قضايا وآراء

ضياء رشوان.. "مكارثي" مصر الجديد

قطب العربي
سبق أن أبدى رشوان إعجابه بالإخوان- جيتي
سبق أن أبدى رشوان إعجابه بالإخوان- جيتي
مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، أي منذ 73 عاما اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية فوبيا الشيوعية (الخوف من انتشار الشيوعية في ظل الحرب الباردة التي كانت في ذروتها بين المعسكرين الشرقي والغربي)، وتصدر المشهد السيناتور جوزيف مكارثي رئيس إحدى اللجان في مجلس الشيوخ الذي أطلق دعوات لكشف وملاحقة الشيوعيين في الوظائف العامة، انتشرت تلك الدعوة كالنار في الهشيم، وبناء على معلومات مفبركة تم حبس وفصل عشرات الآلاف من الأمريكيين بتهمة الشيوعية، والتجسس، رغم أن الغالبية لم تكن كذلك، حتى أن رموزا ونجوما لامعة طالتها تلك الملاحقات؛ مثل مارتن لوثر كينغ وألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلى تشابلن.

أفاق المجتمع الأمريكي تدريجيا من تلك الفوبيا، وأدرك زيف تلك الحملة، بفضل كتاب وأدباء شجعان واجهوا مكارثي وأنصاره، وفندوا أكاذيبهم، لتأتي النهاية العادلة لمكارثي نفسه بتقديمه إلى المحكمة بتهمة الفساد والتزوير، وقد أدانه الكونجرس، ومات نتيجة جرعات إدمان عالية قبل نهاية المحاكمة.

بدأ الجنرالات حكمهم بإطلاق حالة الفوبيا من الإخوان، وتحميلهم كل رذيلة، واغتيالهم معنويا ليتسنّى لهم الحكم بدون أي معارضة حقيقية. وكانت المحصلة لتلك الموجة الأولى من المكارثية هي مذابح المنصة والحرس الجمهوري ورابعة والنهضة ورمسيس والدقي والقائد إبراهيم وغيرها، وتصدر المشهد كتاب وأدباء داعمون لحملة إبادة الإخوان. لم يكن الأمر مقتصرا على الإخوان، بل كان الوصف يتسع لكل رافض للانقلاب حتى لو كان شيوعيا قحّ
هذه مقدمة ضرورية لفهم ما مرت ولا تزال تمر به مصر منذ انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 وحتى الآن، فقد بدأ الجنرالات حكمهم بإطلاق حالة الفوبيا من الإخوان، وتحميلهم كل رذيلة، واغتيالهم معنويا ليتسنّى لهم الحكم بدون أي معارضة حقيقية. وكانت المحصلة لتلك الموجة الأولى من المكارثية هي مذابح المنصة والحرس الجمهوري ورابعة والنهضة ورمسيس والدقي والقائد إبراهيم وغيرها، وتصدر المشهد كتاب وأدباء داعمون لحملة إبادة الإخوان. لم يكن الأمر مقتصرا على الإخوان، بل كان الوصف يتسع لكل رافض للانقلاب حتى لو كان شيوعيا قحّا.

وقدم الكاتب الصحفي عاصم حنفي مشروعا تصفويا للإخوان من خلال تشكيل مليشيات عسكرية سرية من رجال وزارة الداخلية، لاستهداف رموز الإخوان، والتعامل بطريقة رأس برأس، أي كلما قتل رأس من رؤوس النظام يتم على الفور تصفية رأس من رؤوس الإخوان عبر تلك المليشيات السرية، بعيدا عن الطرق القانونية، دون أن تتحمل الداخلية رسميا المسئولية. وقد أوضح حنفي في مقاله أنه اقتبس تلك الفكرة من نظام حكم الجنرال فرانكو في إسبانيا. وقد نفذت الشرطة الفكرة وتوسعت فيها بالفعل.

وقد تقدمتُ في حينه ببلاغ مكتوب لنقابة الصحفيين لمحاسبته بتهمة الحض على الكراهية والتحريض على التصفيات خارج نطاق القانون، وكان نقيب الصحفيين في ذلك الوقت هو ضياء رشوان، ولم يتحرك البلاغ قيد أنملة.

مناسبة ما سبق هي التصريحات التي أدلى بها ضياء رشوان، المنسق العام للحوار الوطني ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات، ونقيب الصحفيين السابق، حول الموقف من الإخوان، لإحدى القنوات الفضائية وأعادت نشرها الصحف يوم الأربعاء (17 أيار/ مايو 2023) تحت عنوان ضياء رشوان: الإخوان يحاولون التسلل داخل المجتمع لكن الطلاق هذه المرة بائن.

وقبل الحديث عما وصفه بالطلاق البائن، دعونا نستعرض بعضا مما تضمنته التصريحات من مغالطات لا تصدر من شخص بسيط وليس من باحث متخصص في دراسة الإخوان، من ذلك مغالطته التاريخية الأولى بزعمه أن الإخوان اعتادوا على المحنة، وأن المحنة تستغرق نحو 10 سنوات، وأن أول محنة بدأت سنة 1944. والحقيقة أن الادعاء بتعرض الإخوان لمحنة كل عشر سنوات هي محاولة إلباس الكلام لباسا علميا زائفا، لأن ذلك لم يحدث بهذه الطريقة، فقد كان الإخوان في ذروة نشاطهم وتألقهم في منتصف الأربعينات، وكانت لهم مقرات رسمية في كل مكان في مصر، وكانت علاقتهم طبيعية إلى حد كبير مثل غالبية الأحزاب والجماعات بالملك والحكومة.

ثم كانت الفِرية الثانية بادعائه أن الصِدام في 2013 كان مع الشعب الذي خرج بالملايين لرفض وجودهم، والحقيقة أن صِدام الإخوان وكل الديمقراطيين الحقيقيين كان ولا يزال مع انقلاب عسكري غاشم، اغتصب إرادة المصريين الذين خرجوا بملايين حقيقية في عدة استحقاقات ديمقراطية؛ وقفوا خلالها بالساعات في طوابير تمتد لعدة كيلومترات. أما الملايين التي يزعم أنها خرجت في 30 حزيران/ يونيو فليسألهم أين هم الآن؟ وما موقفهم من النظام الذي دعموه ورقصوا له؟

ويلوم ضياء رشوان على الرئيس الراحل أنور السادات إخراج الإخوان من السجون، معتبرا ذلك أحد الأخطاء الكبرى، أي أنه كان يريد استمرار حبسهم حتى وفاتهم في السجون، ما يعني أنه مع حبس أصحاب الرأي والسياسيين. والغريب هنا أنه شخصيا كان معارضا للرئيس السادات، وكان عضوا بحزب التجمع اليساري، وكان من الممكن أن يكون رفيقا للإخوان في محبسهم.

المقياس الحقيقي لمدى شعبية أي نظام أو حزب أو جماعة هو الصندوق الانتخابي، فهل يقبل رشوان ونظامه الاحتكام إلى تلك الصناديق مع توفير ضمانات النزاهة الكاملة ليعرف مع من يقف الشعب؟ وإذا كان الإخوان قد أعلنوا توقفهم عن الصراع على السلطة فهل يقبل ضياء ونظامه اللجوء إلى استفتاء شعبي حقيقي على بقاء هذا النظام؟ بل لا نذهب بعيدا ولنكن عمليين بصورة أكبر، هل يقبل رشوان ونظامه إجراء انتخابات نزيهة، بإشراف دولي في 2024 رغم أن الإخوان لن يشاركوا فيها؟!
أما ثالثة الأثافي فهي ادعاء رشوان أن الطلاق بائن بين الإخوان والشعب هذه المرة على خلاف المرات السابقة، ولا أدري عن أي شعب يتحدث ضياء رشوان! هل يتحدث عن الشعب الذي وقف مع خيار الإخوان في التعديلات الدستورية في 19 آذار/ مارس ما منح ذلك الخيار 78 في المئة من الأصوات (بغض النظر عن تقييم تلك المعركة)؟ أم الشعب الذي وضع الإخوان في صدارة الانتخابات البرلمانية بغرفتيها؛ مجلسي الشعب والشورى بعد الثورة؟ أم الشعب الذي اختار مرشح الإخوان ليكون أول رئيس مدني لمصر بعد 60 عاما من الحكم العسكري؟..

بعيدا عن الكلام الفارغ، فإن المقياس الحقيقي لمدى شعبية أي نظام أو حزب أو جماعة هو الصندوق الانتخابي، فهل يقبل رشوان ونظامه الاحتكام إلى تلك الصناديق مع توفير ضمانات النزاهة الكاملة ليعرف مع من يقف الشعب؟ وإذا كان الإخوان قد أعلنوا توقفهم عن الصراع على السلطة فهل يقبل ضياء ونظامه اللجوء إلى استفتاء شعبي حقيقي على بقاء هذا النظام؟ بل لا نذهب بعيدا ولنكن عمليين بصورة أكبر، هل يقبل رشوان ونظامه إجراء انتخابات نزيهة، بإشراف دولي في 2024 رغم أن الإخوان لن يشاركوا فيها؟! لن ننتظر إجابة من رشوان أو غيره فالجميع يعرفون الإجابة.

علاقتي الشخصية بضياء رشوان سبقت توليه منصب نقيب الصحفيين، ثم تعمقت بعد ذلك، قبل أن تعصف بها عاصفة الانقلاب. لقد كان ضياء من أكثر المدافعين عن الإخوان، ولم يكن يرى هذه الخطايا التاريخية التي يتحدث عنها الآن، بل كان يواجه بقوة من يطرحها، وكان ينتدب نفسه للدفاع عن الإخوان في المناظرات والحوارات التلفزيونية، حتى أنه كتب عام 2005 عقب فوز الإخوان بـ88 مقعدا في البرلمان مقالا شهيرا بعنوان "كيف أنضم للإخوان المسلمين؟".

أعرف أن ضياء رشوان يجمع بين الشيوعية والناصرية فهو يصنف حينا بأنه شيوعي أو يساري، وأحد كوادر حزب التجمع اليساري سابقا، ويصنف حينا باعتباره ناصري، والحقيقة أنه تقلب بين المواقف السياسية بين اليسار والناصرية وحتى الحزب الوطني أيام مبارك، ولذلك فليس من المتوقع أنه كان يريد فعلا عضوية الإخوان، لكنه في ظل حالة انبهاره بأداء الإخوان الانتخابي وقدرتهم على حصد ذاك العدد من النواب رغم ما تعرضوا له من قمع وتزوير؛ فإنه طرح تساؤلات عن كيفية الانضمام للإخوان باعتبارهم الكيان السياسي الحقيقي المؤهل للعب دور سياسي كبير، والمؤهل أيضا لضم المزيد من الأعضاء في ذلك الحين.
الإخوان مكون أصيل من مكونات الشعب المصري، وأنهم منتشرون في مدن وقرى ونجوع مصر، بين العمال ورجال الأعمال، والمهنيين والفلاحين، والرجال والنساء والشباب، وليس من السهل على أي نظام مهما بلغت قوته محوهم. لقد حاولت النظم السابقة ذلك لكنها فشلت، واضطرت في أحيان كثيرة إلى التفاهم معهم أو غض الطرف عن أنشطتهم، وما يفعله ضياء رشوان اليوم هو استعادة لحالة المكارثية التي انتابت مصر عقب انقلاب 2013، وتخلص منها المجتمع تدريجيا مع انكشاف الحقائق أمامه

تغيرت علاقة ضياء رشوان بالإخوان مع تصاعد حالة الاستقطاب السياسي التي سبقت الانقلاب العسكري، وتصاعد العداء بعد الانقلاب، في ظل ترؤسه للهيئة العامة للاستعلامات، وموقع نقيب الصحفيين، ثم بلغ العداء ذروته مع توليه مهمة المنسق العام للحوار الوطني، الذي اقتصر على بعض القوى السياسية من معسكر 30 يونيو، والذي أصبح ضياء عرابا له، ومدافعا عن استبعاد هذا الحوار لممثلي أكثر من نصف الشعب المصري، ثم ها هو اليوم يدعي أن الطلاق بائن بين الإخوان والشعب، ومرة أخرى عن أي شعب يتحدث؟

يدرك ضياء رشوان في قرارة نفسه أن الإخوان مكون أصيل من مكونات الشعب المصري، وأنهم منتشرون في مدن وقرى ونجوع مصر، بين العمال ورجال الأعمال، والمهنيين والفلاحين، والرجال والنساء والشباب، وليس من السهل على أي نظام مهما بلغت قوته محوهم. لقد حاولت النظم السابقة ذلك لكنها فشلت، واضطرت في أحيان كثيرة إلى التفاهم معهم أو غض الطرف عن أنشطتهم، وما يفعله ضياء رشوان اليوم هو استعادة لحالة المكارثية التي انتابت مصر عقب انقلاب 2013، وتخلص منها المجتمع تدريجيا مع انكشاف الحقائق أمامه، لكن مكارثي مصر الجديد لن يجني أكثر مما جناه مكارثي أمريكا.. فيعتبر بمن سبقوه.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (3)
الكاتب المقدام
الأحد، 21-05-2023 11:40 م
*** 3- جماعة الإخوان المسلمين قد نشأت في عام 1928، كنتاج للتيار الإسلامي العام في مصر، الذي تستمد منه الجماعة قوتها وتجددها واستمراريتها، كردة فعل للتيار العلماني الإباحي المتغرب، الذي نشر سيطرته على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر وقتها وما زال، فحينها انتشرت الملاهي الليلية وبيوت الدعارة، وكانت وزارة الداخلية تمنح تراخيص ممارسة المهنة للعاهرات، واصبحت الأمراض الجنسية كالزهري والسيلان من أكبر المشكلات الصحية، وانتشرت الخمارات حتى في قرى مصر البعيدة، على يد الأجانب، الذين فتحت لهم أبواب الدولة واسعة، والذين افتتحوا بيوتاً للرهونات الربوية التي أفلست كثيراً من المصريين، وانتشر ممارسة القمار في بيوت خاصة، وقد أفلس سعد زغلول باشا مؤسس حزب الوفد، وأضاع ميراثه وثروته في خسائره على موائد القمار، كما اعترف في مذكراته، ورخص بالنشاط لمنظمات أجنبية مشبوهة، كالماسونية الدولية التي فتحت العديد من محافلها رسمياً في مدن مصر، وأصدر سلامة موسى كتابه "لماذا أنا ملحد؟" لنشر الإلحاد، وبعد عودة طه حسين من بعثته في باريس لثمان سنوات على نفقة الدولة، نشر كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي ردد فيه تشكيكات أساتذته المستشرقين الفرنسيين في إنكارهم للقرآن الكريم، ومنع هذا الكتاب بحكم من النيابة القضائية، فأعاد طه حسين تعديله ونشره باسم جديد "في الأدب الجاهلي"، واستمر شغله لمنصبه الأكاديمي ينفث لطلابه أفكاره المنحرفة، كما رأس طه حسين مجلة "الكاتب" التي أسسها مجموعة من اليهود في مصر لنشر الفكرة الصهيونية، وعندما طلب مؤسسوا جمعية الشبان المسلمين في عام 1926 من طلعت حرب باشا أن يدعم الجمعية، اعتذر لهم لخوفه من أن يغضب شركائه من اليهود والنصارى عليه، وقد طرده بعدها شركاءه الذين حرص على رضاهم عنه، واستولوا على شركاته وطردوه منها، ومات وحيداً مفلساً مغموماً محسورا، وأسس سعد زغلول حزب الوفد بدعم من الإنجليز، وجعل شعاره علم مصر القديم، بعد أن أضاف إليه في وسطه صليب النصارى الكبير، المخالف لعقيدة المسلمين، كما انتشرت الجمعيات والأحزاب الشيوعية الإلحادية المتطرفة، ومارست بعثات التبشير للكنائس والطوائف الغربية الدعوة إلى التنصير علانية، وتراجع دور الإسلام في إصلاح شئون المجتمع، واقتصر في نظر البعض على رقص الدراويش والمجاذيب واحتفالات الطرق الصوفية بالموالد، وتقديس الأضرحة والمقامات، وفي هذه البيئة المتردية، ظهرت جماعة الإخوان المسلمين مع جماعات إصلاحية إسلامية أخرى، والتف حولها المصريون إلى اليوم، تأييداً لدعوتهم الإصلاحية لمجتمعاتهم، وكان من الطبيعي أن يكون لها أعداء من الحاقدين عليها والكارهين لرسالتها الإسلامية إلى وقتنا هذا. (ملحوظة: الكاتب مجرد مهتم بتاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها، وليس عضواً في جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها، ومن وجد تقصيراً منهم، فليتقدم بما يستطيعه من إصلاح).
الكاتب المقدام
الأحد، 21-05-2023 09:04 م
*** 2- عداء عصابة الانقلاب العسكري الإجرامية، لا يقتصر على جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي الحرية والعدالة، ولكنه يمتد بدرجات إلى كل القوى والتيارات السياسية الأخرى، أي للشعب الذي يمثلوه بأسره، سواءً كانت من الظهير الذي أيد الانقلاب، الذين وحدتهم المصالح والأطماع تحت مظلة جبهة الخراب "الإنقاذ"، والذين ظنوا بأن حكم مصر سيئول إليهم، بعد خلاصهم من أقوى تيار سياسي في مصر المؤيد للإخوان المسلمين، أو من الأحزاب والتجمعات السياسية الأخرى التي فضلت أن تنأى بنفسها مؤقتاً، أو الذين صمتوا خوفاً، أو من الشخصيات العامة والأحزاب والجماعات السياسية التي اتخذت موقفاً معارضاً أو ناقداً للانقلاب من البداية، على اختلاف الدرجات والمواقف، فالعصابة الانقلابية تعمل على إفساد الحياة السياسية برمتها، وتحطيم كل رموزها السياسية بلا استثناء، وقد ظهر ذلك بعد أشهر قليلة من تنفيذ الانقلاب على السلطة الشرعية المنتخبة، وقد أدرك البرادعي ذلك في مرحلة مبكرة، فرغم الدور الهام الذي قام به للدعاية للانقلابيين في الداخل والخارج ضد السلطات المدنية الشرعية المنتخبة من خلال قيادته لجبهة الإنقاذ، والذي حصل على مكافأته عنه، بتوليته منصب نائب رئيس الجمهورية، قد أدرك أن الدور بقمعهم سيأتي عليهم، فسارع بالهروب إلى خارج مصر نجاة بنفسه، والقول بأن الجيش المصري هو الذي قام بالانقلاب هو قول غير دقيق، فالجيش المصري في غالبيته يتكون من مجندين بنظام السخرة، أو المسمى تجميلاً له بالخدمة الإلزامية، وهم قادمون من مختلف الطبقات الشعبية، وهم الذراع الضاربة في الجيش، وحتى المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد ثورة 2011، الذي يضم أعلى القيادات العسكرية للجيش، وكان السيسي أقلهم مركزاً، قد تم التخلص منهم جميعاً، ومثالاً لهؤلاء الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش المصري، وكان قائداً للسيسي، الذي تم اعتقاله لتحديه للعصابة الانقلابية، فالواقع أن الجيش المصري نفسه قد تم اختطافه من جانب مجموعة صغيرة متآمرة مع السيسي، وقاموا بتصفية قياداته، وإحلال مجموعة جديدة من أتباعهم في مناصبه العليا، والقول أن الجيش هو الذي يحكم مصر، أكذوبة كبرى تروجها القوى الخارجية الصهيو صليبية التي توظف السيسي وعصابته للعمالة لصالحهم، فكمثال فإن الفريق شفيق صاحب أقدم خبرة في المناصب الوزارية، والذي تم اللجوء إليه لرئاسة أول مجلس للوزراء، قد تم اعتقاله وتحديد إقامته لتحديه هو الآخر لهم، والسيسي كان على اتصال يومي بوزير الدفاع الأميركي في الأشهر السابقة لانقلابه للحصول على إذن منه، والمجموعة التي اختطفت الجيش، عقلها المفكر هو اللواء عباس كامل، رئيس مخابرات السيسي، ومورد مخدر الترامادول لهم، كما اعترف بلسانه بتعاطيهم له هو وشلته الحميمة، وعلى رأسهم السيسي مدمن الترامادول، ويظهر ذلك بوضوح عليه، في تعرق جبهته، واختلاج عضلات وجهه، وزيغ نظراته، كما تتبدى في لحظات الصمت الطويلة في أحاديثه، وعدم قدرته على اختيار الكلمات، والتي بررها هو نفسه بأن عنده ثلاث فلاتر يمرر عليها كلامه قبل أن ينطق بها، وهي حجج لا تليق إلا بالمدمنين.
الكاتب المقدام
الأحد، 21-05-2023 07:31 م
*** 1- لا نعلم سبب اختيار قطب العربي للمكارثية، واقتصاره عليها كنموذج متميز للتطرف في الاضطهاد السياسي للمعارضين، فمكارثي يبدوا كتلميذ صغير في مدرسة الاستبداد السياسي، بجانب معاصرين له ارتكبوا جرائم منكرة ضد الإنسانية لقمع واستئصال معارضيهم، فكمثال: "حظي ستالين (الذي حكم الاتحاد السوفيتي من 1922 إلى 1953) بعبادة شخصية واسعة الانتشار داخل الحركة الماركسية اللينينية الستالينية الدولية، وتمت إدانة حكمه الشمولي بسبب إشرافه على القمع الجماعي، والتطهير العرقي وعمليات الترحيل، ومئات الآلاف من عمليات الإعدام، كما قام بعمليات ترحيل قصرى للعديد من القوميات الإسلامية بعد هدم وحرق مساجدهم وتحويل بعضها إلى بارات ومواخير، بالإضافة لانتشار المجاعات التي أودت بحياة الملايين في الحقبة الستالينية"، وما زال الشيوعيون العرب يشيدون بعبقريته ومعجبون بزعامته. كما يعاني المسلمون في الهند من اضطهاد ديني وعرقي، وتزايد قمعهم واضطهادهم تحت حكم حزب باراتيا جاناتا الهندوسي الإرهابي المتطرف بقيادة رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي، ودرج غالبية حكام الدول العربية والإسلامية، على التجاهل التام، والإنكار الذي يصل لحد الإدانة بالتواطؤ المخزي، لجرائم الهندوس الإرهابية ضد المسلمين في الهند، كما درج علمانيون عرب على تصوير الهندوس والهندوسية بصورة كاذبة باعتبارها ديانة السلام والوئام والعدل والتسامح والإنسانية، في الوقت الذي يختصون فيه كل التيارات الإسلامية بتهم الإرهاب الملفقة، وفي ميانمار (بورما) تحت حكم حزب رئيسة الوزراء أون سان سو تشي، التي منحت جائزة نوبل للسلام، تعرض ما يزيد عن مليون من المسلمين الروهينجيا للإبادة الجماعية، والترحيل القصري من 2016 وحتى الآن، ومصادرة الأراضي، وحرق القرى، وقتل الأطفال، واغتصاب النساء، على نطاق واسع من جانب قوات الجيش والشرطة والجماعات البوذية الإرهابية، ومرة أخرى نجد العلمانيون العرب شديدوا الإعجاب والإشادة بإنسانية البوذيين، ورهبانهم المسالمين الزهاد الذين قادوا عمليات الإبادة ضد المسلمين في بورما، وفي الصين المسلمون الإيجور 11 مليون من أصول تركية، احتلت الصينيون بلادهم، ويعيشون في معتقلات عمل جماعية، ويتعرضون لعمليات غسيل مخ منظمة من الشيوعيين الصينيين، لمحو عقائدهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ويمنعون من ممارسة أبسط شئونهم الدينية، وما زال هناك من العرب حكام وشعوب من لا ينظر إلا لتقدمها الاقتصادي وقوتها العسكرية، ويأملون في موازنتها للقوى الدولية، ويتعامون عما يرتكبه الحزب الشيوعي الصيني من قمع للمعارضين والمخالفين من الشعب الصيني. وختاماً فالاستبداد والقمع السياسي من أقدم الممارسات الإجرامية التي ما زالت منتشرة في العالم إلى اليوم، وهي أهم أسباب التخلف الاقتصادي وشيوع المظالم الاجتماعية الواسعة النطاق، وما زالت الرسالة الواردة في كتاب عبد الرحمن الكواكبي "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" قائمة إلى اليوم، والمسئولية ملقاة على عاتقنا، وسنساءل عنها، وإن الله مع الصابرين المثابرين.