اقتصاد تركي

قراءة في تكهنات "بشرى أردوغان" وتداعياتها على تركيا

"كاليون" سيساهم مع "كارابينـار" في تقليل العجز التجاري السنوي لتركيا بمقدار 400 مليون دولار- الأناضول

يترقب 82 مليون تركي بشغف الإعلان عن بشرى الرئيس رجب طيب أردوغان، الجمعة، وسط سيل من التكهنات والتسريبات التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التركية والأجنبية.


والأربعاء، قال أردوغان خلال مشاركته في افتتاح مصنع لتقنيات الطاقة الشمسية في العاصمة أنقرة: "نحن نعيش حاليا حلم هذه البشارة. على يقين أن تركيا ستدخل في مرحلة جديدة عبر البشرى التي سنعلن عنها لشعبنا يوم الجمعة المقبل".


وتابع، وفقا لوكالة الأناضول التركية: "سنفتقد حاله التشوق لمعرفتها في حال كشفنا عنها حالا، لذا أعتقد أنه من المفيد عدم كشفها".


وتمحورت غالبية التكهنات حول اتجاه أردوغان للإعلان عن اكتشاف حقول نفط أو غاز إما في البحر الأبيض المتوسط أو في البحر الأسود.


وتكهنت صحيفة "خبر ترك"، في تقرير ترجمته "عربي21"، أن تكون بشارة أردوغان للشعب التركي هي الإعلان عن كشف احتياطات للغاز الطبيعي في حقلين بالبحر الأسود.


ونقلت الصحيفة عن خبراء قولهم إنه تم العثور على غاز من النوعية الجيدة في منطقة "تونا-1"، كما تم العثور على احتياطي غاز آخر قبالة سواحل "قي كوي" في منطقة كيركلار ايلي، في طراقيا التي تشكل مخرج نهر الدانوب (تونا).


وقالت الصحيفة إن أعمال التنقيب تكثفت منذ 15 تموز/ يوليو في المنطقة المسامة "تونا-1" قبالة ساحل البحر الأسود، مشيرة إلى أن تركيا كانت تواصل مساعيها للحصول على احتياطات الهيدروكربون في البحر الأسود منذ سنوات عديدة، ومنذ فترة انتقلت سفينة التنقيب "فاتح" التي كانت في ميناء طرابزون، للعمل في حقل "تونا-1" وباشرت أعمالها.


وفي تكهن مماثل، نقلت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية عن مصدر تركي رسمي رفض الكشف عن اسمه، توصل تركيا إلى اكتشاف حقل كبير للطاقة في البحر الأسود وليس في شرق المتوسط، قائلا إن البشرى تتعلق على الأغلب بحقل غاز كبير في البحر الأسود.

 

اقرأ أيضا: تركيا تكتشف مصدرا للغاز الطبيعي في البحر الأسود.. تفاصيل

ورغم تسليم الكثير بالتكهنات والتسريبات بأن البشرى تتعلق باكتشافات للطاقة سواء كانت غازا أو نفطا، لكن لا يزال الغموض يكتنف حجم هذه الاكتشافات المتوقعة أو عمقها، وموعد الاستخراج، ونسبة تغطيته لحجم الاستهلاك المحلي، وكذلك انعكاسه على خريطة الطاقة خاصة بمنطقة شرق البحر المتوسط في ظل صراع كبير تخوضه تركيا مع عدد من دول المنطقة، ومحاولة كل دولة الاستئثار بأكبر قدر ممكن من ثروات البحر المتوسط.


وبافتراض صحة التكهنات بأن بشرى أردوغان تتعلق باكتشافات الطاقة وليس بأي شيء آخر، تتبعت "عربي21" الإحصاءات الرسمية لسوق الطاقة في تركيا سواء من حيث حجم الاستهلاك أو فاتورة الاستيراد لمعرفة التأثير المتوقع للبشرى المزعومة على تركيا والشعب التركي.


وأظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي (TÜİK)، أن فاتورة الطاقة تستحوذ على الحصة الأكبر من إجمالي واردات تركيا التي بلغت 202.7 مليار دولار بقيمة وصلت في 2019 إلى 41.18 مليارا (أي نحو 17 بالمئة من إجمالي فاتورة الواردات).. وهو ما يعني أن حجم البشرى يتوقف على حجم مساهمة الاكتشاف الجديد في تخفيض هذه الفاتورة الباهظة.


