كتاب عربي 21

على هامش الحرب.. النصر من مثال الإيمان إلى واقع المادة

1300x600
لا يجري في القرآن لفظ الهزيمة على المؤمنين، في المرّات الثلاث التي ورد فيها، في الكتاب الحكيم، بالرغم من أنهم قد يُغلبون (بضمّ الياء) في المعركة الحربيّة، وهو واقع متحقّق، حتّى في زمن النبوّة، وبالرغم من أن العديد من الأنبياء قتله قومه، والعديد منهم يأتي يوم القيامة، كما في الحديث، وليس معه أحد، الأمر الذي أشكل على العديد من المفسرين قوله تعالى: "إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنا وَالَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ يَقومُ الأَشهادُ"، إذ كيف يكون نصر الرسل والمؤمنين في الحياة الدنيا، وإمكانية الغلبة واقعة عليهم، وقد تحققت مرات في التاريخ؟

يتضح تماما أنّ القرآن لا يعدّ المؤمن مهزوما، حتى لو غُلِب في المعركة، ما دام قتاله انحيازا للحقّ، فلا خسارة حقيقية في الانحياز للحق، إلى الدرجة التي عُدّ فيها المصير الأخروي للجماعة المؤمنة التي حُرّقت في الأخدود فوزا كبيرا: "إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُم جَنّاتٌ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ ذلِكَ الفَوزُ الكَبيرُ". فالثبات على الحقّ نصر، بما يتضمنه مفهوم النصر من معنى الفوز، بيد أنّ حقيقة الفوز متحقّقة في الدنيا، لا في المآل الأخروي فحسب، وإن كان الثبات في الدنيا في الانحياز للحقّ طريقا محقّقا لمآل الفوز الأخروي.

يؤكد القرآن أنّ جماعات الأنبياء وأصحابهم ومن معهم من ربيين وحواريين وأصحاب، أمة واحدة، متجاوزة للمكان والزمان. فأصحاب محمد، صلّى الله عليه وسلم، وأتباعه إلى أن يرفع الله الإيمان من الأرض، هم أمة إبراهيم وموسى وعيسى وبقية الأنبياء، وهذا ما يمكن فهمه من التعقيب القرآني المباشر على قصص الأنبياء في سورتي الأنبياء والمؤمنون: "إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاعبُدونِ"، "وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاتَّقونِ"، بمعنى أن معركة الحقّ واحدة في التاريخ، لا يغيّر انفصال وقائعها المكاني والزماني شيئا في حقيقة وحدتها، وهو ما يمكن فهمه كذلك من الحديث النبوي الذي يقول فيه النبيّ، صلّى الله عليه وسلم: "إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟". قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
تتضح قيمة الثبات على الحقّ، بغض النظر عن النتيجة المادية المباشرة، إذ الثبات بمجرده يُبقي إمكانية تغيير الوقائع المادية قائمة دائما، بمجيء من يستثمر الظروف المواتية لتحقيق النصر المادي المباشر

فكما أنّ الصحابة الذين قضوا في مطلع الدعوة وأُحُد، قد انتصروا بانتصار النبي وصحابته تاليا، إذ المشروع واحد، ولا بدّ أن يُقتل أو يموت بعضهم أثناءه قبل إنجاز أهدافه، سواء قُتِلوا في معركة النصر الحاسمة أم قتلوا في معاركه على الطريق، فكذك الأنبياء الذين قُتلوا قد انتصروا بانتصار من جاء بعدهم على طريقهم، لأنّ المشروع واحد لا يضيره تعدّد معاركه في التاريخ.

وبهذا تتضح قيمة الثبات على الحقّ، بغض النظر عن النتيجة المادية المباشرة، إذ الثبات بمجرده يُبقي إمكانية تغيير الوقائع المادية قائمة دائما، بمجيء من يستثمر الظروف المواتية لتحقيق النصر المادي المباشر. فالمهم في الثبات بالدرجة الأولى الشهادة للحق، ومنع تحريف الحقيقة في لحظات الضعف والخور وانتفاش الباطل، وبالدرجة الثانية في الامتداد إلى التالين على الطريق الذين يؤسّسون نصرهم الحاسم على ثبات السابقين. وبهذا فإنّ كلّ فعل في سبيل الحقّ في التاريخ مفض إلى إفادة أهل الحقّ في أيّ مكان أو زمان آخر، فكلّ ثابت على الحقّ مساهم في انتصار غيره من أهل الحقّ.

بالعودة إلى الراهن، ومعركة وسيف القدس، يمكن أن نخلص إلى قضيتين متحصلتين من مفهوم النصر الإيماني في الواقع المادي، الأولى أهمية الثبات، ابتداء من صمود الناس في أرضهم، ثم برفضهم الخضوع والاستكانة. فالمقاومة والرفض وحدهما اللذان يحولان دون تحريف الحقيقة، ودون استقرار الباطل، ولأنّ مسار التسوية والمفاوضات، وفّر للاحتلال فراغا يتمدد فيه داخل الأرض المحتلة، ويخترق به المجال العربي، ويزيّن به نفسه في العالم، ظلّت الحاجة ماسّة لقوّة رفض تهزّ السكون الذي يتمدد فيه ويستثمره.
المقاومة، في معركة سيف القدس، لا توفّر شرط الثبات على الحقّ فحسب، وإنما تخلخل البنية القائمة، بما يعيد الحقيقة كاملة وخالصة في المرآة العالمية

وبهذا فإنّ المقاومة، في معركة سيف القدس، لا توفّر شرط الثبات على الحقّ فحسب، وإنما تخلخل البنية القائمة، بما يعيد الحقيقة كاملة وخالصة في المرآة العالمية.

أمّا الثانية، فهي أنّ أي نجاح جزئي، بصدّ عدوان، أو كسر هيبة الاحتلال، أو نقض معادلات ردعه، أو إبطال أهدافه، أو هزّ صورته في عيون الناظرين إليه من جمهوره وجماهير أعدائه ومقاوميه، أو إثبات إمكان هزيمته في معركة مصغرة، أو كشف نقاط ضعفه الفادحة، أو إظهار قدرة المستضعفين على تجاوز المستحيل والفعل، وما في ذلك كلّه من نماذج تتعالى على الكسب الماديّ السريع، وعلى الاستغراق في الفردانية المنفصلة عن الهمّ العامّ، ونماذج ترقى لتبقى واعظا ومعبئا وناصحا في نفوس المؤمنين.. أي نجاح جزئي من ذلك، يراكم على مجموع أفعال المقاومين، ليصب في معركة النصر الحاسمة، طالما أنّ المعركة تُكسب بالنقاط والتراكم، وأن كلّ فعل يفضي إلى غيره، وأن المعركة في حقيقتها متجاوزة في الزمان والمكان، فكيف كان إذا كان كلّ ما ذكر أعلاه قد تحقّق في معركة سيف القدس؟

twitter.com/sariorabi