قضايا وآراء

أوكرانيا وأزمة التاريخ والمكان

1300x600

("إن لينين هو من أنشأ أوكرانيا"- فلاديمير بوتين)

ما فتئ فلاديمير بوتين يذكر في كل مرة الروابط التاريخية مع أوكرانيا، فالرجل يعتقد أنّ أوكرانيا لم تكن في الأصل بلدا، وها هو يقول لبوش في 2008: "عليك أن تعلم يا جورج، أوكرانيا ليست بلدا في الأصل. جزء منها في أوروبا الغربية والجزء الأكبر منها موهوب منا". ومع السياسة التوسّعية للناتو نحو أوكرانيا، التي لم تكن وليدة الآونة الأخيرة إثر التوتّرات، يتجه الخطاب البوتيني إلى منحى أكثر حدّة، حيث يعني توسّع الناتو نحو أوكرانيا أن روسيا في خطر، الأمر الذي لن يسمح به بوتين.

وإذا أردنا أن نتكلم عما يجمع البلدين غير الناتو، سنتجه إلى القرن الحادي عشر، حيث أنشأ حينها الأمير ياروسلاف الحكيم اتحاد "روس-كييف" الذي شكّل لبنة جامعة للبلاد السلافية الثلاثة (روسيا- أوكرانيا- بيلاروسيا)، وإبّان الثورة البلشفية وإنشاء الاتحاد السوفييتي، طرح تروتسكي ضم بعض الأراضي من جمهورية روسيا إلى جمهورية أوكرانيا حيث كانت الأخيرة من مؤسسي الاتحاد، ومن بعدها في 1954 ضم خروتشوف شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا لأسباب إدارية.

وبالتوازي مع العوامل التاريخية، يشكّل العامل اللغوي أمراً مهماً لا يمكن التغاضي عنه في الأزمة الروسية- الأوكرانية، حيث إن الأراضي الشرقية الجنوبية لأوكرانيا الحالية كانت تابعة للإمبراطورية الروسية سابقاً، وبالتالي فإن هذه البلاد ناطقة بالروسية، وهذه المشكلة الإثنو- لغوية تجعل من الأمر أكثر تعقيداً.



(الخريطة الإثنو-لغوية لأوكرانيا)


يعمل الرئيس فلاديمير بوتين على هذه النقاط التاريخية، حيث كتب مقاله الذي نشر في 12 تموز/ يوليو 2021 عن العلاقات التاريخية بين أوكرانيا وروسيا، ويبدو أن الرجل يرغب في إعادة الأمجاد الروسية والسيطرة على بلاد ما بعد الاتحاد السوفييتي(1)، حيث بدأ المقال بالتشديد على الشراكة التاريخية بين البلدين وأنهما يحملان الفضاء التاريخي والروحي ذاته، وأن التفريق بينهما والقطيعة إنما هي مأساة ومحنة، ومن ثمّ أتبع هذا مذكّرا بكلام أوليغ عن كييف، حيث قال: "لتكن أم جميع المدن الروسيّة".

ويذكر بوتين التشارك الديني- اللغوي، إذ يشدد على أن اللغة المشتركة في الأراضي الروسية الغربية والشرقية كانت الروسية القديمة، كما أن الأرثوذكسية كانت الديانة المهيمنة، حيث أن حكومة الكنيسة الموحدة ظلّت قائمة حتى منتصف القرن الخامس عشر.

يصل بوتين إلى الاتحاد السوفييتي فيقول إن مؤلفي دستور الاتحاد زرعوا أخطر قنبلة موقوتة، وذلك إثر الرجوع إلى خطة لينين في إنشاء اتحاد الجمهوريات المتساوية، ونص الدستور على حق الجمهوريات في الانفصال بحرية عن الاتحاد في عام 1924. وليست المرة الأولى التي يدين فيها لينين بزرع قنبلة موقوتة، ففي 2016 اجتمع فلاديمير بوتين بعمداء الجامعات والمعاهد العلمية في مجلس العلوم والتعليم الروسي، حيث قال بوتين إن أفكار لينين قد أفضت إلى تدمير الاتحاد السوفييتي، وكانت لديه أفكار كثيرة مثل حق تقرير المصير التي وضعت قنبلة نووية تحت البناء، الذي اسمه روسيا، والتي انفجرت فيما بعد. وقال مضيفا على هذا إنه لم تكن هناك حاجة لثورة عالمية، كما قال فيما بعد إنه يؤيّد ستالين في هذه النقطة في مقابل لينين، ممّا سبب موجة غضب واسعة من جانب الشيوعيين الروس، الأمر الذي جعل بوتين يصدر بيانا يوضح فيه أن ما قاله يمثل رأيه الشخصي.

ويعلّق ألكساندر دوغين في كتابه "الخلاص من الغرب" حول سبل نجاح تشكيل الاتحاد الأوراسي قائلا: "يمثل المثلث الجيوسياسي بين موسكو وأستانا وكييف إطاراً سيكون قادرا على ضمان استقرار الاتحاد الأوراسي، ولهذا السبب أصبحت المفاوضات مع كييف عاجلة أكثر من أي وقت مضى. تشترك روسيا وأوكرانيا كثيراً في أوجه التشابه الثقافي واللغوي والديني والعرقي. يجب تسليط الضوء على هذه الجوانب لأن الخوف من روسيا والانفصال عن روسيا قد تم الترويج له في أوكرانيا منذ بداية سيادتها الأخيرة".

