كتاب عربي 21

تونس في حالة "ترقب"

1300x600
اقترب الرئيس سعيد بخطى ثابتة من نقطة اللا عودة في تنفيذ برنامجه السياسي الذي يعمل على تمريره مهما كانت النتائج. فخلال الأيام القليلة الماضية أصدر المرسوم عدد 30 الذي بموجبه عين أستاذ القانون الدستوري الصادق بلعيد رئيسا منسقا لـ"الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة" التي تم إحداثها بنفس المرسوم. وستقوم هذه الهيئة بإعداد مشروع دستور تقدمه إلى رئيس الدولة الذي سيقوم بمراجعته، قبل أن يعرضه على الاستفتاء يوم 25 تموز/ يوليو القادم. بذلك يعتقد الرئيس التونسي بأن المرحلة السابقة من تاريخ تونس قد طويت نهائيا، وأن تاريخا جديدا سيبدأ بعد ذلك سواء في تونس أو بالنسبة للإنسانية جمعاء.

أول ما يلاحظ في هذا السياق حالة الدهشة والضياع التي ارتسمت على وجوه عموم التونسيين؛ أحسوا وكأنهم يشاهدون شريطا لا يعنيهم، ولا يعكس واقعهم المؤلم والمعقد. فهم مشغولون بالنسق المتصاعد لنسبة التضخم التي لامست الثماني نقاط، وهي مرشحة لتتجاوز العشرة في المائة حسب توقعات محافظ البنك المركزي. فهذا الخطر الداهم هو الذي يخيف المواطنين الذين يرون بأم أعينهم انهيار قدرتهم الشرائية يوما بعد يوم، في حين تقف الحكومة والدولة عاجزة عن التحرك. وهم لا يرون أي رابط بين هذه الكارثة التي تتهدد وضعهم الاقتصادي وبين هذا المعركة الدستورية التي يخوضها الرئيس بمفرده، والتي يعتقد جازما بأنها "أم المعارك"، وأنه الجسر الذي سينقلهم إلى عالم أفضل.
هذا الخطر الداهم هو الذي يخيف المواطنين الذين يرون بأم أعينهم انهيار قدرتهم الشرائية يوما بعد يوم، في حين تقف الحكومة والدولة عاجزة عن التحرك. وهم لا يرون أي رابط بين هذه الكارثة التي تتهدد وضعهم الاقتصادي وبين هذا المعركة الدستورية التي يخوضها الرئيس بمفرده، والتي يعتقد جازما بأنها "أم المعارك"، وأنه الجسر الذي سينقلهم إلى عالم أفضل

لكن عشرات الجامعيين الذين يدرسون بنفس الجامعة التي كان يعمل بها الأستاذ قيس سعيد، أصدروا عريضة طالبوا فيها بـ"عدم الزج بالجامعة في المشاريع السياسية"، ودعوا الأساتذة والعمداء إلى "عدم الانخراط في اللجنة التي أعلن عنها رئيس الدولة".

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بأنصار الرئيس الذين وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فقد دافعوا عنه وعن "مشروعه" بشراسة إلى آخر لحظة، ليجدوا أنفسهم في نهاية الطريق خارج دائرة القرار. لم يعترف بدورهم، ولم يسمح لهم بأن يكونوا شركاء له في هذا "الإنجاز".

ففي آخر محاولة منهم، توجهت الأحزاب والجمعيات المساندة لمسار 25 تموز/ يوليو ببيان مشترك، وطالبت قيس سعيد بالتسريع في إطلاق الحوار الوطني، واعتبرت أن ذلك من شأنه "تجاوز كافة الضغوط الداخلية والخارجية" في وجه "الاستقواء بالخارج"، لكن رغم ذلك لم يتضمن المرسوم أي إشارة لهؤلاء الأنصار. لقد استبعد الرئيس جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الموالية له، لأنه لا يؤمن بشرعية دورها في ظل "الجمهورية الجديدة" التي ينوي بناءها، وهو ما جعل أحد كبار المتحمسين للرئيس يؤكد أن المرسوم الأخير "يقلص جبهة الأصدقاء ويدعم الجبهة الأخرى المناهضة للرئيس". هكذا سقطت جهودهم في الماء، ويعود السبب إلى كونهم لم يفهموا الرجل، وظنوا أنهم قادرون على التحكم في مواقفه والتأثير في مساره، فوجدوا أنفسهم على الهامش سياسيا وتاريخيا.
أنصار الرئيس الذين وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فقد دافعوا عنه وعن "مشروعه" بشراسة إلى آخر لحظة، ليجدوا أنفسهم في نهاية الطريق خارج دائرة القرار. لم يعترف بدورهم، ولم يسمح لهم بأن يكونوا شركاء له في هذا "الإنجاز"

