ملفات وتقارير

إلى أين تقود تصدعات واستقالات المجلس الانتقالي في عدن؟

تعاني العاصمة المؤقتة عدن من تردي الخدمات وتفشي الفساد- الأناضول
يعيش المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي، المدعوم من دولة الإمارات، حالة تصدع على المستويين السياسي والعسكري، برزت من خلال استقالات مأموري المديريات في مدينة عدن، جنوبا، وهو ما يضع علامات استفهام عدة حول ما ينتظر هذا الكيان المنادي بالانفصال عن الشمال.

يأتي ذلك، وسط تزايد الكراهية والسخط الشعبي في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة، التي يتحكم بها المجلس الانتقالي خدميا وأمنيا وعسكريا، في وقت تتنامى فيه مؤشرات صراع عميق بين الأجنحة التابعة له، الأمر الذي انتهى باستدعاء قيادة أهم  التشكيلات بعدن إلى أبوظبي.

وفي الأيام القليلة الماضية، أصدر رئيس المجلس الانفصالي عيدروس الزبيدي، المقيم في أبوظبي، قرارات بتكليف قائدين جديدين لمليشيات "الدعم والإسناد" و"الحزام الأمني"، في عدن، بعد استدعاء قائدها محسن الوالي وأركانه نبيل المشوشي إلى الإمارات.

"صراع وترتيب أوراق"

ويرى الباحث السياسي اليمني، محمد السعدي، أن ما يجري جزء من الصراع الداخلي داخل المجلس الانتقالي، وإعادة ترتيب الأوراق بشكل أو بآخر، بعد استدعاء الوالي والمشوشي إلى الإمارات.

وقال في حديث لـ"عربي21": "يبدو أن هناك عملية لإعادة ضبط إيقاع الرجلين، والجلوس معهم؛ في محاولة للضغط عليهم بطريقة أو بأخرى".

وأشار السعدي إلى أن التكليف الجديد لقائدي قوات الإسناد، لا يعدّ قرارا رسميا حتى الآن، مضيفا أنه جرى عملية تكليف لإدارتها حتى يعود الوالي والمشوشي.

وتابع: "بقاء الرجلين في قيادة قوات الدعم والإسناد في عدن، ستحدده اللقاءات في الإمارات حول آرائهم ونشاطات الرجلين، الذي يبدو أن لديهم آراء لا تتناسب مع المجلس الانتقالي ومن يدعمه".

وقال: "لذلك تم استدعاؤهم لأجل ذلك، ومن الممكن أن يعودوا خلال شهر أو عام، أو يتم الإبقاء عليهم لفترة طويلة، وربما يخرجوا بتفاهمات ومعالجة الملاحظات حولهما". 

وبحسب الباحث السياسي اليمني، فإن هناك إعادة ترتيب داخلي من قبل المجلس الانتقالي تحضيرا لمعركة قادمة، ولكن لا بد من القيام بمراجعة كل الأشخاص وملفاتهم والملاحظات التي تدور حولهم في إطار الصراع الداخلي بين أجنحته.

وأوضح أن الانتقالي الذي تشكل من أجنحة مختلفة وهي "مناطقية"، لافتا إلى أن جناح "الضالع" -المحافظة التي ينتمي إليها رئيس المجلس وقيادات أخرى- يعمل على إضعاف جناح يافع، المدينة التي تنتمي إليها القيادات التي تسيطر على "الحزام الأمني" وألوية الإسناد، وهي أقوى التشكيلات التابعة للمجلس.

ومضى قائلا: "هناك حملات تشويه ووشايات وتشكيك في ولاءات قيادات عسكرية تابعة للانتقالي، في محاولة تستبق عملية إبعادها، ضمن سياسة التحجيم والسيطرة".

وبين الباحث والناشط السياسي أن هناك مؤشرات على خطوات تصعيدية يرتب لها الانتقالي هروبا من فشله في مدينة عدن، بعدما أصبح يديرها من خلال محافظ ومدير أمن ووزراء، ويسيطر على مصادر الدخل فيها التي تتعرض لعملية نهب وفساد واسعة.

واستطرد: "أمام انعدام الخدمات وحالة الفوضى، وتزايد الكراهية والاحتجاجات حول سياسات المجلس المتحكم في عدن، يخطط لمرحلة جديدة من التصعيد لإشغال الناس عن كل ما سبق ذكره".

وما يعزز ذلك، حملات التحريض التي تستهدف السلطات الشرعية في محافظة شبوة (جنوب شرق)، والقوات الحكومية في وادي حضرموت (شرقا)، بالإضافة إلى ترتيبات أخرى متمثلة في وصول شحنات أسلحة إلى معسكرات الانتقالي قادمة من الساحل الغربي".

وحول الاستقالات التي قدمها مأمورو المديريات التي جرى تعيينهم من قبل عمدة عدن المنتمي للمجلس الانتقالي، أحمد لملس، أكد الباحث السياسي السعدي أن الانتقالي نفذ عملية تجميلية عندما جعل اختيار مجموعة من أبناء عدن مدراء على المديريات، بهدف كسب الشارع العدني.

إلا أن المجلس، وفقا للمتحدث ذاته، انكشف تماما، من خلال العصابات التابعة له التي تتحكم بالمديريات، والتي لم تمنح مأموريها القيام بمهامهم، ناهيك عن السيطرة على الموارد المالية، وتوريدها إلى حسابات تابعة للمجلس في البنك الأهلي أو إلى صناديق خاصة بهم.

ويعتقد الباحث السعدي أن محافظ عدن تحول إلى ممثل في هذه المسرحية الكبرى، وهذا ما دفع ببعض المدراء إلى الاستقالة، معتبرا أنها رسائل مباشرة وواضحة بعدم رضاهم عما يحدث في عدن، في إدانة واضحة للمجلس.

"لا تغييرات ولا استقالات"

من جانبه، أفاد باسم الشعبي، رئيس مركز مسارات للاستراتيجيا والإعلام، بأن المعلومات المتوفرة لديه، أنه لم تكن هناك عملية تغيير لقيادة قوات الدعم والإسناد، بل تكليفات مؤقتة، بسبب سفر الوالي  والمشوشي خارج البلاد.

وأضاف في حديث لـ"عربي21" أنه فور عودتهما، سيستلمون مواقعهم، بينما سيعود المكلفون إلى مواقعهم السابقة.

وبحسب الشعبي، فإن تلك التكليفات المؤقتة "عملية روتينية يقوم بها المجلس الانتقالي؛ تحسبا لوقوع أي فراغ في هرم الأجهزة الأمنية التي تضطلع بأدوار كبيرة في عدن وما جاورها".

وأشار رئيس مركز مسارات الإعلامي إلى أن هناك استقالة واحدة فقط، تقدم بها مدير مديرية البريقة (غرب عدن) قبل شهر ونيف تقريبا، وتم تعيين بديل له، نافيا وجود أي استقالات أخرى.

وأردف قائلا: لا توجد استقالات أخرى حتى الآن، وما يروج له الإعلام ليس صحيحا، حيث يؤدي مأمورو المديريات أعمالهم بكل تفان وبصورة يومية رغم صعوبة الأوضاع وتعقيداتها من كل النواحي.

وذكر الشعبي أن الأوضاع في العاصمة عدن صعبة جدا، والمحافظ وفريقه في المديريات يبذلون جهودا كبيرة لإعادة الحياة الطبيعية لها، وتوفير الخدمات ومحاربة العشوائيات ونهب الأراضي، مشددا على أنهم يواجهون تحديات كبيرة وصلت إلي درجة نجاة أحد مدراء المديريات من محاولة اغتيال.

وبحسب رئيس مركز مسارات للاستراتيجيا والإعلام، فإن لملس وفريقه يخوضون مغامرة بصورة كبيرة  لأجل عدن، ويقهرون كل التحديات الماثلة أمامهم، وبحاجة لدعم كبير من الحكومة والتحالف (تقوده السعودية) للنجاح.

"استقالات"

وفي أواخر شباط/ فبراير الماضي، أعلن مأمور مديرية البريقة يونس سليمان استقالته، مرجعا ذلك إلى "شح الموارد، وعدم توافر الإمكانيات والميزانية التشغيلية المناسبة، وغياب الاستقرار الأمني وحق اتخاذ القرار  في مديرية من أكبر مديريات عدن".

والأسبوع الماضي، قدم مأمور مديرية صيرة، إبراهيم منيع، استقالته لمحافظ عدن، بعد تعرض منزله وسيارته للسرقة وإطلاق النار.

ومن بين الأسباب التي أوردها مأمور صيرة، في بيان استقالته التي تناقلتها مواقع محلية، "عدم اتخاذ السلطة الأمنية والمحلية في عدن للإجراءات القانونية الرادعة بحق المعتدين على منزله وسيارته".

فيما كشفت مواقع محلية وناشطون عن اعتزال مأمور مديرية التواهي بعدن، والبقاء في منزله، احتجاجا على المعوقات التي تعوقه عن أداء مهامه، وغياب أي إمكانيات لذلك.