أفكَار

رأي في العلاقة بين إضراب الجوع وإضراب الوعي في تونس

مقر المضربين عن الطعام في تونس رفضا للانقلاب تحول إلى قبلة للسياسيين والنشطاء والمفكرين- (فيسبوك)

لعلي تأخرت كثيرا قبل الإقدام على زيادة الأبطال الذين تصدوا للانقلاب دون تردد من اليوم الذي أعلن عن شروع الدمية في بدايته التي ظنها مضمونة بما أعد له من اليوم الأول من بلوغه إلى سدة الرئاسة.
 
لم يكن تأخري علته موقفي منهم كما توهم الكثير ممن أوله بما لاحظته حول استراتيجية إضراب الجوع التي لا تنفع عندما يكون الخصم متخلفا لا يولي أدنى أهمية للإنسان وحياته لأنه يعتبره كما يصفه بالجرثومة والفاسد الخ... من الأوصاف التي تتردد في تشدق الدمية. 

فإضراب الجوع يفترض أن المضرب يثق في أخلاق من يحتج ضده بإضرابه: 

فلا دلالة له عندما يكون الخصم متخلفا وجلفا ليس للإنسان من حيث هو إنسان قيمة في رؤيته لأنه بلغة ابن خلدون ممن فسدت فيهم معاني الإنسانية.

لم أخف هذا الموقف، ولم أعبر عنه إزاءهم فحسب، بل قبلهم وجهت نداء إلى رئيس حزب الائتلاف وأعتقد أني اقنعته بأن إضرابه هو ما يتمناه الخصم وهو ضد استراتيجية المقاومة التي قد تطول ولا يفيد فيها من يعرض نفسه لفقدان شرط المطاولة التي قد تنهي حياته وتضعفه فلا يكون قادرا عليها.

لذلك فالسؤال هو: ما الذي تغير؟ 

تغير أني عزمت بألا أكتفي بهذا التحليل عن بعد بل قررت أن اخاطبهم مباشرة بضرورة تغيير الاستراتيجية بالمحاظفة على قواهم التي تمكنهم من الفاعلية طويلة النفس: فإضراب الجوع يجعلهم كل يوم أضعف من اليوم السابق ويحول دونهم والعمل الفعلي على النشاط الحاسم لإسقاط الانقلاب. فأقصى ما يمكن أن يوصل إليه إضراب الجوع هو بيان ما لا حاجة لبيانه أي جلفية المنقلب وتوحش مشروعه وفساد أخلاقه وكلها مما لا ريب فيه. وهي أمور لا تعنيه ولا تخيفه ما دامت لا توقف عنجهيته.

لم أزرهم تأييدا للإضراب بل لطرح الأسئلة التي يكون الجواب عنها ممكنا من جعله مثمرا من خلال تغيير طبيعة المخاطبين به. فهو ليس خطابا يتوجه لضمير الدمية وزبانيته. فهم أجلاف لا ضمير لهم ولا أخلاق. فمن حنث بقسمه وانقلب على دستور مهمته حمايته لا يمكن أن يكون ذا ضمير أو أخلاق فيهتم بموت المضربين بل هو يتمناه.

وهو ليس خطابا للرأي العام الحقوقي الدولي لأن هذا المستوى من العلاج يعني الدفع بالمقاومة إلى جبانة الحقوقيات ما يجعل القضية وكأنها تسول التعاطف وليست سعيا أهله القادرين على تغيير الواقع بشروط التغيير المناسبة لطبيعة المشكل.

وإذن فالاسئلة الجوهرية هي الأسئلة الخمسة التالية وسأكتفي بتحليل دلالة: أعسرها تحديدا للجواب مثل الأول، وأيسرها تحديدا للجواب مثل الثاني، تاركا الثلاثة الأخيرة  طي الكتمان لأنها تحدد المعايير التي اقترحتها عليهم حلا يجعل الإضراب ذا فاعلية توقف كل صواريخ الدمية بجعلها بين بين لا تؤثر إلا في ذهنه المريض وغباء توابعه وطمع الزكارين والطبالين والحاقدين على ثورة تونس من العملاء في الداخل ومستعملهيم في الخارج.

1 ـ من المخاطب بإضراب الجوع بوصفه نداء لإضراب الوعي؟ 
2 ـ كيف نحدد أصحاب إضراب الوعي في الجماعة؟ 
3 ـ وكيف نقيم مدى استجابته؟
4 ـ كيف نحدد مستوى الاستجابة التي تكفي لأيقاف الاضراب والذهاب إلى تحقيق ما توصل إليه بفضل الاستجابة؟
5 ـ أخيرا ما شروط المطاولة لإسقاط الانقلاب؟

المسألة الأولى.. علاقة إضراب الجوع بإضراب الوعي

سأكتفي بالسؤال الأول لأنه هو الأهم ولأن الكلام في الباقي جزء مما لا يحق لي الكلام فيه قبل المضربين أنفسهم لأن الأمر يتعلق بقرارهم الذي لا يمكن أن يتجاوز دوري فيه محاولة الإقناع. 

ما كلمتهم فيه مقترح وهو رأي لا يفرض تطبيقه بل أعتقد أن فهم هذه العلاقة يكفي فيه فهم الدور الذي أداه فعل البوعزيزي محركا أولا لثورة الحرية والكرامة. 

إضراب الجوع في الغاية عندما لا تحصل الاستجابة للشجعان الذين أقدموا عليه هو في الغاية عين الفعل: فالمضرب مقدم على الموت مثله لأنه ما أن يشرع في الإضراب يصبح أمام شرط إيقافه أي الاستجابة لمطلبه أو الذهاب إلى الغاية بسبب كرامة الشجاع فيصبح انتحارا.

ولما كنت واثقا من أن الخصم جلف وعديم الأخلاق فإن النهاية هي إذن إما الذهاب إلى الغاية فيكون الانتحار أو التوقف دون الاستجابة فتكون الهزيمة والخسران. ولما كنت لا أريد لا تلك ولا هذه فإن المشكل هو البحث في علة إضراب الوعي في الجماعة لأن المخاطبين بالإضراب هم هؤلاء المترددين في التصدي للإنقلاب ناهيك عن مؤيديه. 

السؤال الأول هو إذن: هل حققت مخطابة المضربين عن الأكل الغاية من مخاطبة المضربين عن الوعي؟
 
فالعلاقة بين النوعين من الإضراب هو أن الأولين يقولون للثانين إن الإنسان الذي يضرب عن الوعي يجعل الإنسان ينحط إلى منزلة الحيوان يأكل كما تأكل الأنعام ليبقى حيا دون أن تكون للحياة معنى كرامة الإنسان وحريته. 

أبطال إضراب الجوع يقصدون بإضرابهم رفض الأكل أكل الأنعام أي عيش العبد الذليل.

فهل فهم خطابهم؟ 

ذلك ما أردت سماعه منهم. وقد أعلموني بأن بعض الشخصيات زاروهم وعبروا عن التضامن معهم. 

سؤالي حينها: ما وزن هذه الشخصيات في المعركة التي ينبغي أن تكون بدايتها حجة كافية لقطع الإضراب عن الأكل بالشروع في تجاوز الإضراب عن الوعي؟ هل هذه الشخصيات لها القدرة على تحقيق ذلك أم هي نفسها وبصرف النظر عن الوضعية التي آلت إليها تونس بسبب إضرابها عن الوعي بشروط مناعة الوطن وسلامة المسار الذي يحقق الحرية والكرامة للمواطن؟ أم هم جنرالات مكسيكيين لا أثر لهم على القاعدة الشعبية وهم يستمدون وجود فتاتهم ومعارضاتهم لكل جهد يؤسس لدولة ذات مشروع يحقق شروط الانتقال الديموقراطي من نفس السردية التي يستند إليها الدمية لترذيل السياسية والسياسيين؟

 

إضراب الجوع في الغاية عندما لا تحصل الاستجابة للشجعان الذين أقدموا عليه هو في الغاية عين الفعل: فالمضرب مقدم على الموت مثله لأنه ما أن يشرع في الإضراب يصبح أمام شرط إيقافه أي الاستجابة لمطلبه أو الذهاب إلى الغاية بسبب كرامة الشجاع فيصبح انتحارا.

 



في الغالب يتصور الكثير أن المشكل هو التنافي بينهم وبين الإسلاميين. وهذه حقيقة لا أنكرها. لكنها هي العامل الوحيد الذي يشتركون فيه وهو أمر سلبي لا يؤسس لفعل إيجابي: فما هم عليه من تفتت يجعل أحزابهم مجرد عناوين ليس وراءها قاعدة، إذ لا يتجاوز حضورهم حضور الزعامات فيها حتى بالنظام الحالي من الانتخاب الصفر، ذلك هو المشكل الأعمق والأهم وليس خلافهم مع الإسلاميين. فلو كانوا حقا قادرين على التخلص من الفتات وصاروا قوة لكان ذلك كافيا لأن تتعافى الدولة حتى لو نجحوا فهزموا الإسلاميين انتخابيا.

وما ظل الأمر كذلك فهم إذن بالجوهر حلفاء الدمية ولا أصدق أنهم سيكونون قادرين على مخالفته في البحث عن ترذيل السياسة والسياسيين بسلوكهم في ما بينهم قبل الكلام عن موقفهم من الإسلاميين. فحزب المرزوقي وحزب السبسي وحزب الشابي وحزب ابن جعفر كل هذه الأحزاب صارت فتاتا بتسميات جديدة لكنها كلها جيش من الجنرالات المكسيكيين.

وحتى المنسلخين من "النهضة" فهم قد صاروا مثلهم. لن يستطيعوا أن يمثلوا قوة سياسية مؤثرة بحجم يستمدونه من وحدة تؤسس لقوة سياسية: انسلاخهم يجعلهم فتاتا مرتين هم فتات وقد يليهم فتات "النهضة" التي تتحلل تحلل حزب بورقيبة بعد مؤتمر السبعينيات فيكون مؤتمر "النهضة" العاشر جنس مؤتمر الحزب الحر الدستوري في بداية السبعينيات.

ذلك هو المشكل، فقد تكون زيارتهم للمضربين عن الأكل غير كافية للدلالة على إيقاف إضراب الوعي بشروط المسار الديمقراطية وما يتطلبه من الخروج من هذا الداء العضال الذي يفشل التصدي للانقلاب وليس المعركة بين الحداثيين والإسلاميين.

كلا الصفين مضرب إضراب الوعي بشروط بناء الدول عامة والدول الديمقراطية خاصة.

اقترحت على الإخوة المضربين ما يمكن أن يساعد على عودتهم إلى العمل الذي يمكن أن يسقط الانقلاب وإيقاف إضراب الجوع المشروط بإيقاف إضراب الوعي الذي يتجاوز إشكالية الصراع بين الإسلامي والحداثي لأني لست واثقا من أن هذا الصراع كذبة هدفها التغطية على سيطرة المافيات التي تمول جل هذا الفتات الحزبي والإعلامي، ولا علاقة لها بقضية مبدئية حول الخيارات الحضارية لأن كلهم في الهوى سواء.

بدو يتمشون من كذبة العمل السياسي الذي صار تجارة بالنسبة إلى كل من فتح حانوت لبيع الكذب على نفسه قبل الكذب على الشعب: الفرق الوحيد أن من يختار بمن يستعمرنا فضل عليهم الدمية لاعتقاده أنه أقدر على جعل تونس لبنان ثانية.

