قضايا وآراء

هل سيتوقف مسلسل إفلات قادة الاحتلال الإسرائيلي من العقاب؟

1300x600
في خطوة "تاريخية"، تبّشر لإمكانية محاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، قدّمت المدعية العامة للمحكمة، في 30 نيسان/ أبريل 2020، مذكرة قانونية تؤكد فيها حق فلسطين في التوجه للمحكمة الجنائية الدولية، وصلاحية المحكمة في التحقيق بشأن "جرائم الحرب في فلسطين".

وقد تقدمت المدعية العامة بمذكرتها، عطفا على الطلب الذي كانت قد تقدمت به يوم 22 كانون الثاني/ يناير 2020، للغرفة التمهيدية بالجنائية الدولية، تطلب من قضاتها الفصل في مسألة الاختصاص الإقليمي للمحكمة، بموجب المادة 19/3 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية.

فلسطين عضو في المحكمة

تمكن الإشارة ابتداء إلى أن دولة فلسطين قد صادقت على نظام روما الأساسي وأودعت صك العضوية لدى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، لكي تصبح عضوا في المحكمة الجنائية الدولية في الأول من نيسان/ أبريل لعام 2015، حيث تلا ذلك فتح المدعية العامة للمحكمة الجنائية دراسة أولية عن الحالة في فلسطين، تبدأ من تاريخ 13 حزيران/ يونيو 2014، وهو التاريخ الذي اختارته السلطة الفلسطينية من أجل بداية الاختصاص الزماني، وقدمت فيه إعلانا تم إيداعه لدى مكتب المدعي العام بالمحكمة في الأول من كانون الثاني/ يناير 2015.

ثم كان العام 2018؛ حيث تقدمت السلطة الفلسطينية بطلب إحالة إلى المدعية العامة للمحكمة، وذلك قبل أن ينجز مكتبها في كانون الأول/ ديسمبر 2019، الدراسة الأولية بشأن الحالة في فلسطين، والتي وجدت أن هناك أساسا معقولا بأن مجموعة من الجرائم التي ارتكبت أو يتم ارتكابها في الأراضي الفلسطينية تقع من اختصاص المحكمة الموضوعي، وعليه يملك المدعي العام للمحكمة الاختصاص من أجل فتح تحقيق في هذه الجرائم. ولكن نظرا لحساسية الوضع في فلسطين، ومجموعة من الاعتبارات القانونية واعتبارات متعلقة بالوقائع، قدمت المدعية العامة طلبا للغرفة التمهيدية من أجل الفصل في قضية الاختصاص الإقليمي.

فلسطين دولة ذات سيادة

تكمن أهمية الدراسة التي تقدمت بها المدعية العامة للمحكمة، في أنها تفتح الباب على مصراعيه أمام إمكانية محاكمة مجري الحرب الإسرائيليين، الذين لا يكفون عن ارتكاب الانتهاكات لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، حيث سيصبح بالإمكان ملاحقتهم على الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة، من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان.

ولأن قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي يعرفون بصورة كاملة أن أفعالهم تشكّل جرائم يعاقب عليها القانون، فقد باشروا بحملة تحريض واسعة ضد المحكمة الجنائية الدولية، منها اتهام كل من بنيامين نتنياهو وبيني غانتس المحكمة بمعاداة السامية، عدا عن زعم وزير البنى التحتية يوفال شتاينتس بأن المحكمة "تعيد صياغة قواعد القانون الدولي باختلاق دولة فلسطينية، في حين أن محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية ما زالت لم تنتهي". كما كان للإعلام الإسرائيلي دور في التحريض على المحكمة الجنائية، من خلال اتهامها بأنها تحولت إلى أداة بيد الفلسطينيين، مع دعوات لتحشيد الضغط على المحكمة لإجبارها على عدم فتح تحقيق بشأن الحالة في فلسطين.

خلال العام المنصرم، تعرضت المحكمة الجنائية لضغوط هائلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، للتأثير على قرارات المحكمة وضمان إفلات القادة الإسرائيليين من العقاب، كما تقدمت مجموعة من الدول الحليفة لإسرائيل في المحكمة، منها ألمانيا والنمسا وهنغاريا وأوغندا والبرازيل، بمذكرات قانونية ضمن إجراءات المحكمة في النظر بطلب المدعية العامة السيدة فاتو بنسودا، تدفع بأنه ليس للمحكمة الجنائية أن تلاحق دولة الاحتلال. كما تقدمت شخصيات اعتبارية وطبيعية مؤيدة لإسرائيل بمذكرات قانونية دفعت بأن القضية الفلسطينية لا تخضع لأحكام القانون الدولي، وإنما تخضع للقانون الداخلي الإسرائيلي، ما يعني أن كل فلسطين التاريخية تقع ضمن الاختصاص القضائي الإسرائيلي، وهي الدفوع التي فندتها المدعية العامة للمحكمة الجنائية، كون أن السيادة الفلسطينية قائمة رغم الاحتلال، ولا تتعطل بوجوده.

تبقى الآن خطوة مهمة قبل الشروع في فتح تحقيق رسمي، وهي إجابة الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية على طلب المدعية العامة المقدم في كانون الثاني/ يناير 2020، بشأن الاختصاص الإقليمي للمحكمة. وإلى ذلك الحين، من المتوقع أن تتعرض المحكمة لسلسلة من الضغوط المكثفة من قبل دول كبرى حول العالم، لثنيها عن المضي قدما في تأكيد اختصاص المحكمة الإقليمي على فلسطين، مع أن كل الشواهد القانونية والواقعية إضافة إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعة الدولية؛ تصب في أن فلسطين دولة، وهذا ما بينته بشكل احترافي المدعية العامة للمحكمة، والمنتظر هو أن تأخذ الغرفة التمهيدية بما جاء في مذكرتها.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع