قضايا وآراء

"صندوق للتضامن الإسلامي والدولي".. البديل لمواجهة الجائحة

عصام يوسف
1300x600
1300x600

يكاد الدعم القطري لأبناء الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الصعبة يتمثل بصورة اليد الممتدة التي تأبى التراجع لإنقاذ من يتهدده الغرق، رغم أمواج عاتية تندفع عكس التيار، ضمن لوحة يمكن قراءتها من خلال اتساعها لمساحات إنسانية واسعة، قل نظيرها.

يفسر لغز قراءة اللوحة الإنسانية تلك الحلكة الشديدة التي تتسم بها المرحلة، فمساحات السواد باتت تكتسح البياض شيئا فشيئا، وتفرض نفسها، في امتداد سريع تقاومه الروح المسيّجة بالعدل والحق، وفسحة الأمل.

الحاجة للتصوير الشاعري ذاك ضرورية، فالعمل الإنساني الموجّه لفلسطين ولشعبها لم يعد يواجه فقط معيقات العدو التاريخي المتربص بأصحاب الحق منذ عقود، وبقنواته وأذرعه، وليس بأكثر من ذلك صكوك المنع والتعطيل من قوى عظمى تساند عدو الأرض والتاريخ، من خلال التماهي معه بمخططات "كونية"، تبدل الحق بالباطل، وتشيطن الضحية، وتخلع على الذئب صفات الحمل.

لتنضم إلى تفاصيل المشهد الذي يسحبنا بشكل إجباري باتجاه عناصر أخرى ترخي بظلالها المشؤومة على الفلسطينيين، بعدما أصبحت جائحة "كورونا"، سلاحا إضافيا يستخدمه الاحتلال لإضعاف وإنهاك أصحاب القضية العادلة، وصولا لاستنزافهم، واعتقاده بإمكانية هزيمتهم، سيما وأن الوباء نجح في ميادين أخرى، وفي عواصم ظنت بمناعتها واستعداداتها القادرة على مواجهة هذا الغازي الخفي.

أشكال استخدام العدو الصهيوني للجائحة كثيرة، تتنوع بين تشديد الحصار على غزة، ومنعها رغم الجائحة من التزود ولو بالنذر القليل من المستلزمات الطبية اللازمة للوقاية من الفيروس، أملا في تفشي الفايروس بين أهالي القطاع، لاستخدام ذلك كورقة ضغط على المقاومة بهدف إخضاعها، وبين تحفزه مستغلا الجائحة للانقضاض على أراضي الضفة وضمها، دون ضجيج يذكر، فالفلسطينيون كغيرهم من شعوب العالم يخشون الغازي الخفي، ويواجهونه بما تيسر من إجراءات الوقاية، وقد كان له آثاره المدمرة عليهم اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، وغيرها من الآثار.

دأبت دولة الاحتلال على استغلال ما يستجد من أحداث، كأوراق تستفيد منها لتحقيق المنافع القريبة والمتوسطة المدى، وربما البعيدة هذه المرة من خلال استغلال حالة الانشغال العربي والدولي بمداواة الجراح بسبب الجائحة وتداعياتها، لتنفيذ مشروعها التوسعي والإحلالي القائم على سرقة الأرض وتشريد الشعوب، والهيمنة على المنطقة ومقدراتها، في إطار إعادة صياغة شكل النظام العالمي الجديد بدعم من واشنطن، و"لوبيات" مؤيدة تنتشر في العديد من العواصم الدولية.

يوازي ذلك ارتفاع نبرة خطاب "التعاون الإقليمي المشترك" للقضاء على الجائحة باعتبارها عدو يواجه الجميع، بهدف الخروج بأقل الخسائر الاقتصادية، سيما وأن الجائحة باتت تهدد اقتصادات بالدمار والانهيار، اعتقادا منهم بأن الخلاص يكون بفتح قنوات التعاون مع دولة الاحتلال دون النظر لعواقب ذلك على الحقوق الفلسطينية، ومستقبل الأجيال العربية.

يسعى الصهاينة من خلال مشروعهم الطامع في الأرض والمقدرات العربية، لإيصال الفلسطينيين إلى أقصى درجات الضعف، بغية الوصول إلى تلاشي وجودهم، وانتهاء بتصفية قضيتهم، ويعمد في سبيل ذلك إلى قطع الطريق أمام كل من يقدم الدعم للفلسطينيين، ويمدهم بأسباب الصمود والبقاء، سواء أكان هذا الدعم سياسيا أم اقتصاديا أم إنسانيا، وغير ذلك.

دعم دولة قطر الإنساني، وغيره من دعم الأشقاء العرب والمسلمين، والأحرار في العالم، لأبناء الشعب الفلسطيني يأتي في سياق مد الفلسطينيين بأسباب الصمود على أرضهم، على الرغم من كونه عزف منفرد ضمن جوقة رفيعة الحس كان دعم الفلسطينيين ولا يزال يشكل أولوية عبرت عنها أصالة شعوب وحكومات الدول الداعمة.

وتأتي أهمية الدعم القطري، وغيرها من الدول الشقيقة للفلسطينيين، في هذا الوقت كعامل غوث للفئات الضعيفة والمحتاجة في المجتمع الفلسطيني، وقد جاء تسليم الدفعات المالية للمستفيدين من مشروع "مسكن كريم" لترميم منازل الفقراء، قبل أيام قليلة، كواحد من النماذج على نمط المشاريع التي تستهدف الشريحة الأشد حاجة للدعم، وفي إطار منحة تبلغ قيمتها مليون دولار، ويستفيد منها نحو 120 أسرة في القطاع.

وللمشاريع القطرية الدور الكبير في دعم أهالي القطاع، خاصة وأنها تسعى للوصول إلى الفئات الأكثر استحقاقا من أيتام، وأسر فقيرة، وعائلات شردتها آلة الحرب الصهيونية نتيجة الاعتداءات العسكرية المتكررة، ومرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة، وعاطلين عن العمل، وغيرها من الشرائح التي تصنف ضمن ذوي الحاجة الماسة، والأولوية في الدعم.

سبق هذا الدعم إعلان دولة قطر تخصيص 480 مليون دولار لدعم الضفة الغربية وقطاع غزة، القسط الأكبر منها مقدم كمساعدات معيشية وإنسانية، من بينها توفير الحلول لمشكلة انقطاع الكهرباء في غزة، فضلا عن توجيه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الشهر الماضي، بتقديم مساعدات عاجلة إلى فلسطين لمكافحة فيروس كورونا.

الدعم الإنساني القطري لفلسطين اتسم بالتواصل، وعدم الانقطاع خلال الأعوام الماضية، كما اتخذ أشكالا متنوعة، من أبرزها رصد مخصصات مالية لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطة الوقود في غزة، وتزويد المستشفيات بالوقود لضمان استمرارية عملها، وتوريد وتركيب معدات وأجهزة طبية، وإنشاء وتجهيز مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية.

يضاف إلى ذلك تمويل بناء وحدات سكنية، وترميم منازل لأهالي غزة تهدمت خلال العدوان الصهيوني على القطاع، وبناء عدد من المدارس في مدينة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبناء مركز للإصلاح والتأهيل، وتعبيد الطرق، وإنشاء بنية تحتية للأحياء السكنية، إلى جانب توزيع مساعدات مالية على أسر فقيرة.

وقد استهدفت المشاريع القطرية قطاعات حيوية كالصحة والإنشاءات والزراعة والصيد، إلى جانب دعم قطاعات كانت قد شارفت على الانهيار، وقد أسهم ذلك في توفير آلاف فرص العمل في بقعة من الأرض تبلغ فيها الكثافة البشرية المعدل الأعلى على مستوى العالم، بنسب بطالة وفقر سجلت مستويات غير مسبوقة عالميا.

وفي بيانات كان قد أكدها الطرفان القطري والفلسطيني، تشير إلى أن إجمالي الدعم المالي الذي قدمته قطر للاقتصاد الفلسطيني، يقترب من مليار دولار في الأعوام بين 2012 و2017، نفذت خلالها مؤسسات خيرية قطرية عشرات المشاريع الإنسانية، تركزت في إعادة الإعمار ودعم مشاريع لتشغيل العاطلين عن العمل، ويشار في هذا الصدد إلى أن مؤسسة كالهلال الأحمر القطري تصدر دعمها لفلسطين في عام 2013، الدعم الذي قدمته في دول العالم كافة.

تناوُل الدور الإنساني المتميز لدولة قطر، لا يعني إلغاء أدوار أخرى لدول شقيقة، فهنالك جهود متميزة من جانب الأشقاء في الكويت وتركيا، فضلا عن مساهمات مهمة من جانب الأشقاء في المملكة العربية السعودية والإمارات، وغيرها من الدول، ولربما كانت ظروف الجائحة من أبرز أسباب تراجع العديد من المشاريع الخيرية، سيما في شهر رمضان الفضيل الذي يتسابق فيه المسلمون لأعمال الخير والإحسان.

ودولة قطر كغيرها من بلدان المنطقة والعالم، تكافح الجائحة داخليا، في ظل أوضاع اقتصادية تشهد تراجعا حادا في سوق النفط، مما يزيد الأعباء عليها حين تعمل منفردة في مكافحة الوباء خارج حدودها، وإيفائها بالتزاماتها الإنسانية والأخلاقية تجاه أشقائها الذين لم تخذلهم يوما.

الظروف الموضوعية الحالية تفتح الباب على مصراعيه لطرح خطط وبرامج، من شأنها تقوية أواصر العلاقات الأخوية بين العرب والمسلمين وبني البشر كافة، وتعزيز سبل التعاون من أجل الوقوف في وجه تفشي الوباء، واتخاذ أفضل السبل لمنع انتشاره كالتوعية للوقاية منه، وتبادل المنتجات والمستلزمات الصحية اللازمة لمكافحته، ما يوفر على الدول اللجوء لطرق وأساليب تتجاوز القوانين الدولية في الحصول على المنتجات الصحية، كأعمال القرصنة التي جرت بين عدد من دول، وعبرت عن حجم الرعب والهستيريا التي تعيشها جراء الوباء.

من شأن تأسيس "صندوق للتضامن الإسلامي والدولي" يضم العشرات من الدول العربية والإسلامية، ولمن يرغب من دول العالم بالانضمام، تفعيل أعلى مستويات التنسيق بينها للتصدي للجائحة، عبر تبادل الخبرات، إضافة لتبادل الدعم المادي والعيني، وكذلك معالجة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الفقيرة.

الفائدة من وراء الصندوق ستتجاوز الجانب الإنساني والاجتماعي، وتعبر به إلى آفاق أخلاقية وسياسية، تتلخص في إيجاد بديل لآلية عمل القوى العظمى المهيمنة، بنهجها الرأسمالي "المتوحش"، الذي أثبت فشله في مواجهة أزمة الوباء، بعدما انعزلت دوله في مواجهة الجائحة، وأدارت كل دولة ظهرها لحلفائها المنضوين في الاتحادات والتحالفات الدولية، كالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال الذي ترك الفايروس "ينهش" في كل دولة على حدة، ما أدى لتسجيل معدلات مرتفعة من الإصابات والوفيات في دول كإيطاليا وإسبانيا، وغيرها.

النظرة الشمولية لتكاملية عمل الصندوق ستتيح حل أزمة المتضررين نتيجة أزمة كورونا، والمجتمعات الفقيرة، إلى جانب المجتمعات التي تعاني ويلات الحرب كاليمن وليبيا، ومجتمعات اللاجئين السوريين، إضافة للفلسطينيين الذين يتوزعون في عدة دول، كالأردن ولبنان وسوريا، إضافة للضفة الغربية وقطاع غزة، والذين يقدر عددهم بستة ملايين لاجئ يعيشون في مخيمات اللجوء في أوضاع معيشية صعبة.

يضاف إلى الجوانب الإيجابية للصندوق إمكانية المساهمة في سد العجز "المزمن" الذي تعانيه سنويا وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والذي يؤدي إلى تقليص خدماتها التعليمية والصحية، إلى جانب الإغاثية المقدمة لملايين اللاجئين، عقب قيام إدارة ترامب بوقف الدعم الأمريكي المخصص للوكالة، ضمن سلسلة قرارات اتخذتها لإنهاء قضية اللاجئين، تهيئة لـ"صفقة القرن" الرامية لتصفية القضية الفلسطينية.

اتخاذ قرار من قبيل تأسيس صندوق للتضامن الإسلامي والدولي من شأنه المساهمة في إيجاد حلول إنسانية تسهم في تمكين الإنسان الفلسطيني، ودعمه من أجل الصمود، وإمداده بعناصر القوة، وتقديم الدعم الإنساني الحقيقي لكافة مكونات الشعب الفلسطيني، سواء داخل الأراضي الفلسطينية، أو في مخيمات اللجوء، عبر آليات الدعم المختلفة، كخلق فرص العمل, وإحياء مشاريع "الوقف الديني" المتجدد، وتنفيذ مشاريع تنموية تحارب الفقر، وغيرها من الوسائل التي تحصّن الشعب الفلسطيني، وتمكنه من الحفاظ على هويته الفلسطينية العربية، وتغرس في داخله الأمل، والصبر إلى أن ينبلج فجر الحرية، إضافة لتحريره من شبح المؤامرات التي تستهدف وجوده، ومخططات الابتزاز الإنساني والسياسي التي يمارسها الاحتلال ومن يسيرون في ركبه لتحقيق هذه الغايات.

(رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة)

0
التعليقات (0)