قضايا وآراء

السلطان و"الباشكان".. معركة واحدة وعدو واحد

1300x600
كان العام 2021 هو عام الليرة التركية، حيث شهد تراجعها إلى أدنى سعر لها مقابل الدولار خلال السنوات العشر الماضية، لكنه لم ينته قبل أن تستعيد نصف خسائرها تقريبا بفعل حزمة من الإجراءات النقدية للرئيس أردوغان أربك بها خصومه، وأعاد بها الطمأنينة للأسواق والمودعين.

لا يجد المشاهد للمسلسل الدرامي السلطان عبد الحميد الثاني الذي بثه التلفزيون التركي مؤخرا؛ فوارق كبيرة بين المؤامرات التي تعرض لها والمعارك التي خاضها ذلك السلطان ضد خصومه في الداخل والخارج والمعارك التي يخوضها حاليا "الباشكان"، أي "الرئيس" رجب طيب أردوغان، ضد أحفاد أولئك الأعداء القدامى. وهذا ما أشار إليه أردوغان نفسه حين خاطب أكبر تجمع لرجال الأعمال الأتراك العلمانيين المناهضين له (توسياد): "لا يمكنكم مجابهتنا، أعرف أسلافكم وجنسكم وخلفيتكم جيدا، أنتم همكم شيء آخر، نحن نمضي وندافع عن حب الوطن والشعب، وأنتم تسعون لكيفية إسقاط هذه الحكومة، حتى تكونوا قادرين على إيصال حكومة أخرى تستطيعون استغلالها.. والشعب لن يمنحكم هذه الفرصة".
أسلاف تلك الجمعية الذين أشار إليهم أردوغان هم من واجهوا من قبل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، وأسهموا في إسقاطه من الحكم

يعرف أردوغان إذن أسلاف أعضاء تلك الجمعية، التي أسسها في العام 1971 اثنا عشر رجل أعمال أغلبهم من الأقليات الدينية والعرقية، لكنها ما لبثت أن توسعت لتضم أكبر وأغنى رجال الأعمال الأتراك العلمانيين، ولتسيطر على نصف الاقتصاد التركي وحوالي 85 في المائة من التجارة الخارجية للبلاد، وهذا مكنها من لعب دور سياسي كبير، حيث تمكنت من الإطاحة بحكومات؛ كما فعلت مع حكومة بولنت أجاويد في العام 1979 حين طالبته بالاستقالة بسبب الأزمة الاقتصادية، كما أنها ناوأت منذ البداية الحكومة الائتلافية بين نجم الدين أربكان وتانسو تشيلر، ودعمت الانقلاب العسكري عليها في العام 1997، وها هي تحاول اليوم تكرار فعلتها مع الرئيس أردوغان الذي بدا منتبها بشدة لقوة تلك الجمعية وخططها، والذي باغتها بهجومه القوي عليها.

أسلاف تلك الجمعية الذين أشار إليهم أردوغان هم من واجهوا من قبل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، وأسهموا في إسقاطه من الحكم، وكان منهم رجال الأعمال والمرابون المحليون والدوليون الذين كانوا يتحكمون بمفاصل الاقتصاد التركي ويحركونه كما يريدون.

يقول السلطان عبد الحميد في مذكراته التي ترجمها الدكتور محمد حرب: "عندما توليت الحكم كانت ديوننا العمومية تقترب من 300 مليون ليرة وفقت إلى تخفيضها إلى 30 مليون ليرة أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية. أما ناظم بك ورفاقه فقد رفعوا هذا الرقم بعد تولي الاتحاد والترقي الحكم بعدي من 30 مليون ليرة حيث كان حين تركت الحكم، إلى 400 مليون ليرة يعني ثلاثة عشر أمثاله!!". وبالمناسبة، فإن الرئيس أردوغان أعلن قبل أيام أن بلاده لم يعد عليها ديون لصندوق النقد الدولي بعد أن كانت مدينة بمبلغ 23.5 مليار دولار عندما تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم في 2002، وكان سداد آخر قسط في العام 2013.
يحفظ أردوغان التاريخ جيدا، ويستدعيه دوما في حربه التي أسماها "حرب الاستقلال الاقتصادية"، وأبرز مظاهرها في الوقت الحالي معركة خفض سعر الفائدة على الليرة التي أسفرت عن تراجع كبير لها مقابل الدولار

