قضايا وآراء

البراح لفرحة "عمر وأمنية".. والحرية لـ"أرواحنا"

عبد الوهاب شعبان
1300x600
1300x600
دلالة الفستان الأبيض لها وحدها، حيث يتسق في لحظة فارقة، نقاء الثوب، والقلب، فيتبلور بهما، مشهد مقسوم على ملمحين، "أمنية" اللقاء المؤجل، وحلم "الفرحة" العالق في قلب "عمر عبد المقصود".

علمتنا "أمنية مجدي" أن الأمنيات في هذا الوطن ليست سرابا، يحسبه الظمآن ماء، وأن ثمة أمنيات راسخات، كثبات القابع خلف جدران صماء، وحلمه يرفرف في روح الزوجة الوفية، فيحمل رغم القيد، بشائر البراح.

خرجت زوجة المصور عمر عبد المقصود من بيتها، بثوب الزفاف، للمشاركة في وقفة احتجاجية تضامنا مع الزملاء المعتقلين، توسطت الوقوف على سلم نقابة الصحفيين، فأصبحت كادرا، ما دونه محض هوامش استثنائية-رغم تشابه أوجاع الفراق-، حملت صورته إلى صدرها، وبين الضلوع وفاء، وانكسار، يتنازعان في قلبها المرهف، كل مساء، فينكسر الوجع، أمام لذة الذكرى، المودعة على أمل اللقاء.

لخصت الفتاة التي أحالتها ظروف الواقع، إلى حضرة الغياب، قيمة التضحية، وسطرت معنى آخر للغياب، فبأي نبل آخر غير هذا يمكننا سرد قصص المحبين، بعد تآكل الحب على أرصفة القاهرة!

وراء كل براح آت، "أمنية" تتسع بروحها المطمئنة، جدران القهر.

حققت صورة "الفستان الأبيض" انتشارا واسعا- على مواقع التواصل الاجتماعي- في أعقاب وقفة الصحفيين الاحتجاجية، الصورة لم تحمل فقط "أمنية" الإفراج عن "زوج معتقل"، الصورة حملت ملمحا إنسانيا غائبا عن الأنثى المصرية التي تاهت في زحام روتين حياتي ضاغط، فأصبحت مسخا لايعرف عن الحياة إلا قشورا، لا تسعف في محنة، ولا تحدث فارقا في رحلة، وأعادت صورة الفتاة العشرينية، قصصا أوشكت على الانقراض، وفصلا جديدا مبهرا من سير المحبين، حيث ترسخت القاعدة، من ثنايا مشهد "أمنية": أن الأنثى التي لا تعرف التضحية، لا تعرف الحب".

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة "ذات الرداء الأبيض" تحت شعار "رجعوا عمر لعروسته"، وفي الخلفية، لم تزل إنسانيتها المتفردة، قادرة على مواجهة "بؤس" الواقع.

كيف تقبلت القاهرة، انتقال حكايات الحب من حدائقها، وضفاف نيلها، إلى أقبية السجون؟!

تقول أمنية في "تدوينة" تلخص دنياها، وتتجلى فيها معاني السمو الروحي، عقب زيارة أخيرة لـ"زوجها"، "والجدير بالذكر بقى يا جدعان إن عمر أول ما شاف الصور بتاعة الوقفة وعرف اللي حصل بالتفصيل.. تنح، وفضل باصصلي حبة كدة... ووشه أحمر.. وقام معيط، وخطفني في حضنه فجأة كدة.. وقعد يعيط ويقوللي ربنا يخليكي ليا كتيييييييييييير".

العبارة أيها المارون خلف الكلمات، تشير إلى أن قليل من الفرحة يكفي لـ"قلبين" يقفان على أعتاب فرحة محتجزة، وتكشف عمق استغناء الأنثى بمن تحب عن العالم، وتؤسس لمن أراد بحثا عن شريكة حياة، أن يقلب بنَهم في دفاتر "أمنية"..كل أمنية!

الحرية لـ "عمر عبد المقصود".. ليس فقط كونه مجرد "زميل معتقل"، إنما لأننا نريد أن نقرأ له، كيف كانت تلتقي روحها بروحه، رغم صلابة القضبان، وتعنت السجان!

أتأمل مرة أخرى في تدوينتها، حيث تريه صورتها، وعيناه مثبتتان على فستانها الأبيض، دون انشغال بمن حولها، وحيرتها في تفسير صمته، حركة شفاهه وهو يتمتم بكلمة "يا حبيبتي" في خجل بليغ، رعشة يده قبل أن يتخذ قراره بضمها إلى صدره، ودموعه التي غالبته حين سرح لبضع دقائق، في وقت زيارة قاربت على الانتهاء، ثم انقباضها حين باغتها بلملمة شتات الشوق بين يديه، فذابت بينهما مسافة سنوات الاعتقال، التي يحسبها السجان عقابا، دون أن يدرك أنهما يسطران معا قصة عشق خالدة، ليس لها سوى أن تُحفر في وجدان جيل بأكمله.

وأقف مشدوها عند عبارتها: قال لي "ربنا يخليكي كتيييييير"، فأبصر من وراء حروفها، ابتسامتها التي تهزم ليل "زنزانته"، وتبدل يأسها أملا، أبصر أيضا شغفها بالحكاية، وتجاهلها العفوي لـ"نقل صورة السجان القاتمة"، وهو يردد بصوته البائس: الزيارة انتهت، وأترقب خطواتها وهي تغادر في نشوة المحبين، متثاقلة، تعيد في ذاكرتها، ما جرى، بينهما، وهي تريد أن تصرخ في وجه كل من يلقاها، "الصورة فرحت عمر أوي، وسنلتقي قريبا".

أفعل ذلك، وفي خاطري، يبدو مشهد المارين على "تدوينتها"، عاجزين عن التعليق، بأي عبارة تثير الشجن، وقد أجبرتهم كلمات "الحبيبة المخلصة"، على السير في طريق ابتهاجها بلقاء روحي خالص، فارتدوا إلى ذواتهم يتساءلون عن "أرواحهم السجينة" رغم براح يومي، في مقابل حرية الروح التي يستقيها "عمر عبد المقصود" من ثنايا قلب "أمنية".. أمنية التي تنتظره دون شرط، وتكسر عذوبة روحها، حين تمر في خاطره، كل قيد.

الحرية لـ"أرواحنا"، بعد أن علمتنا "الزوجة المخلصة"، أن الأسوار الحجرية قد تصنع حاجزا، لكنها لا تحجب عاطفة!

احتكموا إلى إنسانيتكم، وأعيدوا النظر مرة أخرى، في صورة أنثى عشرينية، ترتدي فستان زفافها في مشهد احتجاجي، كصرخة هائجة في وجه من يتجاهلون توسلات المنكسرين، ربما تسعف الإنسانية بـ"إطلاق سراح" الفرحة المحتجزة.

الحرية لـ"فرحة" عمر وأمنية..
0
التعليقات (0)