ملفات وتقارير

وفاء مهداوي.. حكاية أمّ فلسطينية في مواجهة كيان الاحتلال

نيابة الاحتلال استأنفت على حكم سجن مهداوي ويتوقع تمديد اعتقالها- أرشيفية

لم تعتد أم أمجد الخروج من منزلها كثيرا؛ فهي سيدة فلسطينية شأنها كباقي الأمهات تحاول توفير الرعاية لأبنائها والسهر على راحتهم، ولكنها الآن باتت مبعدة عن منزلها وحيّها وأقربائها أسيرةً في سجون الاحتلال منذ أكثر من عام.


وتبدأ حكاية الأسيرة وفاء مهداوي (54 عاما) من ضاحية شويكة في مدينة طولكرم منذ أن نفذ نجلها أشرف نعالوة (23 عاما) عملية إطلاق نار داخل مستوطنة "بركان" المقامة على أراضي شمال الضفة أسفرت عن مقتل اثنين من المستوطنين وإصابة آخرين في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2018، حيث نجح في الانسحاب من المكان وبقي مطاردا لشهرين قبل أن يتم اغتياله في مدينة نابلس.


ولكن الاحتلال صبّ غضبه على والدته تلك السيدة التي لم تملك شيئا سوى الدعاء لنجلها، فقام باعتقالها خلال فترة مطاردة أشرف في السابع عشر من أكتوبر من العام ذاته، وما بين خوفها على نجلها وتهديد السجان لها أصبحت أم أمجد ضحية الاحتلال.


ويقول شقيقها غسان مهداوي لـ"عربي21" بأن اعتقالها كان صدمة للعائلة؛ فهي سيدة خمسينية لا تملك من الأمر شيئا ولا شأن لها بما قام به نجلها، ولكن الاحتلال اعتقلها بشكل انتقامي ثم اعتقل زوجها ونجلها أمجد وابنتها فيروز، بحيث لم يبق خارج الأسر في تلك الفترة من العائلة سوى ابنتها الصغرى سندس.


ويوضح مهداوي بأن الاعتقاد السائد كان أن الاعتقال سيكون لأيام أو أسابيع قليلة؛ ولكن الاحتلال ضغط على الأسيرة خلال التحقيق معها بأساليب قاسية من أجل أن تعترف بأنها شاهدت السلاح مع نجلها قبل تنفيذه للعملية.

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يفرض غرامة مالية ضخمة على والدة الشهيد نعالوة

ويضيف: "علمنا لاحقا بأن محققي الاحتلال ضغطوا على شقيقتي من أجل التوصل لاعتراف يدينها حسب قوانينهم العنصرية، فتعرضت للشبح والحرمان من النوم وعانت من البرد القارس والشتائم والصراخ وجولات تحقيق مستمرة ومكثفة مع منع المحامي من زيارتها، وفي الوقت ذاته كان يقوم بالتحقيق مع نجلها أمجد ومع زوجها، وتحت الضغط قالت إنها شاهدت سلاحا مع أشرف قبل تنفيذه للعملية فشعرت بالخوف عليه وطلبت منه التخلص منه؛ فوعدها بذلك وظنت أنه تخلص منه بالفعل".


الاحتلال وحسب سياساته أراد من وفاء حينها أن تبلغ مصادر أمنية إسرائيلية بأن ابنها يمتلك سلاحا؛ كي يقوموا باعتقاله ويمنعوا وقوع أي عملية.


ومرت الأيام الطويلة الباردة والأسيرة قيد التحقيق القاسي الذي مكثت فيه عدة أسابيع بينها فترة أمضتها فيما تسمى غرف "العصافير" التي تحتوي متعاونات مع الاحتلال يدّعين أنهن أسيرات ويسألنها حول نجلها في محاولة لإدانتها.


