مقالات مختارة

الضجة على أبواب جريمة محتملة

فايز سارة
عربي21
ترتفع الأصوات، وتتسع دائرة الحديث عن اللاجئين في لبنان، ويتوزع الكلام من حيث محتواه وشكله على جبهتين، واحدة تركز على ما يجسده وجود السوريين من عوامل سلبية على واقع لبنان ومخاوف مستقبل، والأخرى تتحدث عن العسف الذي يلحق بالسوريين هناك، والأثر المدمر لإنسانيتهم، وسط موجة واسعة من عنصرية، تحاول شيطنة السوريين وتحميلهم كل مآسي لبنان، وبؤس ما صارت إليه أحوال الشعب اللبناني.
وجود اللاجئين في لبنان، ليس أمرا جديدا، بل هو حاضر منذ بداية الصراع في سوريا وحولها عام 2011، عندما اضطرت أعداد من سكان ريف دمشق الغربي والشمالي وريف حمص وطرطوس الجنوبي إلى عبور الحدود؛ هربا من هجمات مليشيات «حزب الله» اللبناني، التي دخلت سوريا للقتال مع قوات الأسد، كما وصل إلى لبنان سوريون آخرون، وبخاصة من دمشق ذات الروابط الوثيقة مع لبنان، وبخاصة مع بيروت، ومع مرور الوقت واستمرار الصراع تزايدت الأعداد، وأخذت تترك بصماتها في الواقع اللبناني الهش في السياسة وانقساماتها الطائفية، وفي الاقتصاد الذي يعتمد على الخارج بما فيه من مساعدات وتحويلات المغتربين، وفي المجتمع الذي يعيش أزمات عميقة بسبب تراكمات الصراع اللبناني الطويل، وتدخلات الخارج عبر أدوات محلية مثالها الأوضح حضور إيران عبر «حزب الله».
وللحق؛ فإنَّ لبنان رغم سيطرة التيار الذي يعدّ طرفا في الحرب السورية على السلطة فيه، ممثلا في تحالف التيار الوطني و«حزب الله» والمقربين منهما، تقبل مجيء السوريين، ليس فقط باعتبارها نقطة توازن في «سياسة النأي بالنفس»، إنما لأسباب أخرى، تتمثل في إيجابيات الحضور السوري المستجد، بينها أموال حملها السوريون إلى المصارف اللبنانية، التي قيل إنها تتراوح ما بين 20 و40 مليار دولار، ووسط لاجئين لم يحمّلوا لبنان أي أعباء إعالة أو التزامات، واعتمدوا في حياتهم على التقدمات التي كانت تأتيهم من أقاربهم في الخليج والمغتربات، وبعض ما حملوه معهم من مال، وأقله من عائدات عملهم في لبنان، ولا سيما في أعمال ومهن حضور اللبنانيين فيها قليل، مثل البناء والزراعة.
لقد مضت سنوات على وجود السوريين دون أحداث كبرى صادمة، حصلت فيها تماسات عادية ناتجة من ظروف اللجوء أو نتيجة سعي سلطة لبنان، وبخاصة الجيش والأمن لتأكيد وجودها، وكله «مقبول» بدرجة ما إذا كان الكلام عن حياة بشر من لحم ودم، لكن هذه المعادلة أخذت تختل في ضوء التطبيع العلني لعلاقة السلطة في لبنان بالسلطات السورية في الأعوام الأخيرة، ودخول السلطات والأجهزة اللبنانية بوابة التعاون مع السلطات السورية في ملفات عدة، كان موضوع اللاجئين أبرزها، وأساسه التضييق على اللاجئين بشكل خاص.
ووسط هذا التحول، أخذت تتوالى فصول سياسة تشدد في إجراءات إدارية وأمنية تمس اللاجئين، قبل أن تتصاعد الجهود جهات حكومية وسياسة، نحو تعميم سياسات في المستويات الشعبية، نقلت التشدد إلى عنصرية ظاهرة، تقوم على منع سكن وعمل وتعليم وعلاج وتنقل السوريين.
إن تأكيد سياسة العداء للسوريين واللاجئين خصوصا، حاضرة في وثائق ومستندات رسمية، وفي تصريحات مسؤولين في السلطة اللبنانية وقادة في الجماعات السياسية والاجتماعية، وكتابات في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد أخذت جميعها في الفترة الأخيرة، تركز على نقاط معينة، من بينها: تضخيم عدد اللاجئين في لبنان بالقول؛ إن عددهم مليونان و800 ألف نسمة، وإن تزايدهم السنوي وصل إلى 200 ألف نسمة، وإنهم في الطريق للسيطرة على لبنان عدديا، أو بقوة السلاح في أي صدام بينهم وبين اللبنانيين، وإنهم ينازعون اللبنانيين على أرض لبنان وموارده وفرص العيش فيه، وإن السوريين فيه يشكّلون بيئة وجماعة تخرق القانون. وكلها فرضيات، تكذبها الوقائع، وأقل من ينظر فيها، ولا تخفى وظيفتها التعبوية في بلد يعاني أزمات ومشاكل عميقة، كما لا تخفى مهمتها في إشغال اللبنانيين في موضوع يأخذهم إلى أبعد من التفكير بحال لبنان الذي تعطلت الدولة والسياسة فيه، لحد عدم القدرة على انتخاب رئيس، واستمرار إدارته بحكومة تصريف أعمال، ومجلس نيابي معطل بفعل الانقسامات الحادة في نخبته وقواه السياسية والبرلمانية، والابتعاد عن البحث في الأزمة الاقتصادية والمعاشية التي تطحن اللبنانيين، وتجعل مع العوامل الأخرى فرص العيش في هذا البلد محدودة.
غير أنه، بعيدا عما يقال، ويتم القيام من إجراءات في لبنان حيال السوريين، فإن وجود الأخيرين في لبنان، يترك أثرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، خاصة من خلال أعدادهم، التي تقول أرقام الأمم المتحدة، إن 85 ألفا منهم مسجلون باعتبارهم لاجئين، والبقية من المقيمين مقدّر عددهم بنحو 700 ألف نسمة. ومن الطبيعي، أن يكون لهؤلاء احتياجات معاشية وحياتية، وباستثناء أن السلطات اللبنانية لا تقدم أي مساعدة لأي لاجئ، وتحصل على مساعدات دولية بسبب وجودهم على أرضها، فإنها تحسد اللاجئين على ما يتلقونه من مساعدات، وهي بالتأكيد أقل من أن تسد احتياجات اللاجئين، وفق ما تؤكد التقارير والمنظمات الدولية وشبكات الإعلام الدولي والوقائع العيانية في مناطق عرسال وفي البقاع، حيث تنتشر أغلب التجمعات والمخيمات، التي تثبت أن ظروف حياتهم سيئة، ولا تليق بالكرامة الإنسانية؛ مما جعل حياة اللاجئين في لبنان مشكلة، وموتهم يمثل مشكلة أيضا؛ لأن موت السوري هناك يفرض حصولا صعبا على قبر له.
إن وجود اللاجئين السوريين وترديات حياتهم في لبنان، مشكلة لم يصنعوها. فوجودهم مسؤول عنه نظام الأسد ومليشيات «حزب الله» الذين قادوا عمليات قتل وتشريد سوريين من بلداتهم وبيوتهم، ودفعوا بعضهم إلى النزوح إلى لبنان، والنزوح حدث يجري في الدول المجاورة لدول تندلع فيها حروب أو أعمال عنف، وسبق أن لجأ لبنانيون مرات إلى سوريا في العقود الخمسة الماضية، ومن الطبيعي أن يلجأ سوريون إلى لبنان، خاصة في ضوء صلات الشعبين والمصالح المستقبلية للبلدين.
أما في موضوع ترتيب وجود اللاجئين في لبنان. فهذه مسؤولية السلطات اللبنانية، التي أثبتت أنها مستقيلة من مسؤولياتها الأساسية، مقارنة بما تفعل الحكومات الأخرى في حالات مماثلة، كما حال الحكومة الأردنية في تعاملها مع ملف اللاجئين هناك، وهو يشبه في أهم معطياته ملفهم في لبنان. حيث تخويف وإذلال اللاجئين، وتعكير تفاصيل حياتهم، ومنعهم من المطالبة بأي شيء، وفق ما هو متعارف عليه من حقوق اللاجئين في الشرعية الدولية.
ورغم كل ما في السياسات والإجراءات والحملة التعبوية الجارية حول اللاجئين وأهدافها الخفية، فإن لا شيء يبرر سياسات ومواقف وردود «سورية» غير مسؤولة، يعلنها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُنشَر في بعض وسائل الإعلام من حملات مضادة أيا كان القائمون بها، وهي تصبّ في تصعيد مواجهة سورية - لبنانية، تعمق الخلافات بين الشعبين، وتدفعهم نحو المواجهات، وعلى السوريين ألا ينسوا أن أهلهم من اللاجئين، أقاموا وما زالوا في أحضان اللبنانيين وعلى أرضهم، وتشاركوا معهم ظروف الحياة طوال سنوات، وعلى اللبنانيين ألا ينسوا أن سوريا عمقهم المباشر، وأن لبنان محكوم بالجغرافيا، ولا يمكن أن يعيش ويتطور خارج علاقة تفاعل وتعاون مع السوريين، لا ينبغي لظروف عابرة أن تصادر فرصها.
إن الخيرين والمستقبليين وأصحاب العقول والإرادة الواعية، ينبغي أن يساعدوا عربا وسوريين ولبنانيين، وهم يعرفون أن إذكاء الخلافات وتصعيدها في ملف اللاجئين، لا يأخذنا إلا باتجاه مواجهات أكثر وأشد، تمثل بدايات نحو جريمة محتملة، ليس الخيار في مواجهتها سوى تبريد الملف والعمل على تفكيكه، والسعي إلى عودة السوريين كراما وأمنيين إلى بلدهم وبيوتهم، وهذا سوف يحصل ولو تأخر.
التعليقات (1)
أبو العبد الحلبي
الإثنين، 01-05-2023 03:23 م
في 3 كانون الأول/ديسمبر من العام 1866، تأسست على يد أمريكيين في بيروت كلية أسموها (Syrian Protestant College ) أو “الكلية السورية البروتستانتية” على اعتبار أن لبنان كان جزءاً من سوريا أي بلداً واحداً لا بلدين . في أيار/مايو 1916 عقد الانجليز مع الفرنسيين اتفاقية سايكس –بيكو التي قامت بتمزيق المنطقة الممتدة من العراق حتى البحر الأبيض المتوسط و كانت غالبية سوريا من نصيب فرنسا ، فقامت فرنسا بفصل لبنان عن سوريا في عام 1920 و لذلك أجرى الأمريكان بعد ذلك تغييراً على اسم الكلية لتصبح (American University of Beirut) أو "الجامعة الأمريكية في بيروت". الذي حصل بالأساس أن الدولة العثمانية كانت تقوم على رابطة مبدئِيَة دينية ، فقام الاستعمار القديم المعادي - على سياسة فَرِّقْ تَسُدْ – ببث الروابط القومية الضيَقة "أتراك ، عرب ، أكراد" لتسهيل هزيمة تلك الدولة . ثم انتقل ذلك الاستعمار لبث الروابط الوطنية الأضيق "مثلاً العرب سوريون ، عراقيون ، مصريون ، ليبيون...الخ بما يصل إلى 22 جزء حالياً" . كان العرب مستاءين جدَاً من هذه القِسْمَةٌ الضِيزَى "أي الجائرة" من فِعْلِ العدو الاستعماري ، و كان قبولُ أي عربي بالتجزئة خيانة و لقد استمر أهالي الساحل بالانتقال من اللاذقية إلى دمشق و بالعكس عبر لبنان لسنوات عديدة بعد انفصال الأخير عن البلد الأم سوريا فأوعز الاستعمار بغلق الحدود و رصف طريق جديد داخل سوريا . ثم إن الاستعمار القديم و الاستعمار الجديد – الأشدَ عداءاً – قاما بغسيل أدمغة للجماهير لترسيخ الانقسام ، فصار من بين عربنا من هو أكثر تشبثاً أو تمسَكاً بحدود سايكس – بيكو من المُستعمِرين القدامى و الجُدُد . ثم إن الاستعمار الجديد أوجد واقعاً أَبْلَغَ تعاسةٍ مما مضى . تمثل الواقع الأتعس الجديد بأن العراق و سوريا و لبنان صارت - بالتواطؤ- ثلاث مُحافظاتٍ إيرانية في حقيقة الأمر . جرت العادة أن يكون التنقل بين محافظات تابعة لنفس العاصمة " هنا طهران أو قُم "بدون حدود أو قيود ، فبالتالي التأجيج و الشحن في لبنان ضد أهالي سوريا اللاجئين هو ضد مصلحة المتحكمين في إيران . لذلك إما تكون هذه الإثارة مصدرها الفُرْس – أي أن الجاهل عدو نفسه قبل أن يكون عدواً لغيره – و إما أن مصدرها الغرب أي أن إيران نفسها خاضعة لترتيبات الاستعمار الجديد ولا تملك من أمرها شيئاً .