قضايا وآراء

الأمن الوطني- الأمن القومي- الأمن الدولي.. إطار مفاهيمي

1300x600

تبرز أهمية الموقع الجيواستراتيجي للوطن العربي، والذي عرضه إلى الكثير من الأزمات والنزاعات وذلك بسبب الأطماع من قبل دول إقليمية (إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا...) وعالمية (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وبريطانيا...) أثرت على رسم السياسات على الصعيد الأمني والاقتصادي والسياسي للمنظومة العربية. أي أن هنالك مؤامرات تحاك ضد هذه المنظومة من أجل السيطرة على هذه المناطق كونها تمثل قلب العالم.
 
على ضوء ذلك برزت تهديدات جديدة من دول كثيرة إقليمية ودولية بالإضافة إلى فاعلين من غير الدول كالتنظيمات المسلحة (القاعدة ثم داعش، والمليشيات باختلافها). ومن أبرز التحديات تفتيت وتجزئة الأمن القومي العربي إلى أمن قطري، حيث تعيش الأمة العربية وضعا خطيرا في ظل تكالب القوى الإقليمية والدولية وتشكل تهديدا على الأمن القومي العربي الذي بات أكثرا انكشافا منذ انبثاق مفهوم القومية العربية بداية القرن العشرين.

وفي ظل هذه الأزمات فإن مستقبل الأمن القومي العربي بات غامضا وغير محدد المصير، وليس هناك تجاوب من الدول العربية وأنظمتها الحاكمة لحل قضايا هذا الأمن. 

فهل تعي الأنظمة الحاكمة هذه المخاطر؟

من هنا تبرز أهمية دراسة مفهوم الأمن القومي والأمن الوطني وعلاقتهما بالأمن الجماعي، والأمن الإقليمي والأمن الدولي وأدوارهما في تحقيق الأمن واستقرار العالميين. وإبراز أهم التحديات التي تواجه الدول العربية في ظل المتغيرات الدولية. وأسس بنية الأمن القومي اللازمة من أجل إعادة الأمن وتكوين دولة قوية قائمة بذاتها. وتسعى الدول إلى تبني نظرية صحيحة من أجل بناء خريطة أمنية قومية عربية مستقلة بدون تدخلات خارجية. ثم وضع الآليات المقترحة من أجل التخلص من كل المشاكل الأمنية التي حلت بالمنطقة والتي تهدد مستقبل الأمن القومي العربي، في ضوء الركون إلى التركيز على الأمن الوطني والاهتمام بمنظومة أمنية قطرية بدأت بوادر التنافس القطري في تحصين الأمن الداخلي ضد الدول الشقيقة بدل تحصين الأمن القومي ضد الدول التي تهدد الأمن القومي العربي كما ذكرت أعلاه. 

وباعتبار أن الأمن الوطني مرتبط بأرض الدولة القطرية فقط والأمن القومي مرتبط بالأمة العربية، فقد أحال ذلك إلى تفكك وإضعاف منظومة الأمن الوطني والأمن القومي معا، فالأمن القومي العراقي لا ينفصل عن الأمن القومي المصري ولا عن الأمن القومي المغربي والأمن القومي العماني والأمن القومي السوري وهكذا، يكمل بعضهم بعضا، أي أن الأمن الوطني لأي دولة عربية جزء من الأمن القومي العربي.

 

باعتبار أن الأمن الوطني مرتبط بأرض الدولة القطرية فقط والأمن القومي مرتبط بالأمة العربية، فقد أحال ذلك إلى تفكك وإضعاف منظومة الأمن الوطني والأمن القومي معا،

 



فالأمن الوطني هنا هو قدرة الدولة على حماية أمنها الداخلي وحماية المواطن معا، أي حماية أراضيها وشعبها ومصالحها وعقائدها وثقافتها واقتصادها من أي عدوان خارجي بالإضافة إلى قدرتها على التصدي لكل المشاكل الداخلية والعمل على حلها واتباع سياسة متوازنة تمنع الاستقطاب وتزيد من وحدة الكلمة وتجذير الولاء والانتماء للوطن والقيادة.

إن الحديث أولا عن الأمن الوطني الذي هو بالأساس الأمن الداخلي والذي يتحقق عبر حماية المواطن من خلال الأمن المجتمعي بالقضاء على الجريمة التي تهدد أمنه واستقراره بوجود مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية قادرة على ضبط الأمن الداخلي وبوجود قوى مساعدة تحقق سلطة القانون والقضاء والادعاء العام ومؤسسات مجتمع مدني مساندة وحس أمني وطني يعي تلك المخاطر.
 
