مقالات مختارة

الإدارة الأمريكية وحدود التغيير

1300x600

أثار التقرير الذي أصدرته الاستخبارات الأمريكية والاتهامات التي وجهها بحق ولي العهد السعودي بتورطه في قضية مقتل جمال خاشقجي، ردود فعل واسعة في داخل المملكة وخارجها، واتضح من خلاله الفارق الكبير في التعامل مع هذا التقرير بين الخبراء والسياسيين السعوديين من جهة ونظرائهم الأمريكيين من جهة أخرى.

وقد تابعت طوال الأسبوع الماضي ما نشر حول هذه القضية في صحف ووسائل إعلام عالمية، فكان موقف الباحثين والخبراء السعوديين من داخل المملكة، ليس فقط رفضه، وهو مفهوم، إنما التقليل من تأثيره على العلاقات بين البلدين، أما الخبراء الأمريكيون أو العرب المقيمون في أمريكا أو أوروبا فقد اعتبروا أنه يمثل تحولا نوعيا كبيرا في توجهات الإدارة الأمريكية تجاه ملف حقوق الإنسان والديمقراطية في الشرق الأوسط، وستكون له تداعيات على مستقبل العلاقة بين والولايات المتحدة والمملكة.

يقينا ملف حقوق الإنسان كثيرا ما وظف سياسيا من قبل إدارات غربية كثيرة، ولم يكن الهدف فقط أو أساسا هو الدفاع عن القيمة العليا، أي حقوق الإنسان، إنما أغراض سياسية مؤكدة، ولكن هذه المرة اختلف الأمر من زاويتين: الأولى أن الإدارة الجديدة تنوي في إطار الدفاع عن المصالح الأمريكية في العالم أن تدمج الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان كجزء من سياستها الخارجية، خاصة أن هناك قناعة لدى كثيرين في الإدارة الجديدة بأن صراعها مع الصين غير الديمقراطية (التي تنجز وتتقدم في العلم والاقتصاد والسلاح) يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيم الديمقراطية في العالم، بما يمثل حماية للنموذج الديمقراطي الأمريكي نفسه، الذي واجه تحديات كبيرة أثناء حكم ترامب، وفي نفس الوقت أكد الرئيس الجديد أن الدفاع عن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان سيكون بأدوات سياسية واقتصادية كجزء من «العودة الأمريكية»، بما يعني أن هذه الرؤية الجديدة يراها بايدن عنصرا جديدا يحقق المصالح الأمريكية، أما الزاوية الثانية فتتعلق بطبيعة الإدارة الحالية وفريقها الجديد بخلفياتهم ومواقفهم السياسية والشبكات الحقوقية والمدنية التي تدعمهم والتي تجعل هناك تربصا مسبقا بأكثر من نظام في العالم العربي ومنها السعودية.

على المملكة ألا تقلل من حجم هذه الموجة، فهي ليست مثل سوريا أو إيران جزءا من التحالف الروسي الصيني، إنما هي شريك استراتيجي للولايات المتحدة، ويجب أن تتعامل (ولا أقول تتبنى) بجدية مع هذه الأطروحات، فالمطلوب عدم تجاهل أي إصلاحات في المنظومة السياسية يطالب بها مثقفون سعوديون مخلصون، بعد أن حققت إنجازات مؤكدة في قضايا الإصلاح الديني.

المؤكد أن السعودية حققت في السنوات الأخيرة إصلاحات لم يكن يُتصور إجراؤها من قبل، عن طريق إصدار تشريعات عززت من المساواة ودور المرأة في المجتمع، وجعلت هناك قاعدة اجتماعية شابة تؤيد هذه التوجهات الجديدة، وهي أمور في حاجة أن تُدعم بمراجعة ملف حقوق الإنسان.

(عن صحيفة المصري اليوم)