ويبين مهداوي بأن هذه الفترة كانت صعبة جدا على العائلة؛ فكل أفرادها معتقلون والاحتلال يقتحم منزلها كل يوم تقريبا، بينما القلق يلازم كل فرد فيها حول مصير أشرف.


الخبر الصادم

 
وفي فجر الثالث عشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 2018 استيقظت فلسطين على خبر هزها بتمكّن الاحتلال من اغتيال أشرف الذي كان يتحصن في منزل داخل مخيم عسكر في مدينة نابلس، ولم يبق أثر لعملية الاغتيال سوى دمائه التي ملأت المكان وآثار اشتباك مسلح ورصاصات اخترقت معظم جدرانه، بينما اختطف الجنود جثمانه واعتقلوا خمسة أشقاء هم أصحاب المنزل.


في ذلك الوقت كانت الأسيرة سوزان العويوي من مدينة الخليل تستمع إلى الأخبار عبر المذياع لتتلقى خبر استشهاد نجل الأسيرة وفاء، فلم تعلم ماذا تفعل وكيف من الممكن إيصال الخبر للوالدة دون التسبب بانهيار نفسي لها.


وتقول العويوي لـ"عربي21" بأن الأسيرة وفاء هي سيدة بسيطة كانت طوال الوقت تتحدث عن نجلها وصفاته وعن ما مرت به منذ اعتقالها، ولكنها لم تكن قلقة على نفسها بل على أشرف وزوجها ونجلها المعتقل أمجد وعلى بناتها وقريباتها اللواتي تم اعتقال أبنائهن للضغط على العائلة.


وتبين بأنها في ذلك الصباح شعرت بثقل كبير حين سمعت خبر استشهاد أشرف فأخبرت بقية الأسيرات اللواتي ارتأين أن يتم تبليغ الأسيرة وفاء من قبل الأسيرة سوزان أبو غنام وهي والدة الشهيد محمد أبو غنام من القدس المحتلة والتي اعتقلت بتهمة التحريض.


وتضيف:" قامت أم محمد بتبليغ أم أمجد بالخبر رويدا رويدا؛ ومع كل جملة تصرخ الأخيرة وتقول لها أنا أشعر بأن نجلي حدث معه شيء أخبريني ما الذي حل به، وكانت في وقتها تتمنى أن تكون النتيجة اعتقاله وليس اغتياله، ولكن والدة الشهيد أبو غنام أخبرتها أنه استشهد وأنه الآن في عليين، وحقيقة لم أر في حياتي إنسانا جزعاً لهذه الدرجة حتى أنها صرخت وسقطت أرضا وهي تنادي عليه وتبكي وشعرنا أنها أصيبت بانهيار عصبي فبدأنا بالتخفيف عنها وذكر مناقب الشهيد وبكينا معها كثيراً، ولكنها مشاعر الأم التي مرت بظروف غير عادية وتوّج الاحتلال كل ذلك باغتيال نجلها".


وبعد أربعة أيام فقط من اغتياله قام الاحتلال بتفجير منزل العائلة وتشريدها، وحين وصل الخبر لوالدته لم تبد اهتماما بذلك فهي روحا وقلبا مع طيف نجلها الذي رحل عن الحياة مبكرا.


محاكم ومماطلة

 
ورغم تمكنه من اغتيال أشرف وهدم منزله، إلا أن الاحتلال رفض الإفراج عن والديه وشقيقه، وبدأ يلفق التهم للأسيرة وفاء بأنها كانت واحدا من أسباب العملية بعلمها المسبق عن وجود السلاح، ليجهز لها ملفاً يدينها في محاكمه.


ويقول مهداوي بأن الاحتلال حكم بعد عدة أشهر على شقيقته بالسجن لمدة 18 شهرا وغرامة مالية بقيمة خمسة آلاف شيكل؛ وفرض عليها كذلك تعويضا بقيمة 40 ألف شيكل (11 ألف دولار) لأهالي القتلى من المستوطنين، ولكنه اشترط عليها دفع هذا المبلغ قبل دفع الغرامة كي يتم الإفراج عنها.

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يحاكم 30 فلسطينيا بتهمة مساعدة "أشرف نعالوة"

ولكن الاحتلال ورغم كل ما فعله بالأسيرة لم يشبع رغبته في الانتقام منها؛ فقبل عدة أيام قامت النيابة العسكرية الإسرائيلية بالاستئناف على حكم الأسيرة وتحديد موعد جديد لمحاكمتها، ما يعني أنه سيقوم بزيادة حكمها بعد أن كان من المتوقع الإفراج عنها في آذار/ مارس المقبل.


ويبين مهداوي بأن الاحتلال قام بهذا الأسلوب مع نجلها الأسير أمجد؛ حيث حكم عليه بالسجن لمدة عام وقبل الإفراج عنه بيوم واحد قامت النيابة بالاستئناف على حكمه وتم تمديد حكمه لعام آخر.


ويشير إلى أن الحكم الظالم هذا صدر على الأسيرة رغم أنها أكدت للمحققين أنها لم تكن تعلم بنية نجلها تنفيذ أي عملية، ولكن الاحتلال أراد الانتقام بشكل أو بآخر من كل أفراد العائلة وتحديدا الوالدة التي ظهرت صابرة محتسبة بعد بدء مطاردة نجلها.


أما الظروف الأخرى التي وضعت فيها الأسيرة فكانت قاسية جدا، حيث أن الزيارة الأولى التي سمحت لواحدة من بناتها كانت يوم الأربعاء الماضي أي بعد مرور أكثر من عام على اعتقالها؛ حيث سمح لابنتها سندس بزيارتها في موقف مؤثر حمل الكثير من المشاعر والدموع، ولكن سندس تحاول الابتعاد عن الحديث أمام وسائل الإعلام لهول ما مرت به وهي ما زالت طالبة جامعية.


بدورها تؤكد المحررة العويوي بأن الاحتلال كان يتعمد إذلال الأسيرة مهداوي رغم الحالة النفسية التي كانت تظللها؛ فكان السجانون ينقلونها إلى المحاكم باستمرار في رحلة عذاب داخل ما تسمى "البوسطة" التي تؤذي الأسرى وتشكّل أسرا فوق أسر بالنسبة لهم، كما كانت السجانات يتعاملن معها بعنف فيقمن بدفعها متعمدات.


وتتابع: "كانت تمكث يومين فيما نسميه المعبار أثناء نقلها للمحاكم في كل مرة؛ وهناك تفتقر لأي مقوم حياتي من حيث الطعام أو الشراب أو انعدام الأغطية أثناء البرد الشديد، كما تتعرض في الصيف للحر الشديد، وكل ذلك كان واضحا بالنسبة لنا أنه انتقام منها على شيء لم تفعله".


أما شقيقها غسان فيعتبر بأن هذه العائلة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن المستوى الرسمي الفلسطيني مطالب بأن ينقل معاناتها إلى المجتمع الدولي الذي يدعي الإنسانية، فالاحتلال تعامل منذ اللحظة الأولى بوحشية مع كل أفرادها ونكّل لهم وما زال ينتهك أبسط حقوقهم سواء بالاعتقال أو استمرار اختطاف جثمان الشهيد.


ويختم قائلا: "الأسيرة وفاء بحاجة إلى دعم رسمي فيما يتعلق بالمبلغ الباهظ الذي عليها دفعه لضمان الإفراج عنها، كما أن العائلة مشتتة لا تملك منزلا وقريتنا تتعرض لاقتحامات مستمرة من قبل الجنود لدرجة اعتقال خمسة شبان لمجرد أنهم أحيوا ذكرى استشهاد أشرف بالتعزية والتهنئة، فالملف بحاجة إلى تحريك محلي ودولي ليرى العالم ما قاسته هذه العائلة، بحيث أصبحت وفاء أما في وجه دولة بأكملها".