بدأ الأمن الوطني يتعزز بمنطوق الأنا علما أنه لا يتحقق أمن وطني قوي دون إطار أمن قومي عربي متين وهو بدوره يقوي الأمن الدولي ضد كل دولة تحاول المساس بهذا الأمن، كان نتيجة ذلك تحالفات متعارضة متشابكة شرذمت وقسمت الصف العربي إلى أقسام متنافرة أبانت عنه الأزمة القطرية ـ الخليجية والصراع في سوريا واليمن وليبيا.. فقد كشفت هذه الأزمات هشاشة الأمن الوطني والأمن القومي والأمن الإقليمي وعرت القيم والعقائد الراسخة لمفهوم الوطن العربي الكبير، بل إن بعض الدول تمادت في تحالفات بالضد من دول عربية أخرى حتى وصل الأمر إلى التحالف مع الكيان الصهيوني، والتحالف مع تركيا، والتحالف مع ايران، ضداً على ضد الآخر.

ويبقى الخاسر من تلك التحالفات هو واقع الأمة المرير وضبابية مستقبل الدول العربية، حيث تم الاستفراد بالدول فرادى وتباعا من أجل إضعاف واستهداف الدول القوية عبر مراحل استراتيجية مدروسة بدءاً من العراق الذي تم اصطياده عبر الكثير من الحلقات المتسلسلة عبر جره إلى الحرب العراقية ـ الإيرانية ثم مصيدة احتلاله للكويت في 2 اب (أغسطس) 1990، وما تلاه من قرارات جائرة وحصار ظالم الهدف إضعاف العراق وانهياره، وحين فشل ذلك تم اتخاذ قرار غزوه واحتلاله في 9 نيسان (أبريل) 2003. وكان العراق الحلقة الأقوى في منظومة الأمن القومي العربي لما يمتلكه من طاقات وثروات وعقول علمية ومؤسسة عسكرية كبيرة، وبانهياره انهارت منظومة الأمن القومي العربي كقطع الدومينو، وتداعى الأمن الإقليمي عبر التدخلات في الشؤون الداخلية للدول وبروز التنظيمات الإرهابية التي باتت أقوى من الدولة.

 

الأمن العربي بعد ثورات الربيع

ومع انطلاق ما سمي بثورات "الربيع العربي" انهارت منظومة مؤسسات الدولة عبر بروز تيارات حاكمة ليس لها الخبرة الكافية لقيادة الدولة، مع تمسك الأنظمة العسكرية الشمولية بالسلطة وعدم التفريط بها، مما ولد تفكك منظومة الأمن الداخلي لبعض الدول التي انهارت أنظمة الحكم فيها تبعها نزاعات على الهيمنة على الحكم وتدخلات من أطراف ضد أطراف أخرى، وظلت جامعة الدول العربية عاجزة بل أصبحت كالمتفرج لا حول لها ولا قوة ليس لها إلا التصريحات هنا وهناك، وفشلت أغلب القمم التي تعقدها ولا تتوصل لأي حل يعيد مكانة الدولة العربية القوية الواحدة، مما دعا بعض المثقفين والباحثين إلى المطالبة بإصلاح جامعة الدولة العربية وإعادة هيكليتها ومقرراتها عبر العديد من القرارات والإجراءات التي من شأنها توحيد الرؤى والآمال في وحدة الصف العربي بوجه الأعداء والطامعين فيه.

 

على المجتمع الدولي بناء تصور جديد ينبني على تقوية سلطة القانون الدولي لحماية النظام الدولي من أي هيمنة لأي قوى كبرى وإنما يكون الفاصل لتحقيق العدالة الدولية لجميع الدول، وعبر إصلاح منظومة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن وهيكلته من خلال التوزيع العادل للمقاعد بين دول العالم. وعندما يتحقق الأمن الدولي سيكون هناك توافق ليتحقق الأمن القومي والأمن الوطني معا.

 


إن إعادة النظر في تفعيل دور اتفاقية مجلس الدفاع العربي المشترك وهو المجلس الذي تأسس، بموجب المادة (6) من اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام (1950)، وإعادة إحياء دور الجامعة الدول العربية والاستفادة من عدم استقرار النظام الدولي بسبب التنافس الأمريكي ـ الروسي ـ الصيني على المنطقة.

وإن تعزيز التعاون مع الدول الإقليمية وخاصة دول الجوار العربي وبناء علاقات سياسية واقتصادية متبادلة ومتوازنة تراعي مصالح الطرفين، كلها منعطفات تساهم في تقوية الأمن القومي العربي. 
                                                                                                      أما الأمن القومي العربي فهو مفهوم واسع ومتشعب يرمي إلى قدرة الأمة العربية على حماية كيانها الذاتي العربي من خلال نظامها السياسي الموحد افتراضا من خلال القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية من كل خطر يهددها مباشر أو غير مباشر أي (توحيد قوى تلك الدول في بوتقة واحدة) وبهذا يبدو الأمن القومي العربي عاطفيا أكثر من كونه مطلبا مادياً.

ويرى بعض الباحثين بأن الأمن القومي أصبح مرادفا للأمن الإقليمي على الرغم من الاختلاف الجذري بينهما.. فالأمن القومي العربي مرتبط بالدول العربية فقط أما الأمن الإقليمي وهو ما تروج له الدول الغربية أي إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مرتبط بدول غير عربية كالكيان الصهيوني وتركيا وإيران وربما دول إفريقيا محاذية كأثيوبيا مثلا التي باتت تشكل تهديدا للأمن القومي المصري والسوداني من خلال إقامة سد النهضة.
 
أي تحويل مفهوم الأمن القومي العربي من مفهوم أيديولوجي إلى مفهوم جغرافي، وهذا بحد ذاته يعتبر خرقا للأمن القومي العربي. لأن ما يجمع مفهوم الأمن القومي هو بالأساس وحدة الأمة العربية والانتماء والمصير الواحد كما يصفه الدكتور علي الدين هلال في دراسته تحديات الأمن القومي العربي في العقد القادم (1986).

بينما يرى الأستاذ جيراد ديسوا (2014) بأن تشطي الفضاء العربي إلى دول وطنية متعددة متجذرة سياسيا وثقافيا، بينما الأمة العربية تبقى أسطورة من دون جهاز دولة مستقر يقوم على خدمتها، مع أن هناك بعض المحاولات الفاشلة لتحقيق الوحدة العربية من خلال القناعة والتفاعل، وهو هنا يقرب مفهوم الأمن القومي العربي بأنه "قدرة الأمة العربية مجتمعة على مواجهة كل التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية التي تواجهها والتغلب عليها، وصيانة استقلالها ووحدتها عبر مقوماتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ..".

وإذا كانت منظمة الأمم المتحدة تسعى إلى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وفق البند السادس والسابع من الميثاق وباختصاص جهاز مجلس الأمن الدولي المناط به هذه المهمة لتحقيق الأمن الدولي وهو الأمن المرتبط بالأمن الجماعي ضد أي تهديد يمس المجتمع الدولي، وقدرة المنتظم الدولي على مواجهة النزاعات والحروب بين الدول والحروب الأهلية وحركات التمرد ومكافحة الإرهاب، ومنع استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية. وعلى الرغم من جهود الأمم المتحدة في تحقيق الأمن الدولي إلا أنها قد تخضع تحت ضغوط الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لتطويع مقررات مجلس الأمن لصالحها ويصبح أمنها الوطني باعتباره الأمن الدولي أو العكس وهو ما خلق ازدواجية والكيل بمكيالين اتجاه القضايا العربية خاصة.

على الرغم من تشابك المفاهيم إلا أنها تصب في خانة واحدة وهي تحقيق الأمن والاستقرار بعيدا عن المصالح التنافسية بين الدول التي تهدد وتزعزع هذا الأمن وتؤدي إلى نزاعات وحروب بين الدول تكون نتائجها وخيمة على المجتمع الدولي وتتعرض حقوق الإنسان إلى انتهاكات جسيمة. 

لذا على المجتمع الدولي بناء تصور جديد ينبني على تقوية سلطة القانون الدولي لحماية النظام الدولي من أي هيمنة لأي قوى كبرى وإنما يكون الفاصل لتحقيق العدالة الدولية لجميع الدول، وعبر إصلاح منظومة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن وهيكلته من خلال التوزيع العادل للمقاعد بين دول العالم. وعندما يتحقق الأمن الدولي سيكون هناك توافق ليتحقق الأمن القومي والأمن الوطني معا.

*أستاذ القانون الدولي وإدارة الأزمات والنزاعات الدولية- جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع