فنون منوعة

الأزمات تعيد للشعر في "جنوب السودان" زمام المبادرة

جنوب السودان يعاني أزمة سياسية وأوضاعا إنسانية - (أرشيفية)
جنوب السودان يعاني أزمة سياسية وأوضاعا إنسانية - (أرشيفية)
"إن هذا الجنون اللامتناهي من الكوارث والأزمات، إنما يعيد للشعر زمام المبادرة، لأن الشعر مهما تنوعت أساليبه، هو في النهاية غناء، ولا يملك الإنسان حيال الأزمات شيئا أكثر من أن يدندن في أعماق نفسه، وهذا بالضبط ما يفعله الشعر"، هكذا وصف الشاعر الجنوب سوداني، بوي جون، أحوال الشعراء في بلاده الذين يتفاعلون مع حالة الصراع وواقع الأزمات التى تمر بها بلاده منذ زمن ليس بالقريب.

وفي ذكرى اليوم العالمي للشعر، لايزال شعراء جنوب السودان يعبرون عن انفعالاتهم بالظروف والأوضاع المحيطة بهم، بشتي أنواع وألوان التعبير الشعري، وبلغات مختلفة، بحسب ما يتوافر للشاعر من قدرات لغوية.

يقول الشاعر بوي جون، عن الكتابة الشعرية، في وقت الأزمات "في هذا الوقت الذي يواجه فيه الإنسان في هذا العالم بشتى أنواع العنف، كأنماً جنوناً قد أصاب كل شيء من الحجر إلى البشر أنفسهم، يتجدد السؤال الذي طالما طرحه أهل الأدب منذ زمن: هل نحن في زمن الشعر أم زمن الرواية؟ .. سؤال يعاد طرحه وبإلحاح أكبر، وفي رأيي أن هذه الأوضاع الحالية قد أعادت للشعر زمام المبادرة" على حد قوله.

وتعود فعالية الاحتفال باليوم العالمي للشعر، إلى تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1999، حين قررت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" في دورتها الثلاثين في العاصمة الفرنسية (باريس)، إعلان يوم 21 آذار/ مارس من كل عام يوما عالميا للشعر.

ووفقا لمقرر اليونسكو، فإن الهدف الرئيسي من ذلك هو دعم التنوع اللغوي من خلال التعبير الشعري، ولإتاحة الفرصة للغات المهددة بالاندثار بأن يُستمع لها في مجتمعاتها المحلية.

بدأ الجيل الأول من شعراء جنوب السودان في كتابة أشعارهم المهمومة بالقضايا السياسية، منذ سنوات "الكفاح المسلح" في سبعينيات القرن الماضي، مستخدمين اللغة الإنجليزية كوسيط للكتابة والتعبير باعتبارها اللغة التي تلقوا بها تعليمهم في تلك الفترة، لكن تلك التجربة توقفت عند أعمال الشعراء "السر أناي"، و"تعبان لوليونق"، و"فيكتور لوقالي"، و"أكول ميان أكول."كما ظهر جيل جديد من الشعراء في جنوب السودان، صاحب تجربة جديدة في الكتابة والتعبير الشعري، لاسيما أولئك الذين ولدوا ونالوا تعليمهم في دولة السودان باللغة العربية، وأتيحت لهم فرصة نشر أعمالهم الشعرية في الصحف والمجلات السودانية، كما تمت مناقشة تجاربهم الشعرية في العديد من المنابر والمنتديات الشعرية في السودان، ومن بين هؤلاء "قرنق توماس ضل"، و "بوي جون"، و "ريجويس استانسلاوس"، و "ألدو ديمو".

الشاعر "قرنق توماس ضل" عبر عن دوافع الكتابة لدى الشعراء في جنوب السودان في هذه الأيام، قائلا: "أي مأساة وألم واحباط يمكن أن يكون مصدرا للكتابة الإبداعية أكثر مما حدث مؤخرا، في جنوب السودان، بل يكاد من تداعي الاحباط والأسى أن تجف المآقي والاقلام"، حسب تعبيره.

ويضيف أنه "وضع مأساوي أن تتعارك النخب السياسية الفاشلة على كعكة حكم نيئة لم تنضج بعد، فتكون نتيجة ذلك الموت المجاني لأهلنا البسطاء الفقراء، إنه شعر يكتب بالدم، وضياع الآمال العريضة، وانسداد الآفاق لبلادنا الجميلة"، ويعلق على هذه الظروف التى يعيشها الوطن بقوله: "فيا وطني في مهب الفوضى لك العتبى حتى ترضي".

والآن، يواجه الشعراء في جنوب السودان العديد من المشاكل والتحديات، خاصة بعد استقلال دولتهم، فبرغم أنهم لم ينقطعوا عن كتابة نصوصهم، إلا أنهم يفتقرون للمنابر التي تجمعهم ويستطيعون تقديم أعمالهم إلي جمهور المتلقين والقراء من خلالها.فغياب المنبر والمركز الثقافي والمجلة المتخصصة جعل الكثيرين منهم يقومون بنشر أعمالهم علي مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الإلكترونية، فمن تمكن منهم من إصدار دواوين شعرية يبقى "قليل العدد" مقارنة بحجم ما ينتجونه من أعمال.

ومؤخرا، برزت محاولات جديدة قديمة وسط الشعراء الشباب في جنوب السودان، وخاصة في العاصمة جوبا، لكتابة الشعر بما يطلق عليه "عربي جوبا" الذي هو لغة هجين بين العربية واللغات المحلية بجنوب السودان، وهي محاولات وجدت الاهتمام من جمهور المعجبين، وقد برز اسم الشاعر "جبرائيل آرنست جبارة" في كتابة وإلقاء الشعر بعربي جوبا.

تري أجوك عوض الله، كاتبة من جنوب السودان، متخصصة في آداب اللغة العربية، أن ما اضطلعت عليه من تجارب شعرية للجيل المعاصر، تستحق الرعاية والاهتمام والتشجيع.

وزادت بقولها إن "تلك التجارب الشعرية عكست تجارب ناجحة وعميقة دون شك"، مضيفة: "أرى أن الشعراء الجنوبيين (الشباب) استطاعوا من خلال كتاباتهم تقديم الغزل الرائع، ومخاطبة كل وجدان مرهف".

أجوك ضد ما يروج له البعض بأن الإبداع الجنوب سوداني تأثر فقط فى طرحه بظروف الحرب والقهر، مؤكدة أن ما سطرته أقلام الشعر الجنوبية فى الوطن والعشق (الغزل) والرثاء ومختلف فنون الشعر كان خير برهان على ذلك.

وزادت التجارب الشعرية الحديثة فى البلاد بحاجة إلى رعاية لأن المواهب تُنَمى ولابد من التنظيم وخلق كيانات تعنى بهذا الجانب بغية تطويرها وطباعتها وحتى تخرج للناس فلا يزال الشاعر رغم زخم وسائل الاعلام يمثل لسان قومة.

وتمر الذكري اليوم العالمي للشعر، وشعراء جنوب السودان مشغولين بهمومهم الحياتية، وأزمات بلادهم السياسية التي شغلتهم عن البحث عن مكان للاحتفال، فهم يتوزعون بين مختلف مدن الجنوب،  وليس لديهم مكان للاحتفال.
التعليقات (1)
ادم ادم
الجمعة، 19-06-2015 11:03 م
اشعار
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل