قضايا وآراء

أمريكا.. والاضمحلال الذي يتوالى

1300x600
من أقوال عمنا بيدبا في كليلة ودمنة التي ترجمها للعربية وصاغها ابن المقفع: لا يزال الإنسان مستمرا في إقباله ما لم يعثر، فإذا عثر لج به العثار وإن مشى في جدد الأرض، أو كما يقول المصريون "يتكعبل على الأسفلت". ويبدو أن هذا ما يحدث الآن مع أمة "هوليود الكرتونية" المعروفة تاريخيا باسم "الولايات المتحدة الأمريكية"..

الوصف السابق قاله باتريك بوكانان (81 عاما) في كتابه الشهير "موت الغرب" الذي صدر عام 2001م والذي قال: فيه أمة أوجدتها الظروف وأنشأها المال من الممكن أن تزيلها الظروف أو يتخلى عنها المال، فتختفى من الوجود دون أن يخسر الوجود شيئا..". هكذا قال الرجل الذي عمل مستشارا لثلاثة رؤساء: نيكسون وفورد وريجان.

لم يكن ينقص أمريكا في هذا التوقيت الأليم الذي تمر به (100 الف متوفى من كوفيد- 19 حتى يوم الخميس الماضي) إلا حادث قتل الأمريكي الأسود الأعزل "جورج فلويد"، ليكون الشرارة التي تشعل لهيبا لا يلبث إلا أن يتحول إلى حريق كبير من نيران لا يبدو أنها ستنتهي سريعا.

المشهد الذي استغرق عشر دقائق للشرطى الأبيض وهو يضغط بركبتيه على عنق "جورج" الذي يقول له "لا أستطيع التنفس" وشاهده العالم كله.. هذا المشهد يخيّل إليك أنه يندرج تحت تعريف "الحدث المؤامرة". لم نفق بعد من سؤال كوفيد- 19: هل هو مفاجأة أم مؤامرة؟ إلا لنرى حادثا يخيل إليك من هول أحداثه وما أعقب أحداثه إلا أنه من الممكن أن يكون كذلك.. لكنه للأسف ليس كذلك، لسبب بالغ البساطة وهو أنه حدث في العام الماضي (2019م) 1014 مرة.. لـ1014 "جورج".. كما ذكرت الواشنطن بوست.

الرئيس الأمريكي الـ45 "دونالد ترامب" الذي أدخل ويدخل بلاده في منعطفات مليئة بالحزن والأحزان، مخلوق مشؤووم حط على رؤوس الأمريكيين ذات ليل بهيم. فمن أول يوم دخل فيه البيت الأبيض على يد العنصريين واليمينيين وهو يستحق كل هذه الإهانات التي يتلقاها بجرعات منتظمة من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي (80 عاما). ولا ينسى أحد حين استبد بترامب سعار القبح مهاجما الرئيس السابق أوباما ومطالبته له بالعودة إلى كينيا، مسقط رأس والده! وهو ما ترجمه الشرطي القاتل بركبتيه على عنق جورج..

رئيس متهور وثأري، يأخذ بلاده حرفيا من اضمحلال إلى اضمحلال.. ومن كوارث إلى كوارث: كيف جاء هذا المهووس الرافض للتاريخ والديمقراطية والمؤسسات والتعاون الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية؟؟!!

* * *

المؤرخ البريطاني المعروف بول كيندي (75 عاما) قال في كتابه الهام "سقوط القوى الكبرى" والذي صدر عام 1987م: إن الأمريكيين كانوا على وشك أن يلقوا المصير نفسه الذي لقيه البريطانيون في نهاية القرن التاسع عشر، ألا وهو الاضمحلال كقوة عالمية.. لكن لأسباب كثيرة فإن هذا الاضمحلال يحدث ببطء وهدوء (طبعا على يد ترامب الآن لم يعد بطأ ولم يعد هدوءا)..

كثير مما حدث قبل انهيار الإمبراطورية الرومانية والإنجليزية آنذاك يحدث الآن: طبقة وسطى مضمحلة، انتشار للترف والانحلال، فقدان الوطنية الجامعة، وهكذا.. أعراض الاضمحلال تقوم دليلا على الاضمحلال ذاته.

وفي كتابه المعروف "قضايا العرق" الذي صدر عام 1993، استخدم الفيلسوف والأكاديمي كورنل وست (67 عاما)، صاحب الرؤية المهمة لأزمة السود في أمريكا (هو نفسه أسود).. استخدم تقريبا نفس الصورة التي رسمها "بول كيندي" كخلفية للحديث عن أزمة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، والتي وصفها بأنا "أمة تتدلى هكذا بلا جذور".

* * *

تقول الحكاية أنه في 1 كانون الأول/ ديسمبر 1955، وفي مدينة مونتجمري بولاية ألاباما تم القبض على سيدة تدعى "روزا باركس" (توفيت عام 2005م)، فقد ارتكبت جرما جريما، إذ جلست في الصفوف الأولى لحافلة.. ليس هذا فقط، بل ورفضت التخلي عن مقعدها لأمريكي أبيض في نفس الحافلة.

فقرر زملاؤها مقاطعة حافلات المدينة واتسعت المقاطعة (لتحدث قصة من أكثر قصص الكفاح تأثيرا في التاريخ الإنساني). فقد قرر 50 ألف أمريكي أسود السير يوميا على أقدامهم من منازلهم إلى أعمالهم لمدة 381 يوما.. وبالطبع تم السجن والضغط والملاحقة والإنذار بالفصل، وكل تلك الأساليب البالية القديمة والتي وصلت إلى إلقاء القنابل على كنائس السود.

وتحدثت أمريكا كلها في هذا الوقت بما يحدث في مونتجمرى وقتها، وانتهى الأمر بأن قامت المحكمة العليا بحظر الفصل العنصري في وسائل النقل العام، وفي 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، حيث قضت المحكمة بالمصادقة على حكم محكمة محلية بأن الفصل في الحافلات العاملة داخل حدود ألاباما غير قانوني؛ لأنه يحرم الناس من الحماية المتساوية التي نص عليها التعديل الرابع عشر في الدستور الأميركي.

وكانت تلك الخطوة من أوسع الخطوات للأمام في اتجاه حصول الأمريكي الأسود على كافة حقوقه المدنية، بما فيها حق التصويت الانتخابي الذي صدر عام 1965م.

* * *

شهدت الخمسينيات والستينيات صراعا كبيرا وصفوه بـ"صراع أمريكا مع نفسها"؛ بين السود الذين يطلبون المساواة التي شرعها الله بين الناس، والبيض الذين يرفضونها. وفي عام 1963 شهدت البلاد أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، اشترك فيها ما يقرب من 250 ألف أمريكي، منهم نحو 60 ألفا من البيض، وتوجهت إلى النصب التذكارى للنيكولن، الرئيس الـ16 لأمريكا والمعروف في تاريخها بتحرير العبيد. يومها ألقى مارتن لوثر كينج أروع خطبه على الإطلاق.. "لدي حلم"، والذي يعد أيقونة في تاريخ الظلم والمظالم والكفاح العنيد لنيل الحرية والكرامة: "لدي حلم بأن يوما من الأيام.. أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب.. لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم.. ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".

وفي نفس السنة صدر قانون "الحقوق المدنية" للمساواة بين جميع المواطنين الأمريكيين بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين، وهو القانون الذي رعاه الرئيس جون كينيدي الرئيس الـ35 لأمريكا، وصدر فعليا بعد اغتياله في نفس السنة.

كان من رموز تلك الفترة التاريخية في أمريكا، من دعاة الحقوق المدنية، السود الزعيم المسلم مالكم إكس (قتل في 1965م)، والذي يعد من أعظم الأمريكيين الأفريقيين تأثيرا في التاريخ الأمريكي، طبعا مع مارتن لوثر كينج (قتل عام 1968م).

على الجانب الآخر لا ينسى الأمريكيون "إدجار هوفر" (توفي عام 1972م)، أول رئيس لمكتب التحقيقات الفيدرالي الذي تأسس عام 1924، وبقي على رأسه حتى وفاته، وحاكم ولاية ألاباما التي تتبعها مدينة مونتجومري "جورج والاس" (توفي 1998م) الذي بقي على نفس قناعاته بالفصل العنصري!

بعد صدور هذا القانون الشهير، اعتقد الأمريكيون السود والبيض أنهم تجاوزوا تلك المرحلة البائسة المشينة على أرض الحرية والأحلام..

لكن صوت "جورج" المكتوم تحت ركبة الشرطي العنصري يوم الاثنين الماضي (25 أيار/ مايو) وهو يستغيث "لا أستطيع التنفس.." أعاد ذكريات الوجع، ليس فقط للأمريكيين السود، ولكن لكل المحرومين من العدل والمساواة. ما أقسى وما أذل وما أفظع.