ملفات وتقارير

السيسي يطلق مشروع "دلتا جديدة".. هل ينقذ مصر من الفقر؟

تحيط الشكوك بالمشروع الجديد في ظل تعهدات سابقة أطلقها السيسي ولم ترَ النور حتى اليوم- فيسبوك

"الدلتا الجديدة" على مساحة مليون فدان، قرب منطقة محور الضبعة الشهير بالساحل الشمالي الغربي لمصر؛ مشروع جديد أطلقه رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، بالتعاون بين الجيش ووزارة الزراعة.


رئاسة الجمهورية، أعلنت الأحد، أن الدراسات التي أجريت من قبل الفرق البحثية بوزارة الزراعة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية والجهات الأكاديمية، أثبتت جاهزية الأراضي للاستصلاح الزراعي، معلنة عن المشروع القومي العملاق "الدلتا الجديدة".

 

 

أحد أهم المشروعات التي أعلنها السيسي، عام 2014، كان مشروع زراعة 4 ملايين فدان، التي قلص مساحتها لاحقا إلى مليون ونصف المليون فدان، ليظل الأمر مجرد تصريحات إعلامية ولم ير النور حتى اليوم، فإن المشروع الجديد تحيطه الشكوك، أيضا.


ولهذا توجهت "عربي21"، إلى أكاديميين وخبراء متخصصين بالزراعة، للتساؤل حول فرص نجاح مشروع الدلتا الجديدة ومدى إمكانية اعتباره الأمل لإنقاذ مصر من الفقر ويمنحها الأمن الغذائي، وإمكانية تنفيذه بأرض الواقع، واحتمالات انضمامه إلى معظم مشروعات السيسي العملاقة اسما دون تنفيذ أو فائدة حقيقية.


"رؤية مشارك بالمشروع"


أحد المطلعين على المشروع والمشاركين بدراساته، الخبير الزراعي المصري الدكتور سعيد سليمان، قال لـ"عربي21": "تشرفت بزياره المشروع، 21 آذار/ مارس الجاري، بدعوة من قائده لدراسة إمكانية زراعة أرز عرابي المقاوم للجفاف".


رئيس قسم الوراثة بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، أقر بأن "التربة هناك جيدة بها (عرق طفلة)، و(عرق طمي)، وتحتفظ بالمياه، وغنية بكربونات الكالسيوم، وصالحة لأغلب الزراعات، والمياه الجوفية جيدة  600-3500 جزء بالمليون".


ولفت إلى أن "قائد المشروع طمأنني بوجود مشروع لتوصيل مياه النيل، وقررت له حتمية ذلك لأن المياه الجوفية غير متجددة"، منوها إلى حتمية ذلك "حتى لا نتعرض لما حدث بالسعودية، عندما توسعت بزراعة القمح فقل منسوب مياه الآبار من 6 أمتار إلى 12 مترا سنويا، ما أدى إلى وقف زراعة القمح، وتحولت معدات بأكثر من 100 مليار دولار إلى خردة".


وأوضح أن "المنطقة واعدة كاستثمار زراعي رشيد، لقربها من البحر؛ ولزراعة القمح بكميات قليلة من المياه لوجود الأمطار، مع استخدام فقط 1000 متر مكعب ماء للفدان".


وقال إنهم "سيزرعون الأرز بالمشروع"، مطالبا بزراعات "صناعية زراعية كالزيتون والنخيل والقمح، بشرط أن تكون الأصناف مقاومة للجفاف والملوحة".


وألمح إلى أنه "طلب من قائد المشروع حساب كفاءة استخدام المياه، أي إن كل متر مكعب من المياه يعطي إنتاجا مقدرا بالجنيه، وليس تقدير المحصول على أساس الفدان، فالعامل المحدد للزراعة هو المياه وليس الأرض".

