صحافة دولية

NYT: هذه حرب بوتين.. ومواقف أمريكا والناتو ليست بريئة

بوتين ينظر إلى طموحات أوكرانيا على أنها إهانة شخصية ووطنية - جيتي

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا حول فرضية اندلاع نزاع كبير في أوكرانيا، مشيرة إلى أن بوتين هو أقوى زعيم روسي، دون رادع، منذ ستالين، مضيفة أن توقيت هذه الحرب هو نتاج طموحاته واستراتيجياته، لكن أمريكا ليست بريئة تماما من تأجيج نيرانه.

 

وأوضحت الصحيفة أن بوتين ينظر إلى طموحات أوكرانيا بالابتعاد عن مجال نفوذه على أنها خسارة استراتيجية وإهانة شخصية ووطنية.


كما تطرقت التايمز لخطاب الإثنين، حيث قال بوتين حرفيا إن أوكرانيا ليس لديها حق بالاستقلال، ولكنها بدلا من ذلك جزء لا يتجزأ من روسيا، فشعبها "مرتبط بنا بالدم والروابط الأسرية".


وأوردت نيويورك تايمز أن هجوم بوتين على حكومة أوكرانيا المنتخبة بحرية يبدو وكأنه معادل جيوسياسي لـ"جرائم الشرف".


وتابعت أن بوتين يريد أن يقول للأوكرانيين، الذين يريد معظمهم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من الناتو: "لقد وقعتم في حب الشخص الخطأ، لن تهربوا مع الناتو أو الاتحاد الأوروبي.. وإذا اضطررت إلى ضرب حكومتكم حتى الموت وسحبكم إلى الوطن، فسأفعل".


وذكرت الصحيفة الأمريكية أن هناك قصة خلفية ذات صلة، حيث إن ارتباط بوتين بأوكرانيا ليس مجرد نزعة قومية صوفية.


وقال كاتب المقال إن سببين يغذيان هذه الأزمة، ويتمثل السبب الأول في قرارات الولايات المتحدة غير المدروسة في التسعينيات لتوسيع الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

أما السبب الثاني والأكبر بكثير هو كيف استغل بوتين بسخرية توسع الناتو بالقرب من حدود روسيا لحشد الروس إلى جانبه لتغطية فشل قيادته الهائل.

 

اقرأ أيضا: تعرف إلى حروب خاضتها روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي


 ولقد فشل بوتين تماما في بناء نموذج اقتصادي في روسيا من شأنه أن يجذب جيرانها فعليا، ولا ينفرهم، ويلهم أكثر الأشخاص موهبة في تلك البلدان بالرغبة في البقاء، وليس الوقوف في طابور للحصول على تأشيرات سفر إلى الغرب.


وأكدت الصحيفة أن معظم الأمريكيين لم يول اهتماما كبيرا بتوسيع الناتو في أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين إلى دول في شرق ووسط أوروبا مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا، والتي كانت جميعها جزءا من الاتحاد السوفيتي السابق أو مجال نفوذها.


بينما لم يكن لغزا سبب رغبة هذه الدول في أن تكون جزءا من تحالف يلزم الولايات المتحدة بالدفاع عنهم في حالة هجوم من قبل روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي.


ويكمن اللغز في أن تختار الولايات المتحدة التي حلمت طوال الحرب الباردة بأن روسيا قد تشهد يوما ما ثورة ديمقراطية، وأن زعيما، مهما كان مترددا، سيحاول تحويل روسيا إلى دولة ديمقراطية والانضمام إلى الغرب، دفع الناتو سريعا في وجه روسيا عندما كانت ضعيفة.


وأوضحت التايمز أن الصوت الوحيد والأهم من إدارة كلينتون الذي طرح هذا السؤال لم يكن سوى وزير الدفاع بيل بيري الذي قال في عام 2016 في مؤتمر لصحيفة الغارديان: "في السنوات القليلة الماضية، يمكن توجيه معظم اللوم إلى الإجراءات التي اتخذها بوتين، لكن في السنوات الأولى يجب أن أقول إن الولايات المتحدة تستحق الكثير من اللوم.. كان أول عمل اتخذناه حقا في اتجاه سيئ هو عندما بدأ الناتو في التوسع، وجلب دولا من أوروبا الشرقية، بعضها على حدود روسيا".


وأضاف: "في ذلك الوقت، كنا نعمل عن كثب مع روسيا وبدأوا في التعود على فكرة أن الناتو يمكن أن يكون صديقا وليس عدوا... لكنهم كانوا غير مرتاحين جدا لوجود الناتو مباشرة على حدودهم وجعلوا يناشدوننا بقوة بألا نمضي قدما في ذلك".

وتابع: "في الثاني من أيار/ مايو 1998، مباشرة بعد أن صادق مجلس الشيوخ على توسع الناتو، اتصلت بجورج كينان، مهندس احتواء أمريكا الناجح للاتحاد السوفيتي.. بعد انضمامه إلى وزارة الخارجية عام 1926 والذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في موسكو عام 1952، يمكن القول إن كينان كان أعظم خبير أمريكي في شؤون روسيا".


وأردف: "على الرغم من أنه كان يبلغ من العمر 94 عاما في ذلك الوقت وكان صوته ضعيفا، إلا أنه كان حاد الذهن عندما طلبت رأيه في توسع الناتو."

كما نشرت الصحيفة الإجابة الكاملة لكينان، حيث قال: "أعتقد أنها بداية حرب باردة جديدة" مضيفا: "أعتقد أن الروس سوف يتصرفون تدريجيا بشكل عكسي وسيؤثر ذلك على سياساتهم.. وأعتقد أنه خطأ مأساوي".

وأضاف: "لم يكن هناك سبب لهذا على الإطلاق.. ولم يكن طرف يهدد أي طرف آخر، فهذا التوسع سيجعل الآباء المؤسسين لهذا البلد ينزعجون في قبورهم".

وتابع: "لقد وقعنا على الاتفاقية لحماية مجموعة كاملة من البلدان، على الرغم من أننا لا نملك الموارد ولا النية للقيام بذلك بأي طريقة جادة.. بينما كان توسع الناتو ببساطة إجراء أرعن من قبل مجلس الشيوخ الذي ليس لديه اهتمام حقيقي في الشؤون الخارجية" مضيفا أن "ما يزعجني هو مدى سطحية وخيبة نقاش مجلس الشيوخ برمته.. لقد أزعجني بشكل خاص الإشارات إلى روسيا كدولة تحرص جدا على مهاجمة أوروبا الغربية".

وأفاد: "ألا يفهم الناس؟ كانت خلافاتنا في الحرب الباردة مع النظام الشيوعي السوفيتي.. والآن ندير ظهورنا للأشخاص الذين قاموا بأكبر ثورة غير دموية في التاريخ لإزالة ذلك النظام السوفيتي".

وقال: "الديمقراطية في روسيا متقدمة بنفس المقدار، إن لم يكن أكثر، من أي من هذه البلدان التي أضفناها للتو للدفاع عنها من روسيا.. بالطبع سيكون هناك رد فعل سيئ من روسيا، وبعد ذلك سيقول موسعو الناتو إننا أخبرناكم دائما أن هذا هو حال الروس، لكن هذا بالتأكيد خطأ.. وهذا بالضبط ما حدث".

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن تطور روسيا بعد الحرب الباردة إلى نظام ليبرالي، كما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن أمرا مؤكدا.. وفي الواقع، نظرا لتجربة روسيا الضئيلة مع الديمقراطية، فقد كان ذلك بعيد المنال، لكن البعض اعتقد بعد ذلك أنها كانت فرصة طويلة تستحق المحاولة، لأنه حتى روسيا الأقل ديمقراطية، إذا تم تضمينها بدلا من استبعادها من نظام أمني أوروبي جديد، ربما كان لديها اهتمام أو حافز أقل بكثير في تهديدها الجيران".


بالطبع، لا شيء من هذا يبرر تفكيك بوتين لأوكرانيا، خلال ولايتي بوتين الأوليين كرئيس، من عام 2000 إلى عام 2008، كان يتذمر أحيانا بشأن توسع الناتو لكنه لم يفعل أكثر من ذلك، فيما كانت أسعار النفط مرتفعة في ذلك الوقت، كما كانت شعبية بوتين المحلية، لأنه كان يقود النمو المتصاعد للدخل الشخصي الروسي بعد عقد من إعادة الهيكلة المؤلمة والفقر في أعقاب انهيار الشيوعية.

ولكن على مدار العقد الماضي، مع ركود الاقتصاد الروسي، كان على بوتين إما أن يذهب إلى إصلاحات اقتصادية أعمق، والتي ربما كانت قد أضعفت سيطرته، أو مضاعفة حكمه الرأسمالي.

 

اقرأ أيضا:  تسلسل زمني لأحداث الصراع بإقليم دونباس الأوكراني

وأوضح الخبير الروسي في معهد أمريكان إنتربرايز ومؤلف كتاب "يلتسين: حياة ثورية"، ليون آرون، والذي يكتب الآن كتابا عن مستقبل روسيا بوتين، أن بوتين اختار الخيار الثاني.


كما قال آرون إنه من أجل تغطية هذا الخيار وصرف الانتباه عنه، حول بوتين أساس شعبيته من "كونه موزعا للثروة الجديدة لروسيا ومصلحا اقتصاديا إلى المدافع عن الوطن الأم".

وحين اختار بوتين لأسباب سياسية داخلية أن يصبح منتقما قوميا و"رئيسا في زمن الحرب"، كما قال آرون، فإن ما كان ينتظره لكي يتشبث به كان التهديد الأكثر إثارة للمشاعر لحشد الشعب الروسي وراءه.. وقد استغلها منذ ذلك الحين، على الرغم من أنه يعلم أن الناتو ليس لديه خطط للتوسع ليشمل أوكرانيا.

وعادة ما تتفاعل الدول والقادة مع الإذلال بإحدى طريقتين، إما العدوانية أو البحث عن الأسباب داخليا، فبعد أن عاشت الصين ما أسمته "قرن الإذلال" من الغرب، ردت في عهد دنغ شياو بينغ بالقول بشكل أساسي: "سنريكم. سنهزمكم في لعبتكم".

أما عندما شعر بوتين بالإهانة من الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوسع الناتو، أجاب: "سأريكم.. سأهزم أوكرانيا".

وخلصت صحيفة نيويورك تايمز إلى القول إن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، لكن: هذه حرب بوتين. إنه زعيم سيئ لروسيا وجيرانها، لكن أمريكا والناتو ليسا مجرد متفرجين أبرياء في تطوره.