تقارير

"بيتا" تواجه "أفيتار" بأسلوب "غزة"

مشهد لقرية بيتا يظهر الجبال المحيطة بها- (أرشيف)

يقود أهالي قرية بيتا حربا مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن وزعوا أنفسهم إلى وحدات ومجموعات منظمة، ويتناوبون على ذلك ليل نهار، مستلهمين تجربتهم من المقاومة على حدود غزة.

ولا يترك أهالي بيتا قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، سبيلا لإزعاج المستوطنين، الذين أقاموا بؤرة عشوائية في المنطقة، بغية دفعهم إلى الرحيل.

وتقع قرية بيتا البالغ عدد سكانها 17 ألف نسمة بين مرتفعات جبلية عدة، بينها جبل صبيح الذي أقيمت عليه البؤرة الاستيطانية، وتسكنها قرابة الـ50 عائلة من المستوطنين، منذ أيار (مايو) الماضي.

ومنذ ذلك الحين، ينظم الفلسطينيون بشكل شبه يومي احتجاجات ليلية تستمر أحيانا حتى الصباح، ويطلقون خلالها هتافات "الله أكبر"، وينشدون أغاني فلسطينية، ليجعلوا حياة المستوطنين لا تطاق.

واستشهد في مواجهات وقعت بين شبان القرية وجيش الاحتلال الإسرائيلي 4 فلسطينيين برصاص الجيش، وأصيب أكثر من 300 آخرين بجروح.

وسميت "بيتا" بهذا الاسم كونها مبيتا آمنا لجميع السكان. ويقال إن أهالي القرى المجاورة يهرعون إلى بلدة بيتا من أجل السكن والاستقرار في البلدة لاحتوائها الأمن والأمان، وفي رواية أخرى لأنها كانت مبيتا للحجاج قديما.

 

                               قرية بيتا كما تبدو في الليل


تتشكل أراضي بيتا من مرتفعات جبلية يتخللها عدد من الأودية، التي تتجه في مجراها من الشرق إلى الغرب، وتعد من أهم الأماكن العالية في فلسطين ومدينة نابلس. ويبلغ ارتفاعها 550- 950 مترا فوق سطح البحر، بينما تبلغ مساحة أراضيها كاملة 22 ألف دونم، تزرع بصورة أساسية بأشجار الزيتون والتين واللوز.
 
يوجد في البلدة جبل عال جدا ومرتفع ويسمى "جبل العُرمة"، وحين تتساقط الثلوج في الشتاء يسجل دائما أول التساقط في بلدة بيتا.

وتنقسم القرية إلى قسمين؛ يسمى الأول بيتا الفوقا ويشمل ثلثي السكان، ويسمى الثاني بيتا التحتا ويشمل الثلث المتبقي من السكان.
 
وعرفت قرية بيتا بقوة أثناء الانتفاضة الأولى|؛ ففي عام 1988 تم تحديد 20 رجلا من قريتي بيتا وحوارة، من قبل قوات الاحتلال بتهمة رمي الحجارة، وتم تجميعهم وتقييدهم بأصفاد بلاستيكية وكسر عظامهم من قبل جنود جيش الاحتلال، ثم رميهم في الليل في حقل موحل.

وقدم الصليب الأحمر الدولي شكوى رسمية، ولم يقم جيش الاحتلال بمحاكمة قائد هذه الجريمة العقيد يهودا مئير في البداية، لكن بعد إثارة القضية عالميا تم تأنيبه، وأجبر على التقاعد، مع رتبة ضابط وحقوقه التقاعدية.

وكان مئير قائد منطقة نابلس المشرفة على العملية، وشهد أنه تصرف بموجب أوامر قادمة مباشرة من وزير الدفاع وقتها إسحاق رابين، وأنه عندما اعترض على تحطيم العظام، رد رابين: "أنت تقوم بالعمل، سأهتم بوسائل الإعلام". وشهد رؤساؤه أن الأوامر كانت فقط لاستخدام القوة في المطاردة والاعتقال، وفي النهاية رأت المحكمة أن الأوامر قانونية، لكن مئير انحرف عن التعليمات.

 

فلسطينيون يحملون المشاعل خلال تحركات لإزعاج المستوطنين في قرية بيتا في الضفة الغربية

ومنذ ذلك الوقت دخلت قرية بيتا على خط الاستهداف الصهيوني فقد بدأت محاولات المستوطنين الاستيلاء على "العُرمة" منذ عام 1988، وتصدى لها أهالي بيتا الذين استبسلوا في الدفاع عنه، وارتقى منهم ثلاثة شهداء، مقابل ثلاثة قتلى في صفوف المستوطنين. ومن آثار ذلك أن بيتا من القرى القليلة التي بقيت في منأى عن الزحف الاستيطاني بمنطقة جنوب شرقي نابلس، حيث إن للجبل رمزا تاريخيا ويشرف على بلدات بيتا وعورتا وحوارة وشرقي نابلس. ويحوي الجبل آثارا كنعانية يزيد عمرها على الخمسة آلاف عام، تشمل بقايا قلعة وخربا أثرية و18 كهفا ضخما كانت تستخدم لتخزين المياه والحبوب.

ويقع جبل صبيح بين ثلاث قرى فلسطينية، هي قبلان ويتما وبيتا، جنوبي نابلس. وتعود ملكية الجبل إلى فلسطينيين من القرى الثلاث، ويعتبر الجبل امتدادا طبيعيا لسلسلة الجبال الساحلية في مدينة نابلس ويتبع الجبل أيضا لسلسلة جبال نابلس ضمن جغرافيا نابلس. ويبلغ ارتفاع قمة جبل صبيح 570 متراً وهو يأتي ضمن أعلى القمم في مدينة نابلس.

أما البؤرة الاستيطانية الجديدة التي يدور حولها الصراع كل ليلة فهي "أفيتار"، على اسم ممثل ومستوطن إسرائيلي طعنه فلسطيني بالقرب من قرية بيتا عام 2013.

وفي وقت إنشاء البؤرة على جبل صبيح نفذ فلسطيني هجوما بمسدس على عدد من المستوطنين، عند مفترق زعترة في المنطقة في أيار (مايو) الماضي، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة آخرين.

وأمر وزير الدفاع آنذاك، بيني غانتس، بإخلاء البؤرة، لكن رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو جمد القرار.

ولم تتعامل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة اليميني المتطرف نفتالي بينيت، وهو رئيس سابق لمجلس المستوطنات في الضفة الغربية، مع هذه القضية الملتهبة بعد.

 

                  تحركات الفلسطينيين في بيتا لإبعاد المستوطنين

وترى منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن "مجموعة صغيرة من الناس قامت بدون أي سلطة، بخلق حقائق على الأرض تلحق ضررا خطيرا بأمن إسرائيل"، ودعت "الحكومة الجديدة" إلى إخلاء البؤرة الاستيطانية؛ لأنها تضعف من "إمكانية السلام في المستقبل".

وكتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن "الكفاح المستمر" لأهالي بيتا مستوحى مما تفعله المقاومة على حدود غزة. وبعد ليلة حافلة "بالإرباك الليلي"، كتب الإعلام الإسرائيلي أن "ما بدأته حماس على حدود غزة يحدث الآن بالقرب من بؤرة أفيتار" الاستيطانية حيث يحتج سكان بيتا على إقامتها.

ونقل الإعلام الإسرائيلي عن مصدر إسرائيلي في قرية بيتا أنه "يتعين على إسرائيل أن تعد 14 ألف رصاصة لقتل جميع سكان بيتا إذا كانت تعتزم السيطرة على الجبل".

المراجع

ـ 32 عاما على واقعة بيتا والصمود مستمر، شبكة قدس الإخبارية، 14 شباط/ فبراير 2020
ـ سياسة تكسير.. العظام إسحاق رابين، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. وكالة وفا الفلسطينية. 14 حزيران/ يونيو 2020. 
ـ حراس الجبل" يقضون مضاجع المحتلين.. قرية بيتا الفلسطينية تقاوم بؤرة استيطانية بالنار والهتافات والليزر، الجزيرة نت، 24-6-2021
ـ بالضوضاء وإحراق الإطارات.. فلسطينيون يدفعون مستوطنين إلى الرحيل، إندبندنت عربي، وكالة "أ ف ب"، يونيو/ حزيران 2021.