مدونات

أطلنطس أفريقيا

أفريقيا مالي فرنسا الإسلام
للمدن تاريخ وللصحراء سحر، فماذا ينتج عندما يجتمع التاريخ والسحر؟!

إنها تمبكتو أسطورة التاريخ الساحرة. تأسست تمبكتو في نهاية القرن الخامس الهجري، أسسها الطوارق، وهم من أطلقوا عليها هذا الاسم نسبة إلى العجوز "تين بكتو"، شخصية مشهورة لدى القبائل المحلية.

وخلال مئتي عام صارت مدينة ثرية تقع على خطوط تجارة الملح والذهب القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، ظل الأوربيون وخاصة الإنجليز لقرون يحاولون الوصول إلى المدينة الحلم التي كانت تعتبر مكانا أسطوريا يشتهر بالتجارة والثراء، لرغبتهم أن تمنحهم أفريقيا نفس القدر من الثراء الذي حصلت عليه إسبانيا من أميركا الجنوبية.

فكثيرا ما سمعوا عنها في المخطوطات العربية خلال العصور الوسطى. ولذا فإنهم كانوا يعرفون بها، لكنهم لم يصلوا إليها لعدم سماح سكانها بذلك، حيث يعتبرونها مدينة مقدسة لا يسمح للأجانب بالتواجد فيها أو دخولها، لكن في عام 1830 تمكن أول أوروبي من دخولها وهو، الفرنسي رينيه كايلي، متنكرا بالزي الإسلامي.

جوهرة الصحراء المتربعة على الرمال هي حاضنة الإسلام في الصحراء الكبرى ومنارة للعلم فيها، حيث تعتبر مالي إحدى دول غرب القارة الأفريقية التي قامت بها حضارات وممالك إسلامية لم نسمع بها، وقد حرصت على توسيع الرقعة الإسلامية ونشر الفكر الإسلامي الصحيح. وأكدت الدراسات الإسلامية المعاصرة أن الإسلام عرف في مالي منذ قرون وعثر في مدينة "تمبكتو" على وثائق ومخطوطات تاريخية تصل إلى 700,000 مخطوطة أكثرها بالغة العربية أو بلغات محلية كتبت بالحروف، العربية ولكن بسبب الاحتلال الفرنسي فان أغلب المتعلمين في مالي يدرسون بالفرنسية ولا يجيدون العربية وبالتالي تم تجاهل المخططات من قبل الشريحة المتعلمة في البلاد، وأغلب تلك المخطوطات للأسف في وضع مزر ومهددة من العواصف الرملية والنمل الأبيض

وتؤكد هذه الوثائق أن تمبكتو صارت في مصاف كبريات مدن العصر كقاهرة المعز، والآستانة، وفاس وغيرها من المدن. ويعتقد البعض أن ذلك النشاط تضاعف كثيرا بعد سقوط آخر معاقل الأندلس وهو مملكة غرناطة، وسكان تمبكتو كلهم مسلمون وأشهر القبائل التي تقطن المنطقة هي: قبيلة الأنصار التي ظهر فيها المجاهد الشهير محمد علي الملقب انقونا، الذي قاوم المستعمر الفرنسي عند اجتياحه للمنطقة إلى أن قام الفرنسيون باغتياله عام 1897.

وقد بدأت تمبكتو بلفت الأنظار إليها كمركز إشعاع علمي بعد رجوع إمبراطور مالي "مانسا موسى" من رحلة الحج الشهيرة التي قام بها عام 1325م، ووزع في طريقه إليها آلافاً مؤلفة من سبائك الذهب، وقد أمر السلطان الشاعر الغرناطي الملقب بالسهيلي بتصميم جامع كبير والإشراف عليه (هو جامع تمبتكو)، وكان أول نواة لبناء صرح علمي في تمبتكو تحول بمرور الأيام مركزا للعلم. وكما كانت مركزا للعلم كانت مركز لتجارة أفخر بضائع الدنيا حيث كان التجار يقايضون فيها الحرير والتوابل والنحاس الأحمر، ببضائع مملكة مالي الفاخرة. وكانت أغلى سلع تمبكتو هي الكتب، كما كانت من أكثر مدن أفريقيا تصديرا للماس والذهب والعاج وريش النعام، إضافة إلى ملح صحراء "أزواد".

وقد ظلت تمبتكو صامدة أمام كل الأهوال التي تعصف بها منذ القرن الثالث عشر إلى أن دخلها المستعمر الفرنسي في أوائل القرن التاسع عشر واحتلها وأطفأ شعلتها، وبنفس السياسة القديمة الحديثة تعاملت فرنسا مع سكان مالي "فرق تسد". أغلب سكان شمال مالي هم من الطوارق وهي قبيلة تعيش في ظروف أقرب إلى صحراء الجزيرة العربية، فالطوارق أقرب إلى البدو في قسوة الحياة والرعي وجلد الرجال والقدرة على استخدام السلاح للحماية من السرقة ووحوش الصحراء، وجميعهم مسلمون، ويلقبون أنفسهم بحماة الصحراء، وقد أرهقوا فرنسا بمقاومة كبيرة مع بداية غزوها للمنطقة في القرن العشرين، العصبية والقبلية عندهم كبيرة ويشعرون بظلم لعقود بأن سلم المحتل الفرنسي حكمهم للجنوبيين السود، فهم لا يقبلون نفسياً أن يحكمهم أفريقي أسود وقد همشوا لعقود فتراكمت في نفسيتهم الرغبة في الثورة وأعلى درجات مطالبهم أن تجمعهم دولة في الصحراء.

ولأنهم يميلون للعرب كانوا قد طالبوا فرنسا بأن تضمهم للجزائر إلا أنها رفضت، مستمرة في سياسة زراعة الكراهية والتفرقة لإيجاد طريق لإعادة الغزو من جديد، كما نرى الآن من تواجدها ودعمها الكامل لبعض الأفارقة ضد المسلمين.

لكن لم مالي التي تستميت عليها فرنسا حتى يومنا؟

علمتنا السياسة الغربية عبر تاريخها أن المصلحة والصراع هما أساس حركتها. ففرنسا لا تسمح أن يشاركها أحد في ما تظنه منجمها الأفريقي، حيث يرى بعض المحللين أن التدخل الفرنسي في مالي جاء بهدف الحفاظ على مصالحها الغربية في غرب أفريقيا من ثروات معدنية ضخمة كالبترول والفوسفات والحديد وأهمها اليورانيوم من النيجر شمال شرق مالي، والذي يزود أكثر من ثلث محطات الطاقة النووية لشركة "أو دي إف" للكهرباء في فرنسا. كما يعد اليورانيوم من أهم مصادر الثروات الطبيعية في مالي نفسها، ويتركز في منطقة "الشمال" التي يسيطر عليها مسلمو الطوارق أكثر من نكلت بهم فرنسا، ويبلغ مخزونه بتلك المنطقة 100 مليون طن حسب تقديرات خبراء.

كما صارت هناك منافسة شرسة بين عدة دول كبرى لاستخراج البترول في إقليم "تومبكتو" في مالي، ومنها الصين وجنوب أفريقيا وأمريكا، فالاستفادة من ثروات مالي التعدينية هي المحرك الرئيس للتدخل الفرنسي العسكري، وبالإضافة إلى اليورانيوم والنفط، فإن مالي تمتلك مخزونا كبيرا جدّا من الذهب، فهي ثالث أكبر منتج له في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا.

لذا ففرنسا كدأبها تستميت لكي لا تقوم مالي من سباتها وتستعيد مكانتها العلمية والاقتصادية لتظل تحت نير استعمارها ماصة لكل خيراتها وأول من تقاتلهم بشراسه هم مسلموها الذين ظلوا طيلة الوقت الشوكة التي تؤلمهم ولا تنكسر.

هذه قصة تمبكتو أطلنطس أفريقيا فكما اختفت مدينة أطلنطس تحت الماء وظلت خالدة في أساطير تروى للعالم، كذلك هي تمبكتو أطلنطس أخرى ولكنها غرقت تحت الرمال والإهمال ومع ذلك ظلت خالده داخل من زارها أو قرأ عنها، فهل ستستطيع الماسة السوداء أن تنفض عنها رمال التصحر وغبار الاحتلال  أم ستظل كالعجوز التي سميت باسمه (تين– بكتو) تقتات من تاريخها، وتساير الزمن بما تبقى لها من ذكريات الماضي؟