سياسة عربية

كيف أعادت غزة توحيد المنطقة العربية وخلقت جامعة إسلامية؟

قدّم في البداية صورة بانورامية عن التداعيات المباشرة للحرب على غزة- جيتي
نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، مقالا، للباحث في جامعة بريستول البريطانية والمختص بالإسلام العالمي ومؤلف كتاب "الخلفاء والأئمة: ظهور السنة والشيعة"، توبي ماثيسن، تحدث فيه "عن جبهة إسلامية عالمية قد تمثل التحدي الأكبر لأمريكا ونتيجة للحرب في غزة".

وقدّم في البداية صورة بانورامية عن التداعيات المباشرة للحرب على غزة، من اغتيال قادة في الحرس الثوري الإيراني بسوريا، وقتل قيادات لحزب الله وزعيم في حماس ببيروت، ومواجهات مستمرة على جبهة الجنوب اللبناني، إلى جانب عمليات الحوثيين في البحر الأحمر.

وقد نظر المراقبون إلى التطورات الناجمة عن حملة دولة الاحتلال الإسرائيلي العسكرية في غزة باعتبارها صورة عن توسع تأثير ما يطلق عليه "محور المقاومة"، لكن ما لم يلاحَظ هو غياب البعد الطائفي في التعاطف مع غزة، فقد اختفت الخطوط الطائفية التي عملت النزاعات بالمنطقة منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003. 

وأوضح المقال أن: "الحروب الشرسة في العراق وسوريا واليمن حملت مكونات سنية- شيعية، واستخدمت إيران والسعودية الولاء السني والشيعي في التنافس على المنطقة"، مردفا: "لكن الحرب في غزة تحدّت كل هذه النمطيات، فالفلسطينيون في غالبيتهم سنة".

وتابع الكاتب في مقاله: "نشأت حماس من عباءة الإخوان المسلمين المتجذرة في مصر والتي تعتبر أكبر حركة سنية في القرن العشرين، والسؤال عن السبب الذي وجدت فيه حماس أكبر حلفاء لها بين الشيعة في العراق ولبنان وإيران واليمن؟ والجواب كامن في طبيعة الصراع على فلسطين وتحريرها والذي يحتل جزءا مهما في تفكير وعواطف كل من السنة والشيعة حول العالم، ويعتبر أعمق من محور المقاومة".
 
وأضاف: "عندما تحدث نزاعات وحروب محلية في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، يتم استحضار محنة الفلسطينيين كنقطة حشد وتعبئة. وبالتأكيد أصبحت إيران وحلفاؤها في المنطقة أكبر داعم للمقاومة الفلسطينية المسلحة بعدما تخلت الدول العربية عن دورها التقليدي وطبعت العلاقات مع إسرائيل".

وأكد: "من هنا تراجع البعد الطائفي في السياق الفلسطيني، إلى جانب تطورات أخرى مثل التقارب السعودي- الإيراني في آذار/ مارس 2023 والمحادثات الجارية بين السعودية والأطراف المشاركة في الحرب اليمنية لتحقيق تسوية وكذا الديناميات الجديدة في كل من العراق ولبنان، جعلت من العامل الطائفي أقل أهمية". 

وأردف بأنه "بعد أربعة أشهر من دك إسرائيل لغزة، فقد استيقظ الحس بجبهة إسلامية عالمية أو جامعة إسلامية تجمع الرأي العام السني، وغالبيته من العرب المعارضين للتطبيع والجماعات الشيعية المسلحة التي تشكل جوهر "محور المقاومة" الذي تتزعمه إيران. وبالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فهذا تحد يذهب أبعد من مواجهة إيران وجماعاتها الوكيلة في العراق واليمن بغارات جوية". 

واسترسل: "ومن خلال سد الفجوة الطائفية في الشرق الأوسط، تهدد الحرب في غزة بتراجع التأثير الأمريكي وتعقد على المدى البعيد أي تدخل عسكري مستقبلي. وتمثل الوحدة الجديدة عقبات مهمة أمام جهود الولايات المتحدة لفرض سلام من القمة للقاع تستثني فيه الإسلاميين الفلسطينيين".

السنة والشيعة
ويشير الكاتب هنا إلى جذور الانقسام السني- الشيعي والذي دار حول الأحقية بمن يتولى الأمر بعد وفاة الرسول محمد، فالسنة يرون أن الخليفة يختاره المجتمع، أما الشيعة فيرون أن الإمام هو من نسل النبي. وأصبح الخلاف السني- الشيعي علامة الإسلام، حيث يعتنق غالبية المسلمين في العالم السنة أما الشيعة، يتركزون في إيران التي تبنت الإمامية في القرن السادس عشر على يد الصفويين وتجمعات مهمة في العراق، ودول الخليج واليمن وجنوب آسيا. 

وظل الفلسطينيون وعلى مدى قرون بعيدين عن تداعيات الخلاف السني- الشيعي، كرعايا للدولة العثمانية السنية والدول العربية السنية المسلمة المتعاقبة فلم يتعرضوا لهذا الانقسام.

وتابع: "بعد الحرب العالمية الأولى حاولت الدول الاستعمارية تشكيل المنطقة بناء على الهوية الإثنية والدينية والتي أصبحت جزءا من هوية الدولة القطرية. ففي لبنان وسوريا حول الفرنسيون الهوية الطائفية إلى أساس السياسة والقانون. وفي العراق وفلسطين وشرق الأردن، واصلت بريطانيا سياسات العثمانيين وتهميش شيعة العراق وتنصيب سلطات سنية، وذلك لخوفها من النزعة الاستقلالية لشيعة العراق وحنقهم على الحكم البريطاني". 

في السياق نفسه، أشار الكاتب إلى أنه "في فلسطين، ساهمت سياسات بريطانيا المتسامحة والداعمة لليهود وحكمها للفلسطينيين بطريقة مختلفة عن اليهود إلى تعزيز البعد الإثني الديني وتعميق الانقسام. وبالنتيجة، كانت الانقسامات الطائفية والدينية نتيجة للسياسات الاستعمارية وظهور الدولة الوطنية وليس نتاجا للنقاشات الدينية والطائفية".

وأبرز: "لكن السياسة وبناء الدول قد يدفع باتجاهات مختلفة، وأدت حرب 1948 وتهجير الفلسطينيين لنشوء علاقات وتحالفات جديدة، وتزامن تدفق الفلسطينيين إلى لبنان بعد 1948 و1967 مع صحوة سياسية جديدة لشيعة لبنان المهمشين. وعلى مدى العقود بنى الفلسطينيون علاقات مع شيعة لبنان وكذا مع بعض القيادات التي أسهمت بالثورة الإسلامية ضد حليف الغرب وإسرائيل في إيران، محمد رضا شاه بهلوي". 

وأضاف: "بعد الثورة في 1979 زار وفد من منظمة التحرير الفلسطينية قم حيث وصف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات انتصار الثورة "بالانتصار الكبير للمسلمين ويوم النصر لفلسطين". وبعد يومين سلم آية الله الخميني السفارة الإسرائيلية لمنظمة التحرير. وزار وفد من الإخوان المسلمين إيران للتهئنة بالثورة، ومن اللافت أن حركات الإسلام السياسي لم تتعامل مع الثورة الإسلامية الإيرانية من خلال المنظور السني- الشيعي". 

وأكد أنه "بخلاف موقف هذه الحركات، فقد نظرت الأنظمة العربية السنية للثورة الإسلامية كتهديد وخافت من تعزيزها للشيعة في بلدانها وتقوية الحركات الإسلامية وتهديد علاقاتها مع الغرب، ومن هنا قام العراق البعثي بشن حرب مع إيران ودعمته منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الأخرى، حيث توصلت إلى نتيجة أن علاقاتها مع العراق والدول الخليجية مقدمة على علاقاتها مع إيران". 

وأضاف: "أدى الغزو الأمريكي الضال للعراق في 2003 لتأجيج البعد الطائفي والحروب السنية – الشيعية، بل ومنح الجماعات الشيعية التي كانت في المنفى منذ الثورة الإسلامية العودة إلى العراق وتولي الحكم، وعزز الغزو من سلطة الميليشيات المسلحة التي تقاتلها اليوم إدارة بايدن. وزاد الغزو من تأثير القاعدة التي شنت حربا دموية في العراق وأدت لولادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا".

فرق تسد
وبعد عقدين من العنف السني- الشيعي وجهود تنظيم الدولة لإنشاء خلافة، اعتقد الكثيرون في الغرب أن الحركات الإسلامية السنية مثل حماس لم تعد تحظى بشعبية في الشرق الأوسط الكبير. مفترضين أنه في دول مثل مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، لم تعد جماعة الإخوان المسلمين مهمة في السياسة وأن قادة الخليج الجدد لم يعودوا مهتمين بالقضية الفلسطينية أكثر من اهتمامهم بالتطبيع مع إسرائيل واستيراد تكنولوجيا الرقابة وبناء علاقات تجارية معها. 

كذلك، جاء في المقال ذاته: "وافترض صناع السياسة الغربية أن المجتمعات الشيعية في إيران والعراق لن تحشد قواها دفاعا عن فلسطين. ودفعت هذه الافتراضات الخاطئة المسؤولين في واشنطن إلى إقناع دول عربية للتطبيع مع إسرائيل، حتى في ظل غياب للقضية الفلسطينية والفلسطينيين الذين يعيشون في ظل احتلال دائم أو لجوء. وفي الحقيقة كان الدعم للقضية الفلسطينية هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه السنة والشيعة".