ويقول أيضاً أندري أوكارا عن مطامح بوتين: "وبقدر ما يمكن للمرء أن يقيم الوضع من خلال تصريحات الرئيس الروسي وأقواله وأفعاله، فإنه يعتزم "تصحيح" هذه "الأخطاء" و"المظالم" التاريخية في أقرب وقت ممكن؛ من خلال استعادة نظام الأمن الدولي الثنائي القطب (أو الثلاثي الأقطاب: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) وترسيخه عبر اتفاقية "يالطا 2"، وإحياء سياسة "الخطوط الحمراء" و"مناطق النفوذ"، وتصفية حلف الناتو أو تجميده، و"إعادة توحيد الشعب الروسي" (الذي يعد الأوكران والبيلاروس جزءاً منه أيضاً)، وتصحيح "أخطاء التاريخ" المسماة "أوكرانيا" و"بيلاروسيا"، وإقامة مساحة جيوسياسية وجغرافية واقتصادية واحدة على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق (إن أمكن، دولة واحدة)، بالاضافة إلى تدعيم "الجزء الخاص بنا" من الإنسانية على أساس القيم المعادية للغرب، وأفكار الحرية الزائفة، والتشكيك في أوروبا، وانتقاد الديمقراطية، والدعوة إلى الاستبداد المطلق"(3).

الناتو ومعضلة المكان

من المعلوم أن الناتو ظهر إبّان الحرب الباردة بحجة الدفاع عن الأراضي الأوروبية، لكن توسّعه بدأ يأخذ شكلا جديدا فيما بعد الحرب، وبالتحديد سنة 1994، حيث عبّر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي "رونالد آسموس" عن هذا العام بأنه العام الفاصل في قرار توسّع الناتو، حيث أُطلقت في هذا العام مبادرة الشراكة من أجل السلام في بروكسل، انضمت إليها 30 دولة، كما وقعت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا اتفاقية تجعل من أوكرانيا دولة غير نووية، بعدما كانت تملك ثلث ترسانة الأسلحة النووية السوفييتية(1).

توضّح المحللة السياسية ماري إليز ساروت، في مقال لها، كيف تمّ رسم هذا التوسّع منذ فترة حكم بوش الأب عقب سقوط جدار برلين، فتقول إنه تمّ حينها، من الفاعلين الأوروبيين ومنهم المنشقون السابقون من أوروبا الشرقية وبعض الزعماء الغربيين، اقتراح بدائل جديدة لبلدانهم، منها اقتراح حركة السلام الذي كان مزعجا لواشنطن، حيث دعوا فيه إلى أن تصبح أوروبا الوسطى والشرقية منطقة منزوعة السلاح، ومنطقة عازلة محايدة بين الشرق والغرب، حيث تحرّك بوش الأب بسرعة وحزم لضمان أن الناتو، ومن ثم قيادة الولايات المتحدة في أوروبا، لن ينجو فقط من نهاية الحرب الباردة، بل سيشكل أيضا مستقبل أوروبا والعالم ما بعد الحرب الباردة(2).

ولا شكّ أن بوابة الناتو نحو روسيا هي أوكرانيا وبالتالي يشكّل موقع أوكرانيا مكانا استراتيجيا وحساسا، فالولايات المتحدة الأمريكية مصرّة على سياسة الباب المفتوح كما تصرّ روسيا على السيطرة على محيطها الأوراسي ودفع الناتو بعيدا، وهذا يظهر في التدخل الأخير في كازاخستان الذي جاء كرسالة مفتوحة إلى الطرف الآخر وهي: أن محيط روسيا هو في كنفها. بينما تفضل أوروبا الحل السلمي وذلك لأنه يحقق مصالحها، حيث تسعى بعض الدول الأوروبية إلى الدبلوماسية، من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للكرملين الذي كان التعامل معه حادا، إلى المباحثات الأخيرة التي أجراها المستشار الألماني أولاف شولتز، والتي تلاها سحب روسيا وحدات المناطق العسكرية الجنوبية والغربية من حدودها مع أوكرانيا. ومع هذه التغيّرات على الحدود، ينبّه الأمين العام للناتو "ينس ستولتنبرغ" إلى أن هذه التطورات تبعث على التفاؤل الحذر، وأن الحلف يعزم على تعزيز جناحه الشرقي.

أخيراً، ومع الاشتباكات بالنيابة بين القوات الانفصالية المدعومة روسياً والجيش الأوكراني التي حصلت في الأيام الأخيرة، يبدو أن الأمر سيتجه إلى المزيد من التوتّرات التي من الممكن أن تؤدي إلى حرب، التي إن دخلتها روسيا سيتم إرهاقها، وهو ما تحاول روسيا تجنّبه. ولهذا يقول البعض إن الأزمة سوف تمتد إلى سوريا، وبالتالي المواجهة مع الولايات المتحدة مباشرة.
__________
(1) الخلاص من الغرب، ألكساندر دوغين، ترجمة وتقديم: علي بدر، دار ألكا للنشر، الطبعة الأولى، 2021، ص 106.

 

(2) كيفية توسيع الناتو، النقاشات الداخلية لإدارة كلينتون في الفترة من 1993 إلى 1995، ماري ساروت، ترجمة مركز الدراسات العربية الأوراسية ص 6-7.