مدونات

"وستبقى ثائرة".. الدكتاتور (1)

سيلين ساري
وقفت تجمع أشياءها الصغيرة من فوق مكتبها وتضعها بترتيب بحقيبتها السوداء استعدادا للمغادرة، لتسمع أصوات زملائها يقولون: أخيرا انتهت ساعات العمل المرهقة، وسننعم بعطلة نهاية أسبوع صغيرة. وسمعتهم يتحدثون عن الرحلة التي سيذهب لها الجميع، فمدير الشركة قرر مكافأتهم لعملهم الدؤوب بالفترة الأخيرة بعمل رحلة لجميع الموظفين، ولكنها بالطبع لن تذهب معهم.

لكن لم يجرؤ أحدهم على توجيه السؤال لها "لماذا لن تأتي معنا؟"، فسيدة الجليد المتعالية كما يطلقون عليها ممنوع تعدي خطوطها الحمر وحياتها الشخصية أولها.

في بداية عملها حاول الجميع التقرب منها، فهي فتاة جميلة كما يصفها الناس تتمتع بوجه طفولي بريء، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن خلف ذاك الوجه لا يوجد سوى جبل من الجليد، لا تظهر عليه أي ردات فعل بشرية، فلا ضحك، أو أحزان، لا غضب، لا دموع، ولا حتى ألم بأوقات تجعل أي شخص طبيعي يصرخ وواقعة انسكاب القهوة على يدها التي جعلت زميلتها بالعمل تصرخ منتفضة، لتجد أن "لي لي" لم يرف لها جفن حتى إنها ظنت أن بها مسّا من الجن.

ابتسمت "لي لي" لتلك الذكرى وخرجت من مكتبها بخطوات ثابتة بعدما ألقت التحية على الجميع.

وقفت تنتظر المصعد لتتقابل مع مديرها، هذا الرجل الجاد جدا والوسيم جدا كما يحلو للموظفات أن يلقبنه، ألقت عليه التحية ونظرت أمامها حتى دون أن تنتظر أن يرد عليها، وبمجرد انغلاق باب المصعد سألها فجأة: أين ستقضين عطلتك؟

انتفضت داخليا من السؤال وكأنها تعرضت لصاعق كهربي، ولكنها التفتت بهدوء وبنظرات ثابتة تقول ما لا ينطقه لسانها: هذا ليس شأنك، ولكنه تجاهل تلك النظرة وظل منتظرا إجابة منطوقة منها.

أدارت وجهها بنفس الهدوء قائلة: في البيت. ظنت أن الأمر انتهى، ولكنه فاجأها بسؤال آخر: لماذا لم تسجلي اسمك بالرحلة؟ أجابت وهي تنظر له: لأني لن أذهب.

فقال لها باستغراب: لماذا؟ لماذا تصرين على أن تكوني بعيدة عن الجميع وتتعاملي معهم عن بُعد؟

لأول مرة تشعر أنها تفقد السيطرة على أعصابها وخرجت الكلمات من بين أسنانها، وهي تمد يدها لفتح باب المصعد: "هذا ليس من شأنك". لكنه كان أسرع منها ووضع يده على الباب مانعا إياها من فتحه.

وبنفس طريقتها الغاضبة بالحديث قال لها: طريقتك المتعالية تلك يمكن الحديث بها مع أحد زملائك أما أنا فلا، ثم صمت لحظات تقابلت فيها نظراتهما كانت أشبه بإطلاق النار، ثم قال: إما أن تأتي إلى الرحلة أو ترسلي استقالتك، وفتح الباب وخرج مسرعا دون أن يعطيها الوقت لترد.

وقفت لحظات لا تقوى على الحركة: كيف له أن يتحدث معها بهذه الطريقة؟ كيف يأمرها بعمل شيء خارج ساعات عملها؟

أفاقت من ذهولها على صوت سيارته المسرعة، لم تجد الفرصة لتخبره بأنه يمكنه أن يذهب هو وعمله إلى الجحيم.

سارت بخطوات مسرعة غاضبة نحو منزلها ورأسها يضج من الألم والغضب.

وصلت المنزل وأغلقت الباب بقوة.. بأي حق يتهمها بالتعالي ويأمرها ماذا تفعل أو لا تفعل بحياتها؟

جلست على طاولتها لتكتب استقالتها فهي لن تسمح لأحد أن يتحكم في حياتها مرة أخرى، ومع أول كلمات الاستقالة توقفت يدها عن الكتابة مخاطبة نفسها بصوت عال: وماذا ستفعلين لو تركتي العمل؟ من أين ستعيشين؟

فلقد عانت "لي لي" كثيرا حتى وجدت هذا العمل، تذكرت بألم كم مرة التحقت بعمل وتركته بسبب تحرش أصحاب العمل بها ومضايقتهم لها، ولكن بهذه الشركة لم تتعرض لأي مضايقة أو تسلط من رئيسها إلا اليوم.

تركت القلم فوق الورق لا تعرف ماذا تفعل؟ هل ترضخ لهذا التعنت غير المبرر، أم تستقيل وتعود لما كانت عليه من تشتت وعدم استقرار قبل أن تترك مصر هاربة إلى اليونان؟

وبدون شعور منها سقطت دموعها على الورق، نظرت لتلك القطرات بعيون غائمة: يا الله هل ما زالت عيوني تملك دموعا لتذرفها؟ هل ما زال بعضي على قيد الحياة ويملك القدرة على التفاعل والإحساس؟

وقبل أن ينفتح سرداب جهنم الذي يحوي ذكرياتها، انتفضت مُسرعة إلى زجاجة المنوم رفيقة دربها لتلتقط حبات منها تأخذها بسرعة، فهي لن تسمح بأن يُفتح ذاك الباب فلقد أُنهكت كي تغلقه، وقبل أن تكمل حديثها غرقت بالنوم.

استيقظت "لي لي" مع أول خطوط الضوء لا تدري أي قرار ستأخذه..

عند الساعة السابعة كانت تقف أمام يخت عملاق، حيث وجدت زملاءها يقفون فاقتربت منهم وألقت عليهم التحية متجاهلة نظراتهم، التي هي مزيج من الدهشة والإعجاب بنفس الوقت. فقد تخلت "لي لي" عن ملابسها الرسمية التي هي عادة باللون الأسود أو الرمادي لترتدي فستانا ناعما باللون الأبيض، فيه زهرات صغيرة زرقاء وقبعة كبيرة بنفس لون الزهرات لتحميها من أشعة الشمس، وحررت خصلات شعرها المقيدة دائما بتلك الدبابيس الصغيرة.

لقد كانت حقا أكثر من فاتنة، وقبل أن يرد أي من الواقفين التحية وجدت ظلا يغطيها يحيي الجميع بصوت مرح ويعتذر عن التأخير. لقد عرفت مَن هو حتى قبل أن يتكلم، إنه أدهم مديرها أو السيد الدكتاتور كما قررت أن تلقبه.

وكما صدمها بسؤاله بالمصعد صدمها مُجددا، حيث تفاجأت به يمسك بيدها بطريقة متملكة ويعتذر منها أمام الجميع بصوت عال على تأخره وكأنه كان بينهما موعد، ولكن تدريبها لنفسها لفترة طويلة على إخفاء مشاعرها جعل وجهها قطعة ثلج مبهمة.

إلا أن نظرات الفضول التي حاصرتها بدأت تربكها، ولكن بسرعة سحبها أدهم معه وهو يدعو الجميع للصعود على ظهر اليخت ليبدأوا رحلتهم.