وأوضح: "في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد بالقدس عام 1931 لإظهار التضامن الإسلامي ضد الصهيونية، اقترح المشاركون قيادة مرجعية شيعية عراقية الصلاة في الأقصى. وبعد 75 عاما حظي حزب الله بعد حربه مع إسرائيل عام 2006 بدعم من السنة والشيعة على حد سواء، ونفس الأمر يحصل اليوم مع حماس في غزة. كل هذا زاد من مخاوف الطغاة العرب الذين راقبوا بذهول كيف أصبحت الجماعات الشيعية من لبنان إلى العراق والبحر الأحمر قناة الدعم للمقاومة في غزة، وهي نفسها "محور المقاومة" التي تنسق برعاية إيرانية العمل في المنطقة".

وأشار "يجب علينا الملاحظة هنا أن متانة قوات المقاومة ليست مرتبطة أساسا بالتعبير الديني الأصولي أو الطائفي، بل هي نابعة من عدة عوامل، مثل مستويات الدعم المستدام والبنى التنظيمية المكرسة والمنضبطة والأيديولوجية المتماسكة والدعم الاجتماعي الذي تحصل عليه من مجتمعاتهم. ولكنها متجذرة أساسا في تداعيات التدخلات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وسياسات الأنظمة العربية الداعمة للغرب، وهي متعلقة أيضا بوحدة حماس التدريجية باعتبارها أقوى حركة إسلامية فلسطينية مع حلفاء إيران الشيعة". 

ويشير الكاتب هنا إلى أن "محور المقاومة ولد بعد هجمات 9/11 وكان تلاعبا على "محور الشر" الذي أطلقه جورج دبليو بوش حيث وضع العراق وإيران إلى جانب كوريا الشمالية في سلة واحدة. وبعد ذلك أضاف مساعد وزير الخارجية، جون بولتون، كوبا وليبيا وسوريا. وقد أثار التصنيف دهشة الإيرانيين الذين كانوا يعيدون ترتيب علاقاتهم مع واشنطن، بل وساعدوها في أفغانستان. وهو ما دفعهم مع سوريا لتعزيز علاقاتهم مع حركات المقاومة الفلسطينية وفي لبنان والعراق". 

ويقول الكاتب إن "العلاقة بين حماس وإيران أخذت وقتا طويلا لكي تتطور ومرت بمراحل من الخلاف والتوتر أثناء الحرب الأهلية في سوريا، ولم تتحسن إلا بنهاية العقد الثاني من القرن الحالي، عندما قررت القيادة السياسية في غزة وتحت زعامة يحيى السنوار، الابتعاد عن التأثيرات الإقليمية وطورت علاقاتها مع إيران. ومع ذلك ظلت حماس على هامش محور المقاومة نظرا لأن ما يجمع الميليشيات الشيعية هي عقيدة تحرر مرتبطة بالجمهورية الإسلامية ومرتبطة بالمرشد الأعلى في طهران، وهذا ليس موجودا في حالة حماس". 

ويطرح هذا سؤالا حول كيفية إدارة إيران محور المقاومة، ومن الأكيد أنه لا المرشد أو حزب الله أو القيادة السياسية لحماس أو أي طرف في المحور كان على معرفة بقرار حماس الهجوم على إسرائيل.
ولكن السؤال هو عن مدى استعداد عناصر محور المقاومة للانضمام دفاعا عن واحد من أعضائه. 
ورغم حديث قادة المحور عن "وحدة الساحات" والذي يفرض على جميع الأطراف المساعدة حالة تعرض طرف للهجوم، مع أن هذا لم يحدث في حالة حماس. بالتأكيد، حدثت نشاطات عسكرية هنا وهناك إلا أن إيران لم تتدخل وحصر حزب الله نشاطاته في مناطق والحوثيين في البحر الأحمر. 

ويرى مراقبون أن "وحدة الساحات" تعرضت لامتحان في غزة، حيث أظهرت الجماعات المؤيدة لإيران الدعم لحماس ولكنها حرصت على عدم التورط في حرب شاملة. ورغم النقد لإيران والجماعات المؤيدة لها في المنطقة وأنها تريد توسيع الحرب إلا أن الدعم لحماس وعقيدتها واسع وحتى داخل الدول التي أقامت علاقات مع إسرائيل. وفي السعودية أظهر استطلاع أن نسبة 90 في المئة من المشاركين يعارضون التطبيع. وبالمقابل زادت المواقف من الولايات المتحدة شدة، ففي استطلاع لمؤشر الرأي العام العربي في الدوحة وجد أن نسبة ثلثي المشاركين لديهم مواقف سلبية من أمريكا ومنذ بداية الحرب. 

ومن الصعب فهم الكيفية التي تشكلت فيها هذه الآراء إلا أن الدول العربية لم تكن قادرة على تقديم شيء لوقف الحرب في غزة، وبالمقابل عملت إيران والجماعات المتحالفة معها على تقديم أنفسهم بالداعمين لفلسطين وغزة، خذ مثلا، حرب الحوثيين في البحر الأحمر، التي حظيت بدعم في المنطقة. وفي المحصلة فقد استطاعت حرب غزة بناء وحدة في العالم الإسلامي أكثر من أي نزاع حدث في الماضي القريب.