مدونات

لا تسبوا.. 2020!

حسام المتيم- كاتب مصري
لا ينكر أحدنا أن عام 2020 كان مليئا بالكثير من الأحداث العاصفة والنوازل الكاشفة والأنباء القاصفة، والمتغيرات المريبة والعادات غير المتوقعة والإجراءات غير المرغوبة عند معظمنا، تغير فيه شكل العالم الذي ألفناه وعرفناه، وتبدلت فيه أحوال الجميع من الصغير إلى الكبير، فها هم صغارنا قد توقفوا عن الذهاب للمدارس والأنشطة والخروجات والرحلات، حتى أصبحت كلمات كالمدرسة أو الفصل والمعلّم غير مفهومة لبعضهم، أو تعني لآخرين الجلوس في البيت أمام أجهزة الحاسوب لحضور الدروس، والاستماع إلى أحدهم عبر برامج التواصل المرئي المختلفة.

أما الكبار فقد عرفوا طريقهم لمفهوم "العمل من المنزل" بشكل لم يكن متوقعا أو مقبولا مسبقا في النظام الرأسمالي العالمي، فصارت الشركات والجامعات بل والدول والمؤسسات والهيئات الدولية تعمل جميعها بشكل افتراضي، فكم من اجتماع دولي تحت مظلة هيئة كالأمم المتحدة قد انعقد (عن بُعد) لاتخاذ قرار دولي مصيري، وها هي جلسات حلف اليمين والقسم لمنح جنسيات بعض الدول الغربية قد تمت عبر برامج الاتصالات المرئية، بينما عقدت كثير من الجامعات جلسات مناقشات عدة لمنح درجات الماجستير والدكتوراه للباحثين بعد مناقشة الأطروحات المقدمة أيضا (عن بُعد).

وفي هذا العام.. 2020، قد بدأت ملامح هذا العالم الافتراضي الجديد تظهر وتؤثر على مناحي الحياة كافة لدى البشر بشكل غير مسبوق، فظهرت مفاهيم كالتباعد الاجتماعي كضرورة ملحة للحفاظ على الأرواح ووقف انتشار الوباء، لقد كان عاما صعبا يضج بالتحديات والدروس والعِبر والاختبارات، مُنعنا فيه من السفر ومن الاجتماع بالأهل والأصدقاء في المسرات والمناسبات، وصار لزاما علينا فيه الالتزام بإجراءات الوقاية وارتداء الكمامات، وأصبحت الأعياد فيه باهتة لغياب الرفقة والمتعة ومظاهر الاحتفالات، وحرمنا فيه من بركة زيارة المساجد والكنائس وغيرها من سائر أمكنة العبادات، وخسر بعضنا خلاله عمله ومصدر رزقه، فانقلبت فيه أحواله وأسرته إلى الضيق والمحنات بعد اليسر والنعمات، ومنّا من فقد فيه صحته وقوته حتى صار قاب قوسين أو أدنى من الممات، وفيه كُتب علينا وداع العديد من الأحباب والفضلاء إلى مثواهم الأخير ممن انقضى أجلهم، فسلّموا الروح لبارئها رب الأرض والسماوات. وكان انتشار الوباء - فيروس كورونا المستجد – في أوائل هذا العام في بلدان العالم كافة عظيم الأثر، وهو على رأس المسببات.

إلا أنه مع الإقرار بثقل هذا العام على النفوس، فلا بد لنا من أخذ العظة والعبرة مما فيه من دروس، وعلينا بالرضى والصبر وتقدير نِعَمِ اللَّه علينا وهي كثيرة لا نُحصيها عددا، فالشكرُ يزيد النِعَمِ والحمدُ يحفظها من الزوال. علينا أن نتقارب إنسانيا، وأن ننشر الأمل والتفاؤل بين الناس، وأن نبذل وسعنا في أن يكون العالم مكانا أجمل وأفضل مما كان لبني البشر وسائر الكائنات، عالم تغيب فيه الأنانية وتكثر فيه المشاركة والمساعدة والتعاون؛ من أجل شيوع مظاهر التنمية والازدهار ومشاعر المحبة والسلام، وعلينا أن نتوقف عن نشر التذمر وعن إطلاق مشاعر الرفض أو السخرية من الأيام والشهور والسنين، وكأنها صاحبة الذنب أو العيب في ما جرى لنا من تغيير صادم، وكأننا نحن البشر الأبرياء المعصومون الذين لا يستحقون هذا الدرس القاسي.

أعزائي القراء:

لا تسبوا.. 2020، فما هي إلا أيام بيد صاحب الأمر والنهي وهو خالق الكون ومقدر الأقدار جل جلاله، ففي الآية الكريمة: يقول الله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (الجاثية: 24).

وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "كانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّمَا يُهْلِكُنَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَهُوَ الَّذِي يُهْلِكُنَا وَيُمِيتُنَا وَيُحْيِينا، فقال الله في كتابه: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ. قال: فَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".

وفي رواية: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر.

وفي رواية: لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر.

قال النووي:

قالوا: هو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: "يا خيبة الدهر"، ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" أي: لا تسبوا فاعل النوازل، فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى.

ومعنى "فإن الله هو الدهر" أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم.


وفي هذا المعنى قال الشافعي:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ
وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضًا عَيانا

*وفي النهاية، أتوجه لكم بخالص التهنئة وأرق التمنيات بالعام الميلادي الجديد 2021، راجيا من الله أن يكتب لنا ولكم فيه السداد والتوفيق والنجاح أجمعين.


twitter.com/ALMOTAIMH
facebook.com/ALMOTAIMH