قضايا وآراء

حادثة قناة السويس.. هل حان دور المشاريع الصهيونية؟

1300x600
جنحت سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن" في قناة السويس لتقطع لنحو أسبوع أحد أهم الممرات المائية للتجارة بين الشرق والغرب، وتسببت بإعاقة تجارة عالمية تصل لحوالي 10 مليار يوميا، وخسارة مصر لملايين الدولارات كل يوم.

أنشئت قناة السويس عام 1869م لتكون بديلا عن طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، بإشراف الفرنسي فرديناند ليسبس لأهداف استعمارية، وظلت تابعة لفرنسا ومعها بريطانيا إلى حين تأميم القناة عام 1956م الذي تسبب بالعدوان الثلاثي على مصر. يبلغ طولها 193 كم، وعرضها 205 أمتار، وعمقها 24 مترا. وتنقسم عرضيا إلى ممرين في أغلب أجزائها لتمر السفن في الاتجاهين في نفس الوقت. وتعتبر أسرع ممر بحري بين القارتين، وبين الفينة والأخرى يتم توسعة القناة وفتح تفريعات جديدة لاستقبال عدد أكبر من السفن.

ولا يُعرف إلى الآن ما هو السبب الرئيسي وراء جنوح السفينة العملاقة، ومهما كان فإن هذه الحادثة أعادت إلى الأذهان ملف طرق الملاحة الأخرى وضرورة إيجاد بدائل. ومن المقترحات الجاهزة: طريق الحرير الصيني الذي يمتد من أقصى شرق الصين إلى البرتغال، ومسار القطب المتجمد الشمالي من كوريا إلى هولندا، وقناة بنما التي تصل بين المحيطين الأطلسي والهادي.

البدائل الإسرائيلية

والأخطر منها جميعا على مكانة قناة السويس والتي ستصيب الاقتصاد المصري المنهار أصلا في مقتل، البدائل الإسرائيلية المركبة والمتمثلة في ثلاثة مشاريع تربط خليج العقبة بالبحر الأبيض المتوسط؛ أولها قناة مائية تعرف باسم قناة بن غوريون الإسرائيلية، وثانيها خط سكك حديدية، وثالثها خط أنابيب للنفط ومشتقاته. وهذه المشاريع ليست وليدة اللحظة بل بدأ التخطيط لها مع قيام دولة الكيان، وذكرها رئيس وزراء الكيان الأسبق شيمون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، وكانت أحد وعود نتنياهو مذ كان وزيرا للمالية قبل حوالي عشرين عاما.

ولم يكن يعيق الكيان لنقل مخططاته إلى أرض الواقع سوى تسوية علاقته بالدول العربية المحيطة به، أو بالأصح بأنظمة هذه الدول وإظهارها للعلن بعد أن ظلت سرية لسنين طويلة. فمشروع القناة المائية بدأ بتنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية عام 2017م، حيث أصبح خليج تيران دوليا وبإمكان أي دولة استغلاله لمشروعاتها الخاصة ولا يحق لأحد الاعتراض، وفهم الصهاينة الإشارة وبدأوا بالترويج لقناتهم بالقول إن المرور منها سيكون أرخص من المرور بقناة السويس التي يفرض القائمون عليها رسوما للمرور مع الانتظار. أما القناة الإسرائيلية المنتظرة فستوفر تسهيلات وخدمات أكثر بجودة أعلى، وحانت الفرصة أخيرا وانتهز الصهاينة فرصة توقف حركة الملاحة في قناة السويس، وأعلنوا في 29 آذار/ مارس البدء بحفر القناة على أن تصبح جاهزة بعد خمس سنوات من الآن.

ومن عيوب قناة السويس والتي لم يفوتها الصهاينة؛ أن ناقلات النفط العملاقة لا تستطيع المرور عبرها، فتضطر إما للتخفيف من حمولاتها ليجري ضخها عبر أنبوب إلى مرفأ الإسكندرية على البحر المتوسط ثم يعاد تحميلها في ناقلات النفط لتنقل إلى الأسواق، وإما توزيع الحمولة على سفينتين بحيث تستطيع الناقلة المرور عبر قناة السويس. والحل جاهز، ويكمن في خط الأنبوب الإسرائيلي الذي شيدوه في ستينيات القرن الماضي، وكان يستخدم في نقل النفط الإيراني - سرا - زمن الشاه، ثم توقف لزمن مديد وأعادوه مؤخرا للخدمة، ولم ينتظروا كثيرا حتى وجدوا زبونا مناسبا وهي الإمارات بعد إعلانها العام الماضي التطبيع معهم.

ففي الربع الأخير من العام الماضي، وقّعت الإمارات مع دولة الاحتلال اتفاقا يهدف لنقل نفطها إلى أوروبا عبر خط أنابيب يربط بين ميناء إيلات على البحر الأحمر بمحطة ناقلات في عسقلان على البحر المتوسط، مما سيتسبب في قتل خط سوميد المصري الذي يستخدم للغرض ذاته منذ أكثر من أربعين عاما.

ورغم إعطاء مصر الإمارات حقوق إدارة عدة موانئ على قناة السويس واستحواذها على الكثير من مشاريع الصيانة والتنمية فيها، إلا أنها تجاهلت كل ذلك، وذهبت في صفقة أو صفعة أخرى. إذ وقعت إدارة موانئ دبي مع الصهاينة في أيلول/ سبتمبر الماضي اتفاقا لفتح خط شحن مباشر مع ميناء إيلات، وهذا من شأنه إنعاش سكة الحديد التي بدأ العمل بها عام 2014م، من إيلات إلى أسدود المحتلتين بطول حوالي 300 كيلومتر، مع بناء أكثر من 63 جسرا، وخمسة أنفاق، ومن المتوقع انتهاء العمل فيه العام المقبل.

وفي مشاريع مكملة للمشاريع المتقدمة، أعلن نتنياهو لأول مرة عام 2018م عما سماه "قطار السلام"، وهو عبارة عن خط سكك حديدية يمتد من دول الخليج إلى ميناء حيفاء في الأراضي المحتلة يعتزم إنشاءه في المدى المنظور، وهناك مباحثات تدور في الخفاء لبناء أنبوب لتصدير النفط الخليجي إلى أوروبا عبر إسرائيل يمر عبر السعودية، في إحياء لخط "التابلاين" الذي دمره جيش الاحتلال إبان احتلاله للجولان عام 1967م، فضلا عن مشروع قناة البحرين الذي يربط البحر الميت مع البحر الأحمر.

وأثبتت الأيام أن الخطط والمشاريع الصهيونية تجد طريقها ولو بعد حين. ومما يساعد على إتمام هذه المشاريع الهجمات المتكررة جنوب البحر الأحمر وعلى منشآت البترول السعودية، التي يتبنى بعضها الحوثيون في اليمن وبعضها مجهولة لا يعلم أحد من يقف وراءها.

وكل هذه الخطط والمشاريع لا تصب إلا في مصلحة دول الكيان وتعزيز حضورها وهيمنتها وتفوقها؛ فهي ستكون المتحكمة في طرق التجارة والممسكة باقتصاد المنطقة، وعليها الإدارة والتطوير وعلى غيرها المال، سعيا منها لإعادة صياغة تاريخ جديد للمنطقة حسب هواها، والمتضرر الأكبر هي قناة السويس التي لا يتحمل الصهاينة إغلاقها أمامهم مجددا، لذا يعملون على قدم وساق على تقليص مكانتها وأهميتها. وهذا خطر داهم آخر يهدد مصر، وإن لم تتخذ خطوات لتلافيه وظلت متفرجة وعاجزة فإنها ستجد نفسها في ضفاف الدول المنهارة.