 

اقرأ أيضا: بعد صمت 7 أيام.. السيسي يتحدث عن قناة السويس


وأكد الأكاديمي المصري، أنه "يجب وضع استراتيجية للاستفادة القصوى من المياه، لأن المشروعات الحالية بـ(الشركة الوطنية) و(مستقبل مصر)، لا تحسب كمية المياه المستهلكة لكل وحدة إنتاجية".


ودعا إلى استبعاد روتين وزارة الزراعة والجهات الأخرى، معتقدا أن المشروع "قد يكون الأمل لإنقاذ مصر إذا أدير عبر إدارة وطنية خبيرة مخلصة لمصر، وليس أهل الثقة والمحسوبية".


وشدد على "أهمية الحوار الشامل حول المشروع، وعدم الاكتفاء بصوت واحد، وضرورة مشاركة كل العقول بمستقبل مصر"، داعيا القيادة السياسية إلى النظر لعلماء الداخل والاستفادة من خبراتهم.


"ينجح بهذه الشروط"


الأكاديمي المصري وأستاذ العلوم الزراعية الدكتور عبدالتواب بركات، قال إن "فكرة زراعة مليون فدان بالساحل الشمالي غربي الدلتا؛ قديمة ونطالب بها منذ عشرات السنين".


الأستاذ المساعد بمركز البحوث الزراعية، أوضح لـ"عربي21"، أن "الأرض مستوية تماما، وخصبة، وتوفر زراعتها مليوني طن من القمح، والأمطار ستوفر المياه اللازمة للزراعة الشتوية، ويحتاج فقط إلى ترعة لتوصيل المياه من أجل رية تكميلية نهاية محصول القمح".


الأكاديمي المتخصص ببحوث التنمية الزراعية، جزم بأن "المناخ يسمح بزراعة المليون فدان كزراعة دائمة طوال العام، وستروى بحوالي نصف مليار أو مليار متر مكعب مياه صرف زراعي مخلوط بمياه النيل في ري تكميلي مع الأمطار".


ويعتقد أن "المشروع يساهم أيضا بتنمية مليوني فدان مراعي بواحة سيوة تستخدم لتنمية الثروة الحيوانية".


لكن بركات، أعرب عن أمنيته أن "يكون النظام أمينا في توزيع الأراضي للشباب الخريجين والمتضررين من صغار الفلاحين والعمالة الزراعية المؤقتة وخريجي المدارس الزراعية وكليات الزراعة، وألا تسقط بقبضة الجيش ورجال الأعمال".


كما أنه أوصى بأن "يخطط المشروع ليكون بالفعل دلتا جديدة، بها تجمعات عمرانية ومرافق وخدمات تمكن من استقرار الأسر الجديدة، لتخفيف الضغط عن الدلتا القديمة من مستشفيات ومدارس ومصانع للمنتجات الزراعية".

 

اقرأ أيضا: لماذا رفض السيسي حفر ممر ثان لقناة السويس بدلا من التفريعة؟


ودعا بركات، إلى "ألا يتعامل النظام مع المشروع بنفس الطريقة الفاسدة التي تعامل بها في مشروع المليون ونصف المليون فدان، ومشروع الصوب الزراعية، والمزارع السمكية".


وأكد أنه "ثبت فشل الجيش في تنفيذ تلك المشروعات، ولم يحل أزمة الفجوة الغذائية، ولم يحقق الاكتفاء الذاتي في أي منها، ما يذكر بإدارة مبارك لمشروع توشكى الذي أنفق عليه 10 مليارات جنيه، ووزعه على رجال الأعمال المقربين والأجانب، واستبعد المستحقين الحقيقيين من صغار المزارعين وخريجي التعليم الزراعي".


"مخزون غذاء الرومان"


السياسي المصري والمهندس الزراعي فؤاد سراج الدين، أكد أن "مجرى النيل القديم بعهد الفراعنة كان يمر في هذه المنطقة وفق صور الأقمار الصناعية"، مشيرا أيضا إلى "سقوط كمية أمطار قليلة لكن معقولة"، ولذا فهو يرى أن "المنطقة صالحة للزراعة".


وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أنها "كانت مخزون غذاء الرومان قديما"، لافتا إلى بحث كتبه منذ عقدين لزراعة مليوني فدان قمح بمياه الأمطار في المنطقة، مؤكدا أنه "مع التوسع الأفقي وزيادة الرقعة الزراعية".


وجزم أيضا، بوجود "خزان مياه جوفي أسفل الدلتا فيه 500 مليار م3 مياه تصلح للزراعة"، ملمحا لضرورة "الري بالرش والتنقيط كحل أمثل يجب تعميمه لتوفير مياه بقيمة مليارات الجنيهات"، مشددا على أن "ري الغمر إهدار للمياه، والنبات لا يستفيد إلا بـ20 بالمئة منه".


عضو ‏حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، يعتقد أنه "يمكن زراعة ضعف هذه المساحة بالساحل الشمالي الغربي، مع تعميم شبكات الري بالرش والتنقيط وتوفير 80 بالمئة من مياه الري بالغمر (البالغة حوالي 30 مليار م3)، وتوفير فعلي لنحو 24 مليار م3".


ولفت إلى أنه ومع ذلك يجب حل "مشكلة سد النهضة، لتفادي خطر نقص المياه خاصة أن سكان مصر بلغوا نحو 105 ملايين نسمة؛ بل إننا نحتاج إلى زيادة حصة المياه، وإصلاح المزيد من الأراضي، والتوسع الأفقي، لأننا نعيش على 9 ملايين فدان تقريبا".


"هل يرى النور؟"


وعلى الجانب الآخر أعرب رئيس حزب "الخضر" المصري، المهندس محمد عوض، في حديثه لـ"عربي21"، عن مخاوفه من أن ينضم المشروع لسلسلة المشروعات الضخمة دون فائدة حقيقية.
وقال: "هناك إعلان عن مشروعات ضخمة، كالعاصمة الإدارية، وتطوير القرى، وتوسيع الدلتا الزراعية، ومفاعل الضبعة، والقطارات السريعة وخطوط مترو الأنفاق، ومعامل تكرير وبتروكيمات، وتحديث السلاح؛ لكن لم يخرج للنور سوى كبارٍ وطرق".

 

اقرأ أيضا: ما سر غياب السيسي عن مواقع الكوارث والأزمات بمصر؟


وتساءل: "هل موازنة الحكومة شملت تكلفة وعائدات هذه المشروعات؟ وهل المشروعات المروج لها أنها قومية تم طرحها لحوار وطني وتمت مناقشة مصادر تمويلها؟ وهل تقرر المشروع وفق دراسات جدوى تؤكد ربحيته، أم إنه مشروع سياسي؟".


عضو مجلس الشورى السابق، أشار إلى أن نتائج غياب تلك التساؤلات يبدو في "تشييد مصر 4 محطات كبرى لإنتاج الكهرباء، نعرض منها الآن للبيع".


وألمح إلى أن "تكاليف المشروعات القومية، تعالج سياسيا بإضافتها على فاتورة الدعم، في حين أن سياسة الحكومة من تشييد ثم بيع، هو عمل تجاري بحت، والشعب يتحمل عبء تكاليف مشروعات يتم بيعها ولا يسترد الشعب ما دفعه، ولا يعلم أين العائد ومقداره؟".


وأكد على ضرورة "التمييز في حديث السلطة السياسية، بين الإعلان السياسي في شأن اقتصادي يهدف إلى تحريك طاقات المجتمع ومقوماته باتجاه معين وفق التزامات دستورية للدولة، وبين إعلان اقتصادي يُفترض أن يهدف للارتقاء بمعدلات التنمية الشاملة، وبين إعلان قرار اقتصادي ينحصر دوره برفع معدلات النمو في قطاع ما".