الحوثيون

أموال الخليج ألقت باليمن في أحضان إيران!

لا نية خليجية جادة في تحرير اليمن من الهيمنة الفارسية الطارئة - الأناضول
لم تتوانَ الحركة الحوثية في بيع حلفائها، وقررت رفض تعيين صديقها الودود أحمد بن مبارك رئيساً للحكومة القادمة، ووصفت هادي بـ"الدمية"، وهو الذي مكنها من إسقاط عمران ونهب سلاح الجيش هناك، ثم تواطأ معها لإسقاط العاصمة؛ وقبل ذلك باع الحوثيون حلفاء آخرين، حين كشف ناطق الحركة محمد عبدالسلام عن تنسيقات عالية مع سفراء ووزراء ومسئولين كبار وضباط وأمنيين قبل إسقاط صنعاء.

حقيقة التقارب مع طهران
 
حقيقة التحالف بين هادي والحوثيين جاء وفقاً لاتفاق رعته عُمان بين الرئاسة اليمنية وإيران، حين التقى هادي بوزير الخارجية العماني على هامش القمة الاقتصادية العربية بالكويت، وبدأ الوزير يتحدث عن الدور الإقليمي الفاعل لإيران وإمكانية إسهامها في تحقيق الاستقرار في اليمن إذا ما حدث تقارب معها، وكان رد الرئيس هادي مستفزاً حين تحدث عن "دسائس" إيران ودورها في دعم الجماعات المسلحة، وزعزعة استقرار اليمن، ومع استطالة هادي في النقد، شد على معصمه شريكه في الأريكة بما معناها: "خفف من حدتك تجاه إيران" وهنا استدرك هادي وقال للوزير العماني: "لكن إذا وُجد أي تقارب مع إيران لن يكون إلا عبر السلطنة".

أعقب ذلك اللقاء إتصالات وزيارات سرية بين صنعاء ومسقط، وحين رضخ الرئيس هادي أوفد رئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي إلى طهران، وكانت خلاصة الزيارات الموافقة على تمكين الحوثيين من دخول صنعاء لتوجيه ضربات قاتلة إلى حزب الإصلاح الإخواني وحليفه اللواء علي محسن الأحمر، وجر الإصلاح إلى حرب أهلية تفقده مشروعه السياسي المدني، وربما يمهد ذلك لقرار أممي بإدراجه ضمن الجماعات الإرهابية.

 وفي حسابات هادي أن الجو السياسي سيصفو له، بعد القضاء على الإصلاح، وسيستفرد بالسلطة وإعطاء الحوثي بعض الوزارات مكافئة لدوره، غير أن الحوثي دخل صنعاء ولم يجد من يقاتله، فنهب المعسكرات وسحب السلاح الثقيل، وسيطر على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والمالية، حتى أصبحت سلطة القرار السيادي تحت رحمته.

ما بعد سقوط العاصمة

في غفلة من الوعي قرر الرئيس هادي رفع الدعم عن المشتقات النفطية؛ وأحسن الحوثيون استثمار غضب الشارع فهتفوا باسمه ضد القرار الجائر وقرروا إسقاط صنعاء.. ولاحقاً قال الإيراني ميرزا حسن المدير الإقليمي للبنك الدولي إن هادي رفع سعر الوقود أكثر من المتفق عليه، وكأن هادي خلق مبرراً لزحف الحوثيين تجاه العاصمة، وتمكينهم من إسقاطها وفرض واقع تقوده ميليشيا مسلحة عبر لجان شعبية، هي من يدير كافة شئون الحياة، بما فيها القوات المسلحة والبنك المركزي، وبهذا تحول هادي من رئيس شرعي إلى موظف إداري يحمل ختم الرئاسة، ويستخدم الطرف الآخر ختمه واسمه.

عشية السبت 27سبتمبر/أيلول الماضي كان هادي يرتب لكلمة سيلقيها اليوم التالي في حفل تخرج دفعات عسكرية وأمنية، وتفاجأ كبار قادة الدولة أن رئيس البرلمان يلقي كلمة رئيس الجمهورية بالإنابة، وبحسب معلومات متواترة تتبعتها فقد كان سبب غياب هادي خليطاً من النصائح المبطنة بالتهديد، حيث يفرض الحوثيون أفراداً مسلحون على مداخل مقر الحفل في معسكر القوات الخاصة وسط العاصمة، ما يعني أن حياة الرئيس ستكون في خطر لو تعرض لحصار في الداخل، وهي ذات النصائح التي منعته من الخروج لأداء صلاة العيد خارج أسوار دار الرئاسة في حي السبعين. 

وهادي ما بعد 21سبتمبر/ايلول ليس كما قبله، فهو الآن في نظر الحوثيين موظفاً تابعاً، وبلا شرعية، لسببين؛ الأول: أن فترة رئاسته انتهت في 21فبراير/شباط الماضي بموجب المبادرة الخليجية، والآخر: أن الحوثيين قادوا انقلاباً عسكرياً عليه أفقده كل شيء، وهو انقلاب أكد عليه رئيس جهاز الأمن القومي لصحيفة السياسة الكويتية، وقال إن توقيع إتفاقية السلم والشراكة بعد ساعة واحدة من إسقاط الحوثيين لكامل مؤسسات الدولة وفر غطاءاً شرعياً لانقلابهم. 

الإطاحة بالمبادرة الخليجية

مثلما أطاح الرئيس هادي بشرعيته، جنت دول الخليج على حضورها في اليمن، مرة بالدعم السياسي والمخابراتي والمالي للحوثيين، حلفاء إيران، طمعاً في استخدامهم مطرقة لضرب رأس الإصلاح، ومرة بمباركتهم لاتفاقية السلم والشراكة قبل قراءتها، فهذه اتفاقية تؤسس وتشرعن للمرحلة القادمة، صاغها باحتراف المبعوث الأممي جمال بنعمر وشطب من ديباجتها كل ما يشير إلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ما جعل ناطق الحوثيين يقول في اليوم التالي "إن المبادرة الخليجية ولت إلى غير رجعة" مفتتحاً بذلك عصراً جديداً لليمن ذات الولاء الإيراني، ورافضاً لكل الاتفاقيات المبرمة مع اللاعبين السياسيين الكبار في أبوظبي ومسقط، حيث كان أحد بنود الاتفاق أن تسلم الحركة كامل السلاح الثقيل لأفراد الحرس الجمهوري المشاركين معها في إسقاط صنعاء، تمهيداً لإعادة العميد أحمد علي عبدالله صالح إلى واجهة المشهد السياسي.

 غير أن استحواذ الحوثيين على كل شيء أثار حفيظة العواصم الخليجية، فقد أصبح أمن الخليج في خطر، وكأن الإستراتيجية السياسية لهذه الدول هي إطالة أمد حكم الأسر الحاكمة أطول مدة ممكنة، فقط.

ولا أعتقد أن لدى دول الخليج نية جادة في تحرير اليمن من الهيمنة الفارسية الطارئة، وقبلها تحرير أنفسهم من الإذعان للنصائح الأمريكية، ولو أراد قادة الخليج خلاص اليمن لأمكنهم ذلك، فالحوثيون الآن يقبضون على 20% من عتاد الجيش، ولا يزال الغطاء الجوي نقطة ضعفهم، وفي اعتقادي أن توجههم غرباً ليس من أجل السيطرة على ميناء الحديدة، بقدر ما كان ملاحقةً لـ16 طائرة حربية نقلها هادي إلى القاعدة الجوية في الحديدة.

وسيطرة الحوثيين على مفاصل الدولة لن يمكنهم من عمل شيء، فحركات العنف لا تحقق تنمية ولا تبني أوطان.. ولن يفعلوا أكثر مما فعلته طالبان في أفغانستان، وحركة الشباب المجاهدين في الصومال، تتشرب الدماء والعنف والثأر، وتحقق حالة من الآمن، ليس بفرض هيبة القانون، وإنما برهبة قوة السلاح... ثم تنتهي.

التشظي المنتظر

بعد رفض الحوثيين لحليفهم بن مبارك، وهو ليبرالي الفكر، وصارخ العداء تجاه الإخوان.. ورفع تقارير تنكيلية إلى سفارة واشنطن وبعثة الاتحاد الأوروبي بحق قيادات محسوبة على ثورة فبراير، ورحل سراً إلى صعدة للقاء الزعيم الحوثي، ولم يشفع له شيء، فالحوثي يعرف أن بن مبارك محسوب عليه وعلى هادي والسفارة الأمريكية، والمرحلة تقتضي من الحوثي أن يقول: آتوني برجل استخلصه لنفسي. 

ثمة حالة ترقب مخيفة ينتظرها اليمن خلال الأيام القادمة، تتصاعد مخاوفها مع تعدد زيارات وزير الدفاع لمعسكرات الجنوب، فالحراك الجنوبي واللجان الشعبية باتا أكثر تحفزاً بعد اقتحام صنعاء وسقوطها بيد ميليشيا، ويريدا الآن الانقضاض على المعسكرات وإعلان الانفصال من جانب واحد.. إذا ما صدقت تلك التوجهات فمعناها أن هادي ووزير دفاعه هما من رتبا لكل ما حدث، على أمل أن يحكما الجنوب المنفصل.. وذاك هو المستحيل، لأسباب أهمها تعدد الأقطاب الطامحة لحكم الجنوب، ووجود نزعة انفصالية متجذرة لدى الحضارم، وربما يشجع ذلك انفصال المهريين، المعتزين بثقافتهم ولغتهم الخاصة، ثم أن الجنوبيين لا يرون في هادي غير مكمن الشر، فهو شريك أساسي في مجزرة يناير 86م، وفر بعدها إلى نظام صنعاء، الذي أصبح شريكاً له في حرب 94م، وهي الحرب التي كالت الويلات على الجنوب، ومع ثورة التغيير 2011 انضم هادي سراً لقوى الثورة، وساهم في إسقاط رئيسه صالح، وبعد سنتين انضم إلى الثورة المضادة وأطاح بقيادة ثورة 2011، والآن يريد أن يفك الارتباط قسراً ويضع اليمن واليمنيين تحت وطأة سياسة الأمر الواقع، فالقوات اليمنية المسلحة موزعة: في الجنوب ويمكن أن يسيطر عليها الحراك واللجان الشعبية، والقوة التي في الشمال في قبضة الحوثيين الذين لا يهمهم بقاء الوحدة من عدمها.

مآلات الدولة اليمنية

من المتوقع أن تشهد الساحة اليمنية الملتهبة السيناريوهات التالية:

1- موافقة الرئاسة اليمنية والقوى السياسية على أن تكون سياسة رئيس الحكومة تابعة للحوثيين، حقناً للدماء، وإعادة السلاح إلى مخابئه.

2- قد يطيح الحوثيون بالرئيس هادي ويجبرونه على تسليم السلطة لمجلس عسكري أو مدني، ويتم الترتيب لانتخابات رئاسية يصعد فيها رئيس شكلي، ويظل عبدالملك الحوثي هو المرشد الأعلى للثورة.

3- لا يعول الحوثي كثيراً على الوزارات في حكومة ذات خزينة فارغة، وإنما سيسعى للسيطرة على أهم جهازين أمنيين ورقابيين (الأمن السياسي والأمن القومي، وهيئة مكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة) وهي أجهزة من يسيطر عليها يتمكن من إمتلاك المعلومة، وإذلال قيادات الدولة ونخبها بفسادها المالي أو الأخلاقي.