قضايا وآراء

هناك خط رفيع بين الحرب الباردة والحرب الساخنة!

1300x600

بعد إلغاء أستراليا صفقة الغواصات الفرنسية لصالح صفقة غواصات نووية أمريكيا، تلتها سريعا سويسرا حيث قررت شراء طائرات "إف 35" من الولايات المتحدة بدلا من طائرات "داسو رافال" المقاتلة الفرنسية، وبعد أقل من 24 ساعة، أعلنت رومانيا أنها لم تعد تريد توقيع عقد مع فرنسا بقيمة 1.2 مليار يورو لتصنيع أربعة طرادات محلية، تزامن ذلك مع إعلان الاتحاد الأوروبي استراتيجية جديدة تجاه منطقة "الهندي- الهادي" في إطار التعاون مع دولها..

ولقد سبق ذلك إعلان الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا تشكيل حلف "أوكاس"، وهو تحالف عسكري جديد لمواجهة الصين في إطار استراتيجية أمريكية محددة، ينتقل بمقتضاها مركز الثقل العسكري الرئيسي للولايات المتحدة في الخارج إلى الشرق الأقصى، بدلاً من الشرق الأوسط المليء بالمشاكل والفساد والصراعات القبلية بين دولها، والتي لم تعد تعني الولايات المتحدة فلم تعد تهتم بحماية عملائها في المنطقة، ولذلك سحبت بطاريات الصواريخ "باتريوت" من السعودية، كما ألغت مؤخراً صفقة أسلحة لدولتي السعودية والإمارات.

ما يهم الولايات المتحدة فقط في منطقة الشرق الأوسط هو حماية الكيان الصهيوني لحماية مصالحها في المنطقة، وذلك التحالف الجديد سيخدم الكيان، إذ سيؤدي إلى توسيع دوره الاستراتيجي في المنطقة، وما اتفاقيات أبراهام إلا لتثبيت هذا الدور

ما يهم الولايات المتحدة فقط في منطقة الشرق الأوسط هو حماية الكيان الصهيوني لحماية مصالحها في المنطقة، وذلك التحالف الجديد سيخدم الكيان، إذ سيؤدي إلى توسيع دوره الاستراتيجي في المنطقة، وما اتفاقيات أبراهام إلا لتثبيت هذا الدور الذي ستدور في فلكه كل دول المنطقة..

ومن المهم الإشارة إلى أن إعلان ميلاد حلف "أوكاس" جاء متزامناً مع انعقاد قمة شنغهاي للتعاون، وقمة اتفاقية الأمن الجماعي لروسيا ودول آسيا الوسطى، لما فيه من دلالة، إذ أنه يعد بمثابة إعلان صريح للحرب الباردة بين أمريكا والصين، والتي سبقتها مؤشرات ودارت رحاها من وراء الكواليس في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب".

فالصين هي العدو الرئيس للولايات المتحدة، ولقد أعلنها ترامب صراحة عام 2017 في استراتيجية الأمن القومي، وسعت إدارته إلى إقامة تحالف عسكري رباعي في مواجهة الصين يضم معها كلا من أستراليا واليابان والهند، أُطلق عليه اسم مجموعة "QUAD". ولكن بعد المشاورات الأولية، تحفظت كل من اليابان وكوريا خشية تعرضهما لهجمات انتقامية من الصين، في حالة استخدام أمريكا أراضيهما ومجالهما الجوي والبحري في شن هجمات على الصين..

وكي نكون أكثر دقة، يجب أن نذكر أن تلك الاستراتيجية الأمريكية وضعت في عهد أوباما، وقضت بانسحاب الولايات المتحدة من أوروبا ومن الشرق الأوسط كي تركز على صراع النفوذ بينها وبين الصين ولتكون بؤرة الصراع الدولي في الشرق الأقصي. ولذلك نستطيع القول إن حلف أوكاس هو الخطوة العملية الأولى لتطبيق تلك الاستراتيجية الجديدة- القديمة، إذ بانضمام أستراليا إلى ذلك التحالف يجعلها الدولة السابعة ضمن مجموعة الدول التي تطوق الصين، وهي اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وإندونسيا وماليزيا والفلبين، حيث تتواجد في هذه المنطقة ما يقرب من مئتي قاعدة عسكرية أمريكية..
الاستراتيجية الأمريكية وضعت في عهد أوباما، وقضت بانسحاب الولايات المتحدة من أوروبا ومن الشرق الأوسط كي تركز على صراع النفوذ بينها وبين الصين ولتكون بؤرة الصراع الدولي في الشرق الأقصي. ولذلك نستطيع القول إن حلف أوكاس هو الخطوة العملية الأولى لتطبيق تلك الاستراتيجية

أغضب تحالف "أوكاس" الاتحاد الأوروبي كله، وليس فرنسا فحسب التي اعتبرته طعنة في الظهر، فلأول مرة تقيم الولايات المتحدة تحالفات عسكرية متجاهلة حلف الناتو. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية: "لم يعد هناك وجود لحلف شمال الأطلسي ولا وجود للأمم المتحدة، ولا وجود لمعالجة الأزمات في الوقت المناسب". لقد شعر الأوروبيون أن الولايات المتحدة تخلت عن التزاماتها بالدفاع عن القارة الأوروبية، تلك القارة العجوز كما أطلق عليها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "دونالد رامسفيلد"، حينما عارضت غزو العراق، وها هي القارة العجوز تصرخ و"تولول" من طعنات أمريكا المتواصلة لها كما يفعل أيتام أمريكا في المنطقة العربية!

ولكن لماذا الصراخ والشعور بالغدر من أمريكا، وهم مَن بدأوا بالطعنات من الظهر لأمريكا؟ ألم تشتر ألمانيا النفط والغاز من روسيا عبر مشروع سيل الغاز الشمالي؟ وألم تعقد فرنسا اتفاقات لاستيراد الغاز الروسي عبر شرق أوروبا، مفضلة ذلك عن الغاز الأمريكي؟ ألم تعقدان الصفقات التجارية مع الصين في ذات الوقت الذي شن فيه ترامب حربا تجارية وتكنولوجية ضدها؟!

إنه صراخ الحلفاء حينما تتعارض المصالح والاستراتيجيات، لقد حاولت ألمانيا وفرنسا أن تلعبا بعيداً عن أمريكا في الملعب الدولي وحققتا بعض الأهداف، ولكن جاء مالك الملعب ليخرجهما منه بالضربة القاضية!!

ولعل انفراد أمريكا بالقرار، مثلما فعلت بالانسحاب السريع من أفغانستان وقبلها عقد اتفاقية مع حركة طالبان دون استشارة حلفائها، وإنشاء هذا التحالف المفاجئ الصادم، قد جعلها تعود إلى فكرة قديمة طرحها سابقا الرئيس الفرنسي الراحل ديجول، وهي الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بعيدا عن أمريكا، بتشكيل قوة عسكرية أوروبية قادرة على الدفاع عنها أمام الأطماع الروسية.

وقد حاول الاتحاد الأوروبي أن يحيي هذا المفهوم بإقامة جيش أوروبي موحد بعيدا عن حلف الناتو، ولكن فشل لاعتراض دول كثيرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأمريكا، ولعل أهمها بريطانيا التي ظلت محتفظة بعملتها الرسمية ولم تذب وتنصهر في العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) كما حدث للفرنك الفرنسي والفرنك الألماني، وانسحبت من الاتحاد الأوروبي، فهي تعمل على استراتيجية بريطانيا العظمي وعينها على منطقة الهندي- الهادي، حيث مستعمراتها القديمة ومجد إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس، والأيام الخوالي. وهو ما يعمل عليه "بوريس جونسون"، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولهذا سوف تظل بريطانيا الشريك الاستراتيجي الأوروبي للولايات المتحدة، من خارج الاتحاد الأوروبي والمفضل على فرنسا وألمانيا، في جميع المجالات الحيوية والحساسة للأمن والتكنولوجيا العسكرية..

وطبقا للاتفاقية الأمنية التي عقدت بين دول تحالف "أوكاس"، فسوف تنقل التقنية النووية لأول مرة خارج كل من أمريكا وبريطانيا وستتعزز العلاقات بين هذه الدول الثلاثة في منطقة هامة لأوروبا ولفرنسا على وجه التحديد. إذ أن أوروبا تستثمر فيها ما يزيد عن 12 تريليون دولار، وهنا أصبح التنافس واضحا بين حلف أوكاس وحلف الشمال الأطلسي وفرنسا بصفة خاصة..
كل هذا يدخل في إطار الحرب الباردة، لكن هناك خط رفيع بين الحرب الباردة والحرب الساخنة، وربما ينقطع هذا الخط الرفيع لأتفه الأسباب كما حدث في الحرب العالمية الأولى، وتتحول هذه الحرب الباردة لمواجهة عسكرية نووية

لقد هددت الصين بضربة نووية في حال حدوث حرب في المنطقة، وأعلنت أن الصفقة تهدد الاستقرار الإقليمي وتشعلى سباق التسلح، وهذا هو الهدف أو مربط الفرس كما يقولون، فأمريكا في حربها الباردة مع الصين تستدعي من سجلاتها التاريخية خطة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي ومحاولة إنهاك القوة المناوئة من خلال سباق التسلح، وهو سباق يستجيب لمصالح لوبي السلاح الأمريكي، وخاصة بعد الانسحاب من الحروب التي كانت تضخ بعشرات المليارات من الدولارات كل عام..

تحاول الولايات المتحدة أن تقطع أوصال الصين الموحدة وتعزلها دوليا، وأن تصدر السلاح إلى تايوان، وتقوم بمناورات عسكرية استفزازية في بحر الصين الجنوبي، وكل هذا يدخل في إطار الحرب الباردة، لكن هناك خط رفيع بين الحرب الباردة والحرب الساخنة، وربما ينقطع هذا الخط الرفيع لأتفه الأسباب كما حدث في الحرب العالمية الأولى، وتتحول هذه الحرب الباردة لمواجهة عسكرية نووية بين أمريكا والصين يخسرها الطرفان والعالم أجمع، فهل نحن مقبلون على تلك الحرب في العقد القادم؟! ربما..

 

twitter.com/amiraaboelfetou