المسألة الثانية.. إضراب الوعي

من العجب العجاب هو أن مضربي الوعي هم من سيكونوا أكثر الناس تضررا من مشروع الدمية. فكلها ستزول لبدائل منها ما رأينا مثلها سابقا في ليبيا عندما صارت كل مؤسسات ليبيا تحت رحمة رجل أحمق يستمد سمعته من تبديد ثروة بلادة وتجويع شعبه. فالمشروع يقدمه صاحبه على أنه إصلاح للوضع السياسي العالمي وليس التونسي فسحب. 

ولا أحد من المضربين إضراب الوعي يصدق ذلك لكنهم مع ذلك يواصلون اللامبالاة بما يجري ولا يسمعون نداء مضربي الجوع. 

وهم خمسة أنواع

الأول هو الشعب الغاضب من النخبة السياسية التي حكمت في العشرية لأن ذاكرته المتعلقة بما تقدم عليها مسحت فغسلت الأدمغة بثقافيات وأكاديميات وإعلاميات كلنا يعلم من يمولها. وهن هذا الشعب الغاضب يقع انتخاب العضاريط الذين يكون منهم الحشد الشعبي والألسن الطويلة في لعن الجميع.

الثاني هو النخبة الثقافية والأكاديمية والإعلامية التي تتمعش ثلاثتها من خدمة النخبة السياسة التي تخدم النخبة المافياوية بجنسيها في الداخل وبمستعمليها في الخارج. وكل هؤلاء لم يعد أحد يجهلهم لأنهم صاروا يلعبون بالمكشوف.

الثالث هي النخبة السياسية التي عملت كل ما تستطيع لترذل الثورة فتزين ما تقدم عليها خدمة للخائفين منها في الخارج سواء تعلق الأمر بتوابع المستعمر الفرنسي أو بتوابع الساعي إلى الاستعمار البديل منه أي إسرائيل وإيران.

 

من العجب العجاب هو أن مضربي الوعي هم من سيكونوا أكثر الناس تضررا من مشروع الدمية. فكلها ستزول لبدائل منها ما رأينا مثلها سابقا في ليبيا عندما صارت كل مؤسسات ليبيا تحت رحمة رجل أحمق يستمد سمعته من تبديد ثروة بلادة وتجويع شعبه. فالمشروع يقدمه صاحبه على أنه إصلاح للوضع السياسي العالمي وليس التونسي فسحب.

 



الرابع مضاعف أعني مافيات أرباب العمل التي قضت على الرأسمال الوطني سواء كانت من الاقتصاد الموازي أو من توابع مصالح المستعمر الفرنسي أو المبشر الشيعي أو الصهيوني، ومافية نقابة العمال أي الاتحاد العام التونس الذي اخترقته الأنواع الأربعة السابقة فأصبح أداتهم التي تعوض فقدانهم للقاعدة الشعبية التي يجندوها ضد كل مشروع إصلاح مقابل السماح لقيادات الاتحاد الفاسدة من إقطاعيات هي سر إفلاس كل المؤسسات الاقتصادية العمومية وكل المؤسسات الثقافية والتربوية والإدارية التي صارت تحت سلطان النقابات على الافلاسين المادي والقيمي.

والأخيرة مضاعفة كذلك، وهي قوتا الحماية في كل نظام سياسي سليم، أي الأمن للحماية الداخلة والجيش للحماية الخارجية، وشرط الأول القضاء وشرط الثاني الدبلوماسية. فهذه الأجهزة الأربعة تمثل الجهاز العصبي لكل دولة.

لكنها إذا بقيت غير واعية بما يجري فهي ستصبح توابع للمليشيات والحشد الشعبي الذي سيعوضها ليصبحوا كلهم طراطير لديه تماما كما نرى ذلك في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى في مصر لأن من يحكم ليس الجيش بل مليشيات خفية وظيفتها جعله أداة بطش بيد عملاء الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية.