قضايا وآراء

القارة الأوروبية تواجه الحرب الروسية!

أحمد القديدي
1300x600
1300x600

طفت هذه الأيام ثلاث عواصم أوروبية أهمها باريس وجلست في النوادي والمقاهي والمطاعم وتجولت في الشوارع وزرت بعض زملائي في مراكز البحوث الاستراتيجية والجامعات، وتأكدت من حقيقة لم تغب عني يوما في الحقيقة بل ترسخت في ذهني أكثر، وهي أن أغلب الناس العاديين مواطني هذه القارة ينظرون إلى العالم وما يقع فيه من أحداث من خلال "نظارات" الإعلام الطاغي أو الشعبي، وهي من زجاج يغير المشاهد ويوفرون تعب التحليل والفهم لأنهم بكل بساطة يكررون ما يطبخ لعقولهم من سيناريو الصور والفيديوهات والتحاليل دون تحميل أنفسهم مهمة الفهم الشخصي لما يحدث (اليوم في أوكرانيا نموذجا).. وما سبق من حروب وبؤر توتر وعنف وصراعات أهلية أو إقليمية... بنفس ما أسميه شخصيا "استقالة العقل من التفكير والتفسير وتوقيع تكليف شعبي للإعلام ليفكر عوضهم ويقدم لهم ما يعتقدون أنه الحقيقة الخالصة ما دامت شاشات القنوات تقدمها أطباقا جاهزة للإستهلاك على عين المكان أو ديليفري للإستهلاك في البيوت". 

لا أخفيكم أن هذه الحرب الأوروبية الداخلية تستحق أعمق من تقسيم الخصمين المتحاربين إلى شقين (الأبيض المظلوم والمعتدى عليه والأسود الظالم المعتدي).. وعلى هذا الأساس، أي حسب هذه الرؤية، تصنف مواقف الدول الأوروبية. وقد كانت قمة السبعة والعشرين دولة أوروبية يومي الخميس والجمعة 10 و11 آذار (مارس) الجاري في قصر فرساي التاريخي برئاسة الرئيس الفرنسي ماكرون، وهو رئيس الإتحاد الأوروبي حاليا لمدة ستة أشهر، وطبعا اختلف قادة هذه الدول كنخبة مسؤولة حول طبيعة الردود المنتظرة على بوتين وهو مستمر فيما بدأه منذ ثلاثة أسابيع من قصف المدن والمواقع العسكرية في أغلب مدن أوكرانيا، ويعلم أن لديه كما لدى الأوروبيين (والأمريكيين) أوراقا للضغط على أعدائه منها تزويد شعوبها بالغاز والنفط ويعلم أن منع استيراد (الفودكا والكافيار) من روسيا لا يؤثر كثيرا في الإقتصاد الروسي.. 

ويدرك أيضا أن تحالفا روسيا مع الصين.. وربما مع دول ليست في صف الغرب مثل إيران يبقى هاجسا مخيفا للقارة الأوروبية.. ويعلم بوتين جيدا أن سعي الرئيس ماكرون منذ 2017 إلى تجميع كلمة الإتحاد الأوروبي حول إنشاء جيش أوروبي قوي لم يحظ بتأييد الإدارة الأمريكية (من ترامب إلى بايدن)، إلا أن الرئيس بايدن لم يتردد في اعتبار هذه الإرادة الفرنسية خطوة لإحداث شقوق في قلعة حلف الناتو وبالتالي "الخروج من الغطاء الأمريكي النووي التقليدي الذي يعتبر العباءة الواقية لأوروبا من أخطار محدقة بها (كالتي وقعت في أوكرانيا اليوم) أو التي يخططون لها بما يسمى العقيدة العسكرية والأمنية، وهي عقيدة الدول تحدد بها أولوياتها الدفاعية ومع تغير المخاطر تتغير العقيدة! 

الغريب أن إدارة الرئيس بايدن وفي فبراير 2020 حددت عقيدتها الدفاعية حسب أولويات مختلفة لم تقرأ حسابا للغزو الروسي لجمهورية أوكرانيا بل كان "العدو" الأول المحتمل هو الصين لأسباب عديدة منها إصرار بيجين على احتلال جزيرة تايوان (الصين الوطنية) وإعادتها لأحضان أمها! 

ولكن هل أوروبا متحدة الموقف إزاء الحرب وإزاء العقوبات؟ 

بالطبع لا، وظهرت خلافات حادة بين ألمانيا من جهة وبين بريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، لأن برلين لا يمكن أن توافق على حظر على الغاز والنفط الروسيين لكن قرار المستشار لا يحظى بإجماع في البلاد، حيث يرى البعض أن هذا الحل الجذري ضروري أخلاقيًا ويمكن إدارته اقتصاديًا. بعد قرار الولايات المتحدة وبريطانيا بوقف استيراد النفط الروسي ازدادت الضغوط على المستشار أولاف شولتس. وقامت مجموعة من نشطاء المناخ والأكاديميين والمؤلفين والعلماء الألمان بنشر رسالة مفتوحة في نفس الوقت تطالب بفرض حظر كامل على واردات الطاقة الروسية "لأننا حاليًا نمول جميعًا هذه الحرب". كما قال النائب المحافظ نوربرت روتغن: "علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لدعم الأوكرانيين في معركتهم ضد بوتين ومن أجل الحرية ويجب أن نوقف استيراد المحروقات الروسية. 

 

الغريب أن إدارة الرئيس بايدن وفي فبراير 2020 حددت عقيدتها الدفاعية حسب أولويات مختلفة لم تقرأ حسابا للغزو الروسي لجمهورية أوكرانيا بل كان "العدو" الأول المحتمل هو الصين لأسباب عديدة منها إصرار بيجين على احتلال جزيرة تايوان (الصين الوطنية) وإعادتها لأحضان أمها!

 



من أغرب ما قرأت في هذا الصدد توقعات استشرافية لثعلب الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر حول مصير أوكرانيا.. هذه التوقعات نشرت عام 2014 أي منذ 8 سنوات قال فيها كيسنجر: إذا تواصل عمى الغرب عن حقيقة أوكرانيا ستقوم حرب مدمرة لأن روسيا لن تقبل سوى بوضع أوكرانيا موضع جسر محايد بين روسيا أمها والغرب حاضنتها. 

وشرح كيسنجر سبب الحاجة إلى تحديد الأولويات من أجل ازدهار أوكرانيا، وكتب: "حتى المنشقون المشهورون مثل ألكسندر سولجينتسين وجوزيف برودسكي أصروا على أن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من التاريخ الروسي وفي الواقع قلب روسيا". 

وأضاف: "على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن تمدده البيروقراطي وخضوعه للعنصر الاستراتيجي للسياسة المحلية في التفاوض بشأن علاقة أوكرانيا بأوروبا قد ساهم في تحويل المفاوضات إلى أزمة بينما السياسة الخارجية هي فن تحديد الأولويات!".

هذا ما توقعه كيسنجر وما حدث بالفعل وأنا أتساءل: هل يقرأ قادة الإتحاد الأوروبي لكيسنجر وهو الخبير الداهية في شؤون العلاقات الدولية أم إن أغلبهم يتعاملون مع الحرب الراهنة من منطق حملته الانتخابية المحلية؟


التعليقات (2)
قنابل النفاق و صواريخ الكذب
الخميس، 17-03-2022 10:59 م
هذه الحرب أثبتت لأجيال العالم كله أن أوروبا و الغرب هما مصنع للنفاق و مقبرة الأخلاق
الكاتب المقدام
الخميس، 17-03-2022 09:29 م
*** يقول الكاتب لنا بأنه: "طفت هذه الأيام ثلاث عواصم أوروبية أهمها باريس وجلست في النوادي والمقاهي والمطاعم"، فيا بخته، بس مش كان يعزمنا معه!!، فقد طرنا فرحاُ بأن نعلم بأنه وهو في خريف عمره ما زال يتمتع بالصحة والعافية ليصول ويجول بين نوادي أوروبا ومطاعمها، وبأنه ما زال يعيش في بلهنية من العيش، كما كان يعيش من قبل، عندما ابتعثه رب نعمته المقبور "زين الدين بن علي" كسفير له، وبن علي هذا هو المستبد الفاسد المخلوع الذي نهب تونس هو وزوجته وأنسباءه، فثار عليه الشعب التونسي، فخرج هارباُ من تونس هو وعائلته ليلوذ بالمأوى الآمن في قصور صحراء جزيرة العرب، ليتمتع في ما بقي له من عمر بالأموال التي نهبها، ولمن يحسد القديدي هذا فهو لا يعرفه ولم يطلع على كفاحه، فقد نشأ من أسرة فلاحية فقيرة، وكان يعمل مدرساُ في المدارس الابتدائية، وصعد بذكاءه والمعيته لتكرمه أوروبا من أكبر جامعاتها السوربون، وليوظفوه بعدها في جامعات القارة الاستعمارية العجوز، ولكنه للأسف لم يرد الجميل للشعوب الأوروبية التي آوته، فيتهمهم جهارأ "باستقالة العقل من التفكير"، وذلك لأنهم لم يعترفوا مثله بعبقرية مجرم الحرب بوتين، ولم يؤيدوه ويصفقوا له، فلجهل الأوروبيين فهم لم يعترفوا بحق بوتين في قذف القنابل فوق رؤوس الأوكرانيين، وذلك لأنهم جهلوا ما عرفه القديدي من فضل بوتين الذي دعم المأفون بشار، في قصف شعبه السوري الإرهابي، وانقذ العالم من إرهابهم، وشرد أهلها إلى حيث يستحقون في المخيمات، كما تجشم عناء إرسال مرتزقته من مجرمي فاجنر إلى ليبيا ليساندوا مجرم الحرب الجنرال حفتر، أما القديدي فهو وحده الذي يفهم من أين تؤكل الكتف، فاستحق أن يرفل في طيب العيش في النوادي والمقاهي والمطاعم الأوروبية، فعش وتمختر كما شئت في أيامك هذه، فستلتقي برب نعمتك الجديد بوتين قريباُ في مزبلة التاريخ حيث يقبع أمثاله.