مقالات مختارة

موسم الإطلالات المتناقصة على التاريخ

مالك التريكي
عربي21
من نعم الله أن قيض لي قضاء رمضان المبارك في بلد عربي. وهذه نعمة قد لا يقدرها حق قدرها إلا من ساقته الحياة إلى أن يقضي في الغربة معظم عمره. إذ يمكن لرمضان في بلاد الغرب أن يكون تجربة فردية، أو عائلية في أفضل الأحوال، ولكنه لا يمكن أن يكون تجربة اجتماعية؛ لأنه يظل خلوا من أجواء الدفء الديني والأنس الاحتفالي. ولا مجانبة للصواب في القول بأن رمضان لم يعد شهر الصيام فحسب، بل إنه تحول، منذ أن تحول المواطن العربي إلى كائن تلفزيوني، إلى شهر المسلسلات (ولا أدري إن كان لا يزال شهر الفوازير أيضا ومسابقات الربح المالي).

وقد ظل مستقرا في وعيي أن رمضان هو شهر المسلسلات الدينية، ولو أن الأدق تسميتها بالمسلسلات التاريخية أو مسلسلات التاريخ الديني. ولكني لاحظت هذا العام، وربما كان ذلك صحيحا في الأعوام الماضية أيضا، أن إنتاج المسلسلات التاريخية قد ضمر ضمورا بالغا في مقابل تضخم إنتاج المسلسلات الاجتماعية والبوليسية والفكاهية. ولكن نظرا إلى أني بقيت واهما بأن رمضان هو شهر المسلسلات التاريخية، ونظرا إلى أن الاهتمام بالتاريخ يغلب علي، فإني حاولت مشاهدة مسلسل الإمام الشافعي، ولكني سرعان ما عدلت.

أولا، بسبب ما يرد على ألسنة بعض الممثلين من أخطاء لغوية جارحة للأسماع. وثانيا لأن الممثل الذي اختير للدور بدا لي غير مقنع بالمرة. أعرف أنه مشهور وربما يكون نجما، ولكنه لم ينجح في أن ينتزع مني (وقد يكون ثمة مشاهدون آخرون في مثل حالتي) موقف «تعليق عدم التصديق» الذي لا بد منه للاندماج في أي عمل درامي. ولعل أحد أسباب ذلك أني رأيته قبل أسابيع يروّج إعلانا تجاريا لأحد المشروبات.

ونظرا لاهتمامي بالتاريخ، فقد اهتممت أيضا لما علمت أن البرمجة الرمضانية ستشمل عرض مسلسل عن معاوية بن أبي سفيان.

ولكن تبين أن شبكة إم بي سي التي أنتجت المسلسل قد امتنعت عن بثه، بعد أن أعرب بعض علماء الدين الشيعة، في العراق خصوصا، عن اعتراضهم. ويبدو أنها قررت بعد بحث الأمر أن من الأسلم أن تراعي الحساسيات المذهبية، التي ربما لم تكن منتبهة لها قبل بدء التصوير. ولكن هذا لا يمنع من السؤال: لماذا كان في الإمكان، في رمضان 2011، عرض مسلسل عن «الحسن والحسين»، بينما لا يمكن، في رمضان 2023، عرض مسلسل عن معاوية؟

ولا معنى، في رأيي، للاعتراض بأن المسلسل يمكن أن يثير الحساسيات المذهبية أو النعرات الطائفية.
أولا؛ لأن هذه الحساسيات والنعرات ليست وليدة زمن التلفزيونات والمسلسلات، بل هي متأصلة منذ القديم في أساس التصور عن الذات عند الجماعات ذات الوعي المذهبي أو الطائفي.

وثانيا؛ لأن مثل هذا الموقف يعني أنه سيبقى محكوما على الأغلبية الإسلامية (أي على مئات الملايين من المسلمين) بأن تمتنع عن تقديم روايتها، أي رؤيتها الذاتية للتاريخ. والطريف، أن هذا الموقف هو الذي ساد في بداية رمضان 2010 عندما بثت قناتا المنار وإن بي إن اللبنانيتان الحلقة الأولى من مسلسل عن سيرة السيد المسيح، فقد اضطرت القناتان بالطبع إلى وقف المسلسل «درءا للفتنة الطائفية».

ولكن، بصرف النظر عن القضية المبدئية المتعلقة بحق كل جماعة في تقديم رواياتها وتكريس سردياتها في أعمال أدائية وعروض فنية بمثلما يحصل عند جميع الأمم الحية، فإن الواقع يشهد بأن «الفتنة الكبرى» التي نشبت بين الإمام علي ومعاوية قد كانت زلزالا سياسيا ودينيا بعيد الأثر، لا يزال المسلمون يقاسون هزاته وارتداداته إلى اليوم. ذلك أن الفتنة الكبرى لم تكن أول حرب بين المسلمين فحسب، بل إنها لا تزال، على مستوى الوعي، هي الحرب الوحيدة: الحرب التي لا تريد أن تضع أوزارها.

لذلك؛ فهي معاصرة لكل عصر سواء في شكل معارك طاحنة أم حرب أهلية باردة. والحق أن بوادر الفتنة ظهرت منذ ظهور الغوغاء في أواخر حكم عثمان. والحق أيضا أن أهل السنة يجلّون الإمام عليّا كل الإجلال لعلوّ قدره عند النبي صلى الله عليه وسلم، وليقينهم أنه حاز جميع الفضائل علما وعدلا وورعا وبلاغة وفروسية، إلا أن بينهم من يبدو كما لو أنه غير مدرك أو مكترث بأن الإمام مظلوم، وبأن منشأ الفتنة إنما كان في دمشق، ولم يكن في المدينة أو الكوفة.

القدس العربي
التعليقات (0)