وهو سؤال مشروع في ظل حل مجلس النواب والمجلس الأعلى للقضاء والهيمنة على القوات الأمنية والعسكرية، وكل مؤسسة عامة من شأنها أن تزعجه، وهو يعمل بأريحية بلهاء على هدم الدولة ركنا ركنا، ووضع نفسه وفكره المريض مكان كل ما قام بهدمه من صروح تونس الفتية.

وجدير بالذكر أن قيس سعيد لم يكن يبحث عن الإصلاح، ولم يزل غامضا فيما يسعى للوصول إليه، أو ما ستفضي إليه إجراءاته السوداء، فلو كان يبحث عن الإصلاح، لتقبل الدعوات المتكررة من كل الفاعلين في الدولة، بكل مشاربهم وتوجهاتهم لتنظيم حوار وطني بين الفاعلين سياسيا واجتماعيا، وهو المنطق الذي يتحدث به السياسيون وعامة الشعب في الوقت نفسه.

هذا السؤال يطرح بقوة في الشارع التونسي، ويقول أحد البسطاء بغضب، وهو عامل في حانوت (بقالة) ما مفاده: هل يعقل أن يحكم قيس سعيد 12 مليونا من البشر انطلاقا من تفكيره الأهوج، من دون أن يستمع لأحد؟ هل هو الفاهم الوحيد في البلد؟ جاء حديثه هذا في إطار سؤالي له عن غياب بعض السلع الضرورية.. وحين سألته عن سبب إخفائه العظم (البيض) تحت الطاولة التي يقف خلفها، أوضح لي أنه لو كشفه سيطير في دقائق، وأنه يوزعه على الناس بعدالة، ومثل ذلك السميد الذي يخفيه في مخزن صغير داخل الحانوت، مع انعدام تام لكل أنواع الأرز والزيت المدعم، والغلاء الذي يحس به الجميع بدون استثناء وفي كل شيء، حتى المشوار (مناديل الجيب) زاد سعرها خمسين مليما.

كان غضب العامل في الحانوت باديا عليه، وكان متأثرا، وما دفعني لسؤاله عن إخفاء العظم حالة الغضب والشكوى التي لا يتوقف عن إبدائها للحرفاء (الزبائن)، الذين بدورهم يبادلونه الشكوى والتبرم والتساؤلات التي لا تنقطع.. أحد الزبائن قال بعصبية: يرحم أيام بن علي، ليرد عليه أحدهم: "الله لا يرحمه ولعنة الله عليه"، وبعدها دب نقاش حامي الوطيس، أنهاه عامل الحانوت برجاء أن يتوقفوا عن النقاش أو يكملوه في الخارج.

ومن أغرب ما حدث لي شخصيا حين ذهبت لأشتري بعض الأثاث المستعمل؛ فأصبت بالذهول لأن سريرا صغيرا بسيطا ليس أكثر من خشب مصفوف ومثبت بمسامير بدون دهان، وهو نوع معروف لدينا في تونس، وكان سعره جديدا لا يتجاوز بحال 60 دينارا لأجده مستعملا بمئة دينار، فظننت أن الرجل يتلاعب بي، فذهبت لأسأل عن الجديد لأجده بمئة وأربعين دينارا..!! ولو استمررت في عرض مظاهر الغلاء لما انتهيت، وقد ضربت أمثلة سريعة لا غير؛ فكل شيء ارتفع سعره حتى المحروقات وأسعار الكهرباء والماء والغاز دوفيل (غاز التمديدات)، فكل شيء في تونس صار له سعر جديد، ويتوقع كثيرون أن تتوالى قفزات الأسعار إلى أن تصبح الحياة مستحيلة.

وفي الأثناء يتحدث قيس سعيد عن احتكار السلع طوال الوقت، فمن أين جاء بهذه المعلومات؟ وما مصدرها؟ فإذا كان صادقا، فماذا ينتظر؟ ولماذا لا يكشف المحتكرين ويقدمهم للعدالة؟ لقد بات أبسط الناس يعرفون بأنه يغطي على فشله بالاتهامات العمياء الكاذبة، فالتعميم هو ديدنه وأسلوبه في الدفاع عن إجراءاته الخائبة، وتبرير فشله في توفير لقمة العيش النظيفة للشعب الذي لم يعد يحتمل أكثر مما تحمل، وأكبر دليل على فشل إجراءاته ونفور الناس منها، وانكفاء مؤيديه عنه نتائج دعوته أنصاره للتظاهر تأييدا لغلق مكاتب المجلس الأعلى للقضاء، حيث لم تتجاوز أعداد من تجمعوا أمام المجلس الأعلى للقضاء، ثلاثين شخصا، ومن شارك منهم في تظاهرة 6 أيار/ فبراير بضع مئات، ذلك أن الغالبية العظمى ممن خرجوا ذلك اليوم كانوا من المتعاطفين مع مقتل شكري بلعيد، في حين ادعت وزارة الداخلية أن من خرجوا ضد إجراءات سعيد الأحد الفائت 13 شباط/ فبراير لم يتجاوزوا 1200 متظاهر، بينما قدر بعض الإعلاميين بأن عددهم لا يقل بحال من الأحوال عن سبعة آلاف متظاهر، وهو ما يتفق مع تقديراتي الشخصية.

والحقيقة أن أكبر عملية احتكار يقوم بها قيس سعيد نفسه حين يحتكر الإرادة الشعبية والقرار الوطني ونبض الشارع والمعلومات الضرورية، التي يجب أن يعرفها الشعب والموجودة في رأسه فقط، بكل ما في ذلك من مخالفات لقواعد التسيير الحكومي في أية دولة تحترم نفسها. كل ذلك في ظل حكومة عمياء صماء بكماء، وجودها وعدمه واحد، فهي لا تمثل شيئا سوى تطبيق ما يأمر به الرئيس، ولا رأي لها ولا تجرؤ على تقديم نصيحة له أو مشورة، مع أنها حكومة هزيلة لا تملك حلولا لأية مشكلة من المشاكل المتفاقمة في البلاد.

وقام قيس مؤخرا بتدمير صورة القضاء، ولم يفكر في إصلاحه، بل هدمه ليبني مجلسا هشا صغيرا يأتمر بأمره، فكل ما يريده سعيد هو وضع اليد على أحكام القضاء، ومن يخالفه مصيره ذرائع تؤدي به إلى النقل أو الفصل أو التقديم للمحاكمة أو الاعتقال التعسفي؛ مما يجعل القضاء في أسوأ حالاته إداريا وتنظيميا.

قيس سعيد يريد إلحاق القضاء بوزارة الداخلية التي يواليه فيها وزيرها الناقم على خصوم سعيد لا لشيء سوى أنهم خصومه هو أيضا، فكلا الرجلين لا تريحه الديمقراطية، ولا يؤمن بالحريات ودولة القانون، وأكبر همهما تصفية الخصوم السياسيين لا أكثر ولا أقل، بل إنني أزعم بأن السبب الرئيس للانقلاب هو الرغبة في الانتقام من الخصوم، والتفرد بالحكم نوعا من المرض النفسي الذي دفع سعيد إلى الارتياب من كل أحد يمثل قوة شخصية أو حزبية، ولا يساورني في ذلك أدنى شك، وذلك بناء على ملاحظة الإجراءات التي قام بها حتى الآن، ومخرجات تفرده بالحكم منذ الانقلاب حتى اليوم.

حتى اللحظة، لم يجرؤ سياسي وازن على الادعاء بأن تحركات قيس سعيد كانت إصلاحية، والأكثرية لا تتوانى عن وصف ما قام به بأنه هدم لما تراكم عبر عشر سنوات من مؤسسات الدولة.

هدم الدولة.. الغلاء.. فقدان المواد الغذائية.. كذب الرئيس واحتياله.. عجز الرئيس.. البلد ذاهبة نحو المجهول.

هذه العناوين التي يتداولها الشعب التونسي طوال الوقت، بينما يمضي قيس سعيد في طريق اللاعودة المليء بالأشواك بكثير من اللامبالاة بالأصوات المحذرة والناصحة والناقمة. إنه يواصل الطريق إلى جهنم.. ذلك الطريق المحفوف بالأخطار والمكاره والنهاية المريرة..!!