بالنسبة للمعارضة، وضعها الرئيس سعيد أمام منعرج حاد وخطير. إذ رغم استخفافها بالهيئة الجديدة التي ستدير "الحوار" وستعد الدستور، إلا أنها تشعر حاليا بالمخاطر التي ستترتب عن المرحلة القادمة في حال تمرير قرار "الجمهورية الجديدة". لهذا يعتقد قادة المعارضة بضرورة إيقاف هذا المسار، ووضع جميع العراقيل أمامه حتى يفشل أو يتراجع الرئيس عن تنفيذه. لكن كيف؟

هناك من يدعو إلى مضاعفة التصعيد الميداني بعدم الاكتفاء بالوقفات الدورية بشارع الحبيب بورقيبة، والتخطيط للقيام بمسيرة ضخمة تتجه مباشرة نحو ساحة القصبة لمحاصرة الحكومة، أو قصر قرطاج للضغط على رئيس الدولة. فالمعارضة تعيش لحظات صعبة واستثنائية، لأن الزمن يلاحقها ويدفعها نحو استعمال جميع الأوراق المتاحة أمامها من أجل قطع الطريق أمام بقاء سعيد في السلطة، أو على الأقل إجباره على التراجع وتعديل خطته. فكل إجراء خاطئ تقوم به المعارضة ستكون له كلفة عالية.

لقد أغلق سعيد جميع الأبواب في وجه الجميع، لم يعد يستمع لأحد، يفكر لوحده، لا يستعين في ذلك إلا بعدد قليل من المقربين جدا، والله أعلم إن كان ينصت إليهم ويأخذ بملاحظاتهم أم لا.

هناك من أعاد توجيه النداء إلى الجيش، ومطالبة قياداته بإنقاذ الدولة من خلال إزاحة قيس سعيد، وإرجاعها إلى الشعب عبر تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها. لكن في ذلك مغامرة يصعب التكهن بنتائجها وتداعياتها، إذ في كل مرة يُطلب فيها من المؤسسة العسكرية استلام السلطة لحسم خلاف سياسي بين أطراف مدنية، يجد العسكريون أنفسهم في وضع حرج، غير أن كبار الجنرالات في تونس يرفضون حتى الآن التفكير في مثل هذا السيناريو، ويكتفون بالقول إن الجيش "في خدمة الشرعية"، رغم انشغالهم بالأوضاع الراهنة ويقينهم بأن البلاد تعاني من أزمة سياسية حادة، وأن هذه الأزمة تستفحل يوما بعد يوم، وأنهم مطالبون في الآخر بنوع من أنواع التدخل.
لا أحد يعرف بدقة ما الذي يجري في الكواليس وما الذي تفكر فيه الأطراف الخارجية، لكن المؤكد أن الحالة لم تعد "طبيعية"، وأن رغبة الرئيس سعيد في فرض أجندته ستخلف وراءها كسورا يصعب إصلاحها سياسيا، خاصة بعد أن تخفق آخر المحاولات لترقيع العلاقة بين قصر قرطاج وقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل

موقف المؤسسة العسكرية سليم ويدل على شعور بالمسؤولية، رغم انحيازها عمليا لصالح قيس سعيد في معركته ضد خصومه، وبالأخص حركة النهضة. كما أن توتر علاقات تونس بحلفائها الرئيسيين يزيد من حجم القلق الذي تشعر به هذه القيادات العسكرية.

الأيام والأسابيع القادمة ستكون صعبة وحاسمة وحبلى بالمفاجآت. الباخرة التونسية تترنح، والأوساط الدبلوماسية تتحرك بشكل لافت وأحيانا غير معهود. هناك مشاورات مكثفة بين الثنائي واشنطن- باريس فيما يتعلق بالملف التونسي، إلى جانب مواقف دولية منتظرة مثل الموقف الذي سيصدر عن لجنة البندقية، والذي من المتوقع أن يطعن في كل المسار الذي تبناه الرئيس سعيد منذ 25 تموز/ يوليو.

لا أحد يعرف بدقة ما الذي يجري في الكواليس وما الذي تفكر فيه الأطراف الخارجية، لكن المؤكد أن الحالة لم تعد "طبيعية"، وأن رغبة الرئيس سعيد في فرض أجندته ستخلف وراءها كسورا يصعب إصلاحها سياسيا، خاصة بعد أن تخفق آخر المحاولات لترقيع العلاقة بين قصر قرطاج وقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل.