كتاب عربي 21

مخاض التجديد في حزب العدالة والتنمية

1300x600

يشهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تطورات هامة لم يسبق لها مثيل في السياسة التركية منذ الانتقال إلى الديمقراطية والتعددية الحزبية في منتصف القرن الماضي، حيث يستقيل رؤساء البلديات المنتمين إلى الحزب ورؤساء فروع الحزب في المحافظات واحدا تلو الآخر في إطار عملية التجديد وإعادة البناء.

 

التجديد في حزب العدالة والتنمية بدأ منذ عودة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان إلى رئاسة الحزب في 21 مايو / أيار، بعد موافقة الشعب التركي في الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أجازت لرئيس الجمهورية الانتماء إلى حزب سياسي، لأن تولي أردوغان رئاسة حزب العدالة والتنمية من جديد يعتبر بحد ذاته خطوة كبيرة في طريق التجديد.

 

كان أردوغان، في كلمته باجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، في 30 مايو / أيار، قد تحدث عن وجود آثار التعب في صفوف الحزب، مضيفا أنهم سيقومون بعملية التجديد وإعادة البناء في فروع الحزب والبلديات.

 

هناك عدد من رؤساء البلديات ورؤساء الفروع في حزب العدالة والتنمية قدموا استقالاتهم من مناصبهم منذ عودة أردوغان إلى رئاسة الحزب، إلا أن اللافت في هذه الاستقالات وجود أسماء كبيرة خدمت الحزب لمدة طويلة في مناصب هامة، كرئاسة بلدية إسطنبول ورئاسة بلدية العاصمة أنقرة.

 

قدير طوبّاش أعلن، في 22 سبتمبر / أيلول، استقالته من رئاسة بلدية إسطنبول، بعد أن قضى 13 عاما في هذا المنصب، معلنا أنه سيواصل ارتباطه بحزب العدالة والتنمية، ولن يسمح للمعارضة باستغلال استقالته من رئاسة بلدية إسطنبول لتحقيق مكاسب سياسية. وكانت رئاسة طوباش لبلدية أسطنبول أصبحت محل جدل ونقاش، بعد اعتقال زوج ابنته بتهمة الانتماء إلى تنظيم الكيان الموازي الإرهابي.

 

الأوساط السياسية والإعلامية، بعد استقالة طوباش من منصبه، بدأت تتحدث حول احتمال استقالة مليح غوكتشيك من رئاسة بلدية أنقرة. وكانت هناك تكهنات تقول إن غوكتشيك قد يرفض الاستقالة من منصبه، ويرفع راية التمرد على أردوغان، إلا أنه بعد اجتماع جمعه مع رئيس الجمهورية التركي، كتب يوم الاثنين في حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر" أنه سيقدم يوم السبت استقالته من رئاسة بلدية أنقرة، مضيفا أنه سيقوم خلال أربعة أيام بزيارات الوداع للمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في العاصمة التركية.

 

ماذا تعني هذه الاستقالات في هذا التوقيت؟ يكمن الجواب في أهمية الانتخابات الرئاسية التي من المقرر إجراؤها في 2019 لتكتمل مرحلة الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. وكان حزب العدالة والتنمية قد حصل في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الأول من نوفمبر / تشرين الثاني 2015، على حوالي 49،5 بالمائة من أصوات الناخبين، إلا أن هذه النسبة لن تكون كافية للفوز في الانتخابات الرئاسية، بل لا بد من أن يحصل على أكثر من 50 بالمائة من الأصوات، ما يعني أنه بحاجة إلى بذل مزيد من الجهود لتوسيع شعبيته.

 

الأحزاب التي تتولى الحكم في الأنظمة الديمقراطية لفترة أو فترتين تتآكل شعبيتها، لأنها لا تستطيع غالبا أن تلبي كافة مطالب الناخبين المصوتين لصالحها، وتصيب نسبة منهم بخيبة أمل، ولأن الناخبين يريدون التجديد ورؤية وجوه أخرى في الساحة السياسية لم تتلوث سمعتها بتهم وانتقادات. ولكن حزب العدالة والتنمية، بخلاف تلك الحالة السائدة، نجح في الحفاظ على شعبيته منذ أول انتخابات خاضها في 2002.

 

كان الناخبون الأتراك في الأيام التي تأسس فيها حزب العدالة والتنمية قد يئسوا من الأحزاب الموجودة وسئموا من السياسيين القدامى. وأسهمت رغبة الناخبين في التجديد في فوز العدالة والتنمية بعد أشهر من تأسيسه. ولذلك أدرج هذا الحزب الجديد في نظامه الداخلي مادة تمنع ترشح أعضائه في الانتخابات لأكثر من ثلاث فترات متتالية كي يفصح المجال في الحزب للشباب، وتضخ إلى الساحة السياسية دماء جديدة.

 

قدير طوباش شغل منصب رئيس بلدية إسطنبول لمدة 13 عاما. وأما مليح غوكتشيك فيشغل منصب رئيس بلدية أنقرة منذ 23 عاما، أي ما يقارب ربع قرن. ومن الطبيعي أن لا يتم ترشيحهما في الانتخابات المحلية التي من المقرر أن تجرى بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية.

 

أردوغان يريد أن يخوض حزب العدالة والتنمية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية في 2019، كحزب تم تجديده واكتملت إعادة بنائه، ليتخلص من أعباء الماضي وأخطائه، ويصبح وكأنه ولد من جديد. ولا شك أن هذه العملية لا تخلو من مخاطر، كأن تؤدي الاستقالات إلى كسر الخواطر والقلوب، والانشقاقات من حزب العدالة والتنمية، إلا أنها لم تواجه حتى الآن مشاكل كبيرة من هذا القبيل.

 

* كاتب تركي