تنهال النصائح على الشارع الجزائري في حراكه المثمر من كل حدب وصوب. هناك فراغ في رأس الحراك، فلا تملك الجزائر حاليا تيارات سياسية قوية ولا نخبة متمرسة، وكأن الدول والشعوب التي ثارت وكانت لديها هذه النخب قد نجحت في تجاوز الأزمات الصعبة. فهل نحن أمام حالة احتجاج عربية استثنائية؟ أم إعادة إنتاج مآسي الموجة الأولى من الثوارت العربية؟
تقول الجغرافيا إن الجزائر ليست بلدا هامشيا، بل بلدا مركزيا يؤثر في شمال إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. ويقول التاريخ إن الشارع الجزائري إذا خرج للشوارع، فإنه لا يرضى بالعودة مجانا من دون مقابل سياسي واقتصادي كبير. ويقول الاقتصاد إننا أمام بلد نفطي يمكن أن يعيش أبناؤه مثل كثير من دول الخليج، لكن هذا لم يحدث.
هذه الحقائق البسيطة تقودونا إلى استنتاجات هامة تتعلق بمستقبل الجزائر؛ الذي هو جزء من مستقبل كثير من الدول العربية التي تنتظر أي شرارة لتنقلب الأوضاع فيها، خاصة تلك الدول التي أفلحت الثورات المضادة في كسب جولة فيها، وتعتاش على شيطنة حركة الشارع وسب الثورات العربية.
الدول العربية تنتظر أي شرارة لتنقلب الأوضاع فيها، خاصة تلك الدول التي أفلحت الثورات المضادة في كسب جولة فيها، وتعتاش على شيطنة حركة الشارع وسب الثورات العربية
أتصور أن أي إرادة خارجية أو داخلية في الجزائر لن تستطيع تجاوز تجربة العنف من ناحية، والمصالحة من ناحية أخرى. وأعتقد أن من يراهنون على انزلاق البلاد لساحة العنف مرة أخرى عليهم أن يدركوا أن هناك رهانا آخر قد يكون صالحا، وهو امتداد فكرة الوئام المدني القديم ليصبح وئاما سياسيا جديدا.
الوضع الجزائري الحالي فيه كثير من المزايا، أولها أنه سلمي، وثانيها أنه متجاوز للاستقطابات والطائفية، وثالثها أن الجيش الجزائري يفتقد لأي قيادات شابة أو ذات تأثير لتعيد إنتاج المنظمومة العسكرية بشكلها الفج مرة أخر، ورابعها أن الشرعية التاريخية التي تدثر بها بعض القيادات قديما وحديثا، والمتمثلة في كونها من المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي، قد تلاشت بسبب كبر معظمهم ووفاة آخرين.
في ظل غياب الشفافية في معظم الدول العربية ومنها الجزائر، لا يمكننا أن نجزم بما يمكن أن يحدث، وذلك لأن هناك صندوقا أسودا مغلقا منذ عدة عقود في رأس هرم السلظة
ورغم هذا، فإن عوامل التفاؤل في المشهد الجزائري أكثر من عوامل التشاؤم. ولا ننسى أن أي نجاح، ولو مرحلي في الساحة الجزائرية، سيطغى على بقية الدول العربية. وخطوة إجبار الشارع للرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الخروج من المشهد تماما ليست هيّنة، وسيكون لها تبعات عربية كبيرة ستأتي مع الوقت، سواء أرادت كثير من الحكومات ذلك أم لم تُرد.. إنه قانون عربي سار ومكرر، خصوصا إذا أضفنا إلى ذلك ما يتمتع به الشعب الجزائري من ثقافة وتعليم وانفتاح على الحضارات الأخرى، مع الاعتزاز بهويته العربية، مما يؤهله ليكون قدوة وقيادة في تغيير عربي كبير يتجاوز حدود الجزائر.
ارتدادات الحراك الجزائري على دول الجوار
محاولة لتفكيك الخطابات الناقدة للفساد في تونس