يشار إلى أن حجم الصادرات التركية في 2019 بلغ 180.8 مليار دولار أي أن العجز التجاري بلغ نحو 22 مليار دولار في نهاية 2019، قبل أن ينخفض إلى 17.76 مليار دولار في تموز/يوليو 2020 بعد زيادة حجم الصادرات أكثر من 8 بالمئة على أساس سنوي.


وتوقعت هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا (EPDK) أن يبلغ حجم الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي نحو 52 مليار متر مكعب مع نهاية عام 2020، دون أن تعلن عن الاستهلاك الفعلي للعام 2019. وتقدر بعض الدراسات أن ينمو الاستهلاك المحلي في تركيا من الغاز الطبيعي إلى 70 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.


وفي المقابل تنتج تركيا نحو واحد بالمئة فقط من احتياجاتها من الغاز (أقل من 400 مليون متر مكعب سنويا)، وتحتل المرتبة 73 في قائمة الدولة المنتجة للغاز، لذا فإن أي اكتشاف جديد سيكون مهما بالنسبة لتركيا لتغطية نسبة أكبر من احتياجات السوق المحلي.

 

اقرأ أيضا: "الفاتح" تبدأ أول عملية تنقيب في البحر الأسود


وسعت تركيا على مدار السنوات الماضية إلى تخفيض فاتورة الواردات وخاصة فاتورة استيراد الطاقة، بما فيها الغاز والنفط، عبر زيادة مصادرها المحلية من الطاقة المتنوعة. وأمس الأربعاء افتتح الرئيس أردوغان أول مصنع لتقنيات الطاقة الشمسية "كاليون".


ومن المتوقع أن ينتج المصنع الجديد، بحسب وسائل إعلام تركية، ألواحا شمسية بقدرة 1000 ميغا وات لمحطة الإنتاج الشمسية "كارابينـار" في قونيا، وبذلك سيتم بناء 70 بالمئة من المحطة بمنتجات محلية، ومع دخول محطة "كارابينار" في العمل ستزيد نسبة إسهام الطاقة الشمسية في الإنتاج الكهربائي التركي بمقدار 20 بالمئة. وسيساهم ذلك في تقليل العجز التجاري السنوي لتركيا بمقدار 400 مليون دولار.


وقال وزير الطاقة التركي فاتح دونمز في كانون الثاني/ يناير، إن تركيا زادت حصة الموارد المحلية والمتجددة لإنتاج الكهرباء في البلاد، لافتا إلى أن إنتاج الكهرباء من المصادر المحلية والمتجددة في عام 2019 بلغ 62 في المائة مقارنة بـ 49 في المائة في 2018، بزيادة 13 في المائة.


يذكر أن تركيا كانت قد سجلت أسرع نمو في الطلب على الطاقة خلال السنوات العشر الماضية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومن المتوقع أن يزيد استخدام تركيا للطاقة بنسبة 50 بالمئة خلال العقد المقبل.


ونقلت صحيفة "يني شفق" التركية عن رئيس جمعية اقتصاد الطاقة البروفسور غوركان كومبار أوغلو، تقديره أن تدخل اكتشافات الغاز التركية المتوقعة إلى السوق المحلي في غضون عامين مستدلا على ذلك بحقل ليفياثان الإسرائيلي للغاز، الذي بدأ نقل الغاز الموجود به نحو البر خلال العام 2019، أي بعد عامين من اكتشافه.


واعتبر الخبير التركي كومبار أوغلو، أن العديد من الدول حول العالم حينما تقوم بأعمال البحث والتنقيب عن الثروات، تستعين بشركات أجنبية تتقاسم معها ما يتم اكتشافه على أساس مئوي، إلا أن تركيا نجحت في أن تصنَع شركاتِها الخاصة وعبر سفن محلية الصنع بشكل تام.


وأشار كومبار أوغلو إلى أن ذلك سيعود بالفائدة على تركيا بأضعاف أكبر دون أدنى شك، مرجحًا أن تكون هذه الميزة خطوة مهمة على صعيد بزوغ شركة طاقة دولية مصدرها تركيا.