يحفظ أردوغان التاريخ جيدا، ويستدعيه دوما في حربه التي أسماها "حرب الاستقلال الاقتصادية"، وأبرز مظاهرها في الوقت الحالي معركة خفض سعر الفائدة على الليرة التي أسفرت عن تراجع كبير لها مقابل الدولار، وتجاوز سعر الدولار 18 ليرة؛ قبل خطاب أردوغان الذي أعلن فيه حزمة إجراءات نقدية أنقذت الليرة من السقوط الحر، ورفعتها إلى عشرة مقابل الدولار لتسترد حوالي نصف خسارتها السابقة (سعر الليرة يشهد حاليا تذبذبات خفيفة صعودا وهبوطا).

كان إصرار الرئيس أردوغان على المضي قدما في سياسة خفض الفائدة والتي أقال من أجلها ثلاثة رؤساء للبنك المركزي؛ مثار قلق لأنصاره وحلفائه في الداخل والخارج، حيث كان كل خفض للفائدة يتسبب في المزيد من تراجع سعر الليرة، لكن أردوغان احتفظ ببرود أعصابه، ورفع وتيرة مواجهته لمافيات المضاربين المحليين والدوليين، وكسب الرهان ولو مؤقتا، بينما وقف خصومه والمتآمرون عليه في حال ارتباك دفعهم للتشكيك مجددا في نجاعة تلك الإجراءات على المديين المتوسط والطويل!!
كسب أردوغان إذن هذه الجولة في معركة الليرة، لكن ذلك لا يعني أن خصومه قد رفعوا الراية البيضاء، فالتحركات لا تزال محمومة، والتحالفات تتسع لتضم "هوامير الاقتصاد" إلى جانب "هوامير السياسة" استعدادا لانتخابات صيف 2023

كسب أردوغان إذن هذه الجولة في معركة الليرة، لكن ذلك لا يعني أن خصومه قد رفعوا الراية البيضاء، فالتحركات لا تزال محمومة، والتحالفات تتسع لتضم "هوامير الاقتصاد" إلى جانب "هوامير السياسة" استعدادا لانتخابات صيف 2023، والتي حاولت المعارضة - ولا تزال - تبكيرها عن موعدها اغتناما لحالة سخط شعبي صاحبت زيادات الأسعار خلال الفترة الماضية مع تراجع سعر الليرة، ولذلك فإن أردوغان وحكومته وحزبه وأنصاره الآن في معركة جديدة مع المحال التجارية التي رفعت الأسعار استغلالا لأزمة الليرة، والذين لم يخفضوا الأسعار عقب تحسن الليرة، حيث طالبهم أردوغان شخصيا بالتراجع عن الزيادات التي فرضوها، في حين انطلقت حملات للمجتمع المدني لمقاطعة بعض المحال الكبرى بدءا من أول العام الجديد.

وهكذا فإن التاريخ يكرر نفسه في تركيا، مع تطوير في الأدوات، ولكن يبدو أن هناك من حفظ التاريخ واستلهم دروسه، فساعده ذلك على المواجهة الناجحة، والصمود في وجه الأعاصير حتى الآن.

أيا صوفيا والعام الجديد

كان مشهدا رائعا ازدحام مسجد أيا صوفيا وساحته الخارجية بآلاف المصلين في فجر أول يوم من السنة الجديدة 2022، تلبية لدعوة رئاسة الشئون الدينية، ليكون هذا هو الاحتفال برأس السنة. هذا المشهد يكشف عن حجم التغير الاجتماعي والثقافي الكبير في تركيا نحو التمسك بجذورها وقيمها الإسلامية، في وقت تتنصل فيه السعودية (أرض الحرمين) من موروثها الديني لتلحق بزيف التحديث؛ بهدف نيل رضا الغرب عن الأمير الشاب.

twitter.com/kotbelaraby