كتاب عربي 21

بين التحالف البحري وطريق الحرير العراقي: الأحلام الإقليمية نحو التنفيذ

قاسم قصير
جيتي
جيتي
تشهد المنطقة العربية والإسلامية في هذه المرحلة ديناميكيات سياسية واقتصادية وفكرية جديدة؛ تؤكد أننا أمام تعاون وتكامل إقليمي جديد بين دول المنطقة قد يفتح الباب أمام تشكل قوة إقليمية قادرة على لعب دور مهم على الصعيد الدولي في المرحلة المقبلة، وأن الأحلام التي كان يدعو إليها بعض المفكرين والباحثين بشأن قيام "وستفاليا عربية وإسلامية" أو قيام "تكامل إقليمي حقيقي" قد تتجه نحو التنفيذ، رغم الضغوط الأمريكية على بعض الدول أو المحاولات الإسرائيلية لأخذ المنطقة إلى حرب جديدة.

فما هي أبرز المؤشرات التي تؤكد أننا سائرون نحو تعاون وتكامل إقليمي جديد في المنطقة؟ وما هي العقبات التي تقف أمام ذلك؟ وأين دور المفكرين والباحثين والإعلاميين في مواكبة هذه التطورات؟

منذ الاتفاق السعودي- الإيراني برعاية صينية لإعادة العلاقات بين الدولتين ونحن نشهد تطورات إيجابية في المنطقة، وخصوصا أن هذا الاتفاق قد دخل مرحلة التنفيذ من خلال فتح السفارات في البلدين والزيارات واللقاءات الثنائية، وكذلك الحديث عن عودة العلاقات بين مصر وإيران وقيام سلطنة عمان بدور الوساطة بين البلدين وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، إلى غير ذلك من التطورات الإيجابية.

منذ الاتفاق السعودي- الإيراني برعاية صينية لإعادة العلاقات بين الدولتين ونحن نشهد تطورات إيجابية في المنطقة، وخصوصا أن هذا الاتفاق قد دخل مرحلة التنفيذ من خلال فتح السفارات في البلدين والزيارات واللقاءات الثنائية، وكذلك الحديث عن عودة العلاقات بين مصر وإيران وقيام سلطنة عمان بدور الوساطة بين البلدين وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية

ومن المؤشرات المهمة التي برزت خلال الأسابيع الماضية على صعيد التعاون الإقليمي وتصاعد دور دول المنطقة:

أولا: الحديث الإيراني عن قيام تحالف بحري إقليمي جديد يضم عدة دول في المنطقة، فقد أعلن قائد القوات البحرية الإيرانية، الأدميرال شهرام إيراني، عن تشكيل تحالفات إقليمية ودولية جديدة.

وقال شهرام إيراني في مقابلة تلفزيونية قبل أسبوعين إنه سيتم قريبا تشكيل تحالف مشترك للبحرية الإيرانية مع دول المنطقة، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق.

وأضاف: "اليوم وصلت دول المنطقة إلى نقطة تقول إنه إذا أريد الحفاظ على الأمن في المنطقة فيجب أن يتم ذلك من خلال التآزر والتعاون المتبادل". وتابع قائلا: "في هذا الصدد، هنالك تحالفات جديدة قيد التبلور إقليميا ودوليا".

وقد شكّك بعض المسؤولين الأمريكيين بقيام هذا التحالف، وقام عدد من المسؤولين الأمريكيين بزيارة السعودية ودول المنطقة لبحث الأمر.

ثانيا: طريق الحرير العراقي: فقبل حوالي الأسبوع شهدت العاصمة العراقية بغداد انعقاد مؤتمر هام لبحث التعاون الإقليمي بين دول المنطقة في إطار ما سمي "طريق الحرير العراقي"، وهذا المشروع مرتبط باستكمال إنجاز ميناء الفاو الكبير، في محافظة البصرة المطل على الخليج العربي، والذي انطلقت عمليات تشييده قبل أكثر من عقد، وبلغت نسبة إنجازه 50 في المئة، بتكلفة تصل إلى 2.6 مليار دولار، ومن المنتظر البدء في تشغيله جزئيا في عام 2025.

ويمتد خط السكك الحديدية من ميناء الفاو الكبير جنوبا إلى الحدود العراقية- التركية شمالا، على طول 1200 كلم، ويكلف ميزانية ضخمة تقدر بنحو 17 مليار دولار، ويهدف لنقل 400 ألف حاوية من البضائع في مرحلته الثانية.

قُسمت عملية إنجاز "طريق التنمية" إلى ثلاث مراحل؛ الأولى تنتهي في عام 2028، والثانية في 2033، والثالثة في 2050.

إذا تم ربط هذا الطريق بخط للسكك الحديدية مع دول الخليج، فسينمّي تجارة البضائع بين تركيا ودول الخليج، لأنه سيوفر الوقت والمال ويجعلها أكثر ربحية، كما يوفر عائدات بالعملة الصعبة للعراق كرسوم عبور، وسينعكس على العديد من دول المنطقة إيجابا ولن تنحصر أهميته للعراق وتركيا بل ستشمل معظم دول المنطقة

وتخطط الحكومة العراقية لاقتناء قطارات فائقة السرعة تصل إلى 300 كلم في الساعة بالنسبة لقطارات نقل الركاب، لكنها تنخفض إلى 140 كلم في الساعة بالنسبة لنقل البضائع.

ويربط "طريق التنمية" العراقي جنوب البلاد بشمالها، ويعزز ذلك تواصل العراقيين فيما بينهم، باختلاف عرقياتهم وطوائفهم، وسيمتّن ذلك وحدة البلاد ولُحمتها الوطنية، ويفك العزلة عن بعض المناطق النائية والبعيدة عن العاصمة.

وإذا تم ربط هذا الطريق بخط للسكك الحديدية مع دول الخليج، فسينمّي تجارة البضائع بين تركيا ودول الخليج، لأنه سيوفر الوقت والمال ويجعلها أكثر ربحية، كما يوفر عائدات بالعملة الصعبة للعراق كرسوم عبور، وسينعكس على العديد من دول المنطقة إيجابا ولن تنحصر أهميته للعراق وتركيا بل ستشمل معظم دول المنطقة.

ثالثا: التعاون الزراعي المشترك بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان، والذي تطور كثيرا خلال الفترة الماضية. وتم عقد عدة مؤتمرات تنفيذية بين هذه الدول الأربع، وقد يمتد التعاون إلى دول أخرى.

رابعا: الرفض السعودي للضغوط الأمريكية لوقف تعاونها مع الصين أو تطوير علاقاتها الدولية والإقليمية، وقد نقلت بعض وسائل الإعلام الدولية معلومات عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنه أكد للمسؤولين الأمريكيين الذين يلتقي بهم أن خيارات السياسة السعودية الجديدة لا عودة عنها، وأن السعودية ستحرص على تنويع تحالفاتها الدولية والإقليمية.

خامسا: دلالات نتائج الانتخابات التركية وفوز الرئيس رجب طيب أردوغان في هذه الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة، وكان من أبرز الإشارات فيها تعيين مسؤول المخابرات التركي هاكان فيدان لحقيبة وزارة الخارجية، وهذه إشارة مهمة على مواصلة تركيا سياسة التعاون والحوار مع دول المنطقة، نظرا للدور الذي كان يلعبه فيدان في هذا المجال ولا سيما مع روسيا وإيران وسوريا.

هذه المؤشرات تؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح للخروج من حالة الحرب والصراع إلى حالة التعاون والتكامل الإقليمي، لكن ذلك لا يعني أن الطريق ستكون سهلة ومعبّدة، بل سنشهد الكثير من المحاولات لعرقلة هذا الاتجاه، سواء من أمريكا أو الكيان الصهيوني أو دول أخرى أو مجموعات لا تريد دعم هذا الاتجاه. ومن هنا تبرز أهمية دور المفكرين والباحثين والإعلاميين ومراكز الدراسات والأبحاث لمواكبة هذه التطورات ودراسات العقبات وتقديم الاقتراحات العملية لتطوير هذا الاتجاه

سادسا: تنامي روح المقاومة في المنطقة والتي امتدت من فلسطين إلى مصر ولبنان، حيث نشهد أشكالا جديدة من المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني، وتراجع عمليات التطبيع مع هذا العدو والرفض الشعبي له.

سابعا: انعقاد عدد من المؤتمرات والندوات في دول المنطقة حضوريا وإلكترونيا لبحث تطوير العلاقات العربية- الإيرانية. وقد عقد مركز الجزيرة مؤتمرا موسعا مؤخرا في الدوحة، وكذلك عقد مركز أسبار السعودي ندوة إلكترونية في هذا المجال، كما نشهد عقد ندوات ومؤتمرات في عدد من الدول العربية وإيران وتركيا لبحث التعاون بين دول المنطقة.

كل هذه المؤشرات تؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح للخروج من حالة الحرب والصراع إلى حالة التعاون والتكامل الإقليمي، لكن ذلك لا يعني أن الطريق ستكون سهلة ومعبّدة، بل سنشهد الكثير من المحاولات لعرقلة هذا الاتجاه، سواء من أمريكا أو الكيان الصهيوني أو دول أخرى أو مجموعات لا تريد دعم هذا الاتجاه. ومن هنا تبرز أهمية دور المفكرين والباحثين والإعلاميين ومراكز الدراسات والأبحاث لمواكبة هذه التطورات ودراسات العقبات وتقديم الاقتراحات العملية لتطوير هذا الاتجاه.

فهل سنشهد بزوغ فجر جديد في منطقتنا؟ أو أن المعارضين لهذا التطور سينجحون مرة أخرى بإعادتنا إلى الوراء؟

twitter.com/kassirkassem
التعليقات (1)
الصعيدي المصري
الجمعة، 16-06-2023 07:42 م
((وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، إلى غير ذلك من التطورات الإيجابية.)) .. ماشاء الله .. واضح جدا .. مدى ثقافة وعمق ومصداقية نحليل الكاتب ... فهؤلاء هم نخبجية الكتاب في عالمنا العربي