مقالات مختارة

الحصانة البريطانية والأمريكية.. تذكرة مفتوحة لارتكاب جرائم الحرب

1300x600

من المتوقع أن يتم تمرير قانون العمليات الخارجية (موظفو الخدمة والمحاربون القدامى) المقترح من قبل حكومة حزب المحافظين البريطانية برئاسة بوريس جونسون، بعد أن تم تمرير القراءة الثانية ومناقشة التعديلات يوم 14 تشرين الثاني/ أكتوبر الحالي. وجاء توقيت اقتراح القانون مناسبا لتمريره «تحت الرادار» أي دون أن يحظى باهتمام كبير وذلك للانشغال العام بانتشار فايروس كورونا، ومتابعة الإجراءات الحكومية، المتناقضة، المحيطة بكيفية الوقاية منه أو الحد من انتشاره. من المؤكد أن لهذا القانون تأثير هائل على وضع العسكري البريطاني، ولكن ما هو تأثيره على مواطني البلدان التي تحتلها أو احتلتها بريطانيا، كالعراق، مثلا؟ وهل من تشابه مع القوانين الأمريكية بذات الصدد؟

ينص القانون المقترح على تقييد الملاحقات القضائية ضد الجنود البريطانيين، على جرائم يرتكبونها أثناء خدمتهم أو قيامهم بعمليات في الخارج، من خلال منحهم الحصانة بعد مرور خمس سنوات، على ارتكابهم أي جريمة كانت، بما في ذلك التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، باستثناء الجرائم الجنسية. يطبق القانون على كل العسكريين، كما ستقدم مهلة مدتها ست سنوات، فقط، للدعاوى المدنية ضد وزارة الدفاع.

صوّت معظم نواب البرلمان لصالح القراءة الثانية، وتنص محاججة مقترحي القانون بأن العسكري يقوم بأداء مهامه المطلوبة وواجبه والتضحية بحياته للدفاع عن الجميع، واذا ما حدث وارتكب ما يمسّ حياة الآخرين أثناء أدائه واجبه، فان صلاحية مقاضاته يجب أن تسقط بعد مرور خمس سنوات. وتؤكد الحكومة أن هذا سيحمي القوات البريطانية من الملاحقات القضائية «الكيدية». أحد أسباب هذه المحاججة هو رفع مواطنين عراقيين مئات القضايا ضد عسكريين بريطانيين، أثناء مشاركة القوات البريطانية في احتلال العراق. ففي غضون 15 عاما، قامت وزارة الدفاع بتسوية 300 مطالبة بإجمالي 20 مليون جنيه إسترليني لضحايا عراقيين عانوا من انتهاكات وتعذيب على أيدي القوات البريطانية.

تطلب إصدار الحكم بقضية الشاب بهاء موسى، الذي توفي جراء تعذيبه أثناء احتجازه في معتقل بريطاني، في مدينة البصرة، في أيلول/ سبتمبر 2003 عدة سنوات إلى أن وافقت وزارة الدفاع في 10 يوليو / تموز 2008 على دفع 5.6 مليون دولار، كتعويض لأقاربه وتسعة رجال آخرين عانوا من التعذيب على يد جنود الاحتلال. وقالت وزارة الدفاع في بيان «التسوية مع اعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية… عن الانتهاكات الجوهرية للمادة 2 (الحق في الحياة) و 3 (حظر التعذيب) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان». ودق ناقوس الخطر بالنسبة إلى مقاضاة الجنود واعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية، وانعكاسات ذلك على « سمعة « القوات البريطانية، حين استمرت الدعاوي ضد القوات في السنوات التالية.

هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003.


ففي عام 2009، مثلا، وحسب قاعدة أن مساءلة المجرمين لا تسقط بالتقادم، رفع عراقيون من ضحايا التعذيب قضايا أخرى. « زعم أحد المطالبين أنه تعرض للاغتصاب من قبل جنديين بريطانيين أثناء وجوده في مركز احتجاز، بينما يدعي صبي يبلغ من العمر 14 عاما أنه أُجبر على ممارسة الجنس مع جندي بريطاني. ويزعم آخرون أنهم جُردوا من ملابسهم وتم تصويرهم وتعرضوا للإساءة. في حادثة أخرى، تكدس المحتجزون فوق بعضهم البعض وصُعقوا بالكهرباء». أثارت هذه القضايا ضجة كبيرة لأنها بدأت تشوه سمعة القوات البريطانية التي حاولت النأي بنفسها من فضيحة التعذيب في أبو غريب، باعتبارها فضيحة أمريكية وان الجندي البريطاني « متميزا» بانضباطه وأخلاقيته.

أثار القانون المقترح استنكار منظمات حقوقية بريطانية ودولية من بينها منظمة العفو الدولية و«هيومان رايتس ووتش» لأنه سيزيد من إفلات الجنود البريطانيين الذين يرتكبون جرائم خطيرة من العدالة. حيث وصف مدير منظمة العفو الدولية، في المملكة المتحدة، القانون بأنه سيضع تصرفات الجنود فوق القانون، ويشير اقتراح الحكومة إلى أن القوات المسلحة بحاجة إلى الإفلات من العقاب من ممارسة التعذيب وجرائم الحرب، و« ترى الحكومة أنه من المقبول منحهم ذلك. مثل هذه الخطوة ترسل رسائل متضاربة على الصعيد الدولي. كيف يمكننا دعوة دول مثل سريلانكا إلى تطبيق العدالة على جرائم الحرب منذ عام 2009، عندما وضعنا قانونا محددا للتقادم؟».

وحذر النائب العمالي دان جارفس من أن القانون، اذا تم سنه، ستكون له عواقب وخيمة لأنه يضر بمكانة بريطانيا في العالم وبسمعة القوات المسلحة، قائلا: « خذ التعذيب كمثال. حظر التعذيب مطلق. لا توجد استثناءات. استخدامه غير قانوني بموجب العديد من المعاهدات الدولية التي وقعت عليها المملكة المتحدة، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي».

هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003. كما ستنعكس على المستقبل، مع وجود حوالي 1400 عسكري حاليا. وبإمكان الجهات المعنية ووزارة الدفاع إعاقة وتأخير إجراءات التحقيق الجنائية لحين سقوط حق الضحية، كما يتبين من التدخل السياسي لوقف المساءلة، ومثالها إغلاق « التحقيق الجنائي البريطاني في الجرائم المزعومة في العراق» قبل أن يكمل عمله.

أما قوات الاحتلال الأمريكي فإنها تمتعت بالحصانة من المساءلة والعقاب حتى انسحابها الجزئي عام 2011. إلا أن حكومة نوري المالكي منحتها الحصانة من الملاحقة القضائية، عام 2014، إذا ارتكب هؤلاء الجنود الأمريكيون أي جرائم أو واجهوا أي مشاكل قانونية أثناء « تقديم المشورة « للعراقيين. ويبلغ عدد القوات الأمريكية، المعلن عنه رسميا، اليوم، 5200، وقد أكدت حكومة مصطفى الكاظمي، على استمرار الحصانة، وفق الاتفاق الموقع في حزيران 2020، استمرارا « للمبادئ التي اتفق عليها الجانبان في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وكذلك مبادئ تبادل المذكرات الدبلوماسية وخطابات جمهورية العراق إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 25 يونيو 2014».

أن مواجهة هذا المسار، كما المسارات الأخرى في المد اليميني العالمي، في منح الحصانة للسلطات عند انتهاك حقوق الناس، يستدعي جهدا وطنيا جادا، مشفوعا بجهود تضامنية عالمية، لاستعادة الشرعية الدولية عامة. أنه امر يخص العراقيين لمواجهة سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة التي ترى في قوات الاحتلال، المسّوقة تحت مسميات مختلفة، حماية ضرورية لوجودها، كما يخص شعوب بلدان الاحتلال نفسها، إذا ما أرادت استرجاع القيم الحضارية العامة، ودفاعا عن القيم الديمقراطية التي أصبحت تعاني من هجمة تسلطية تماثل صعود الفاشية والنازية في القرن الماضي.

 

(عن صحيفة القدس العربي)