قضايا وآراء

كيف يمكن أن نستفيد من سنوات مصر العجاف (1-2)؟

محمد ثابت
صدّق الجميع أن ثورة 25 يناير ستتبعها انتخابات تأتي بحكم مدني- جيتي
صدّق الجميع أن ثورة 25 يناير ستتبعها انتخابات تأتي بحكم مدني- جيتي
يقول العقل: مطلوب "سلسلة الأحداث" التي أوصلتنا لهذا الحال لنعرف من أين أُتينا ووصلنا لهذه النقطة المُريعة بعد المريرة؟ فلم يكن من المعقول أنه بعد ثورة -أو حتى محاولة ثورة- وبعد بذل دماء عزيزة كريمة من نحو ألف من خيرة شباب الوطن ورجالاته من الجنسين (فالرجولة كما هو معروف صفة لا جنس، وكم من "ذكور" يفتقدونها)، وليس من المعقول أن الذين أزاحوا حسني مبارك عن كرسي مصر قبلوا بالجنرال الذي أعادهم إلى ما هو أقسى من حكم الرومان.

ونحن هنا لن نتعرض لمؤسسة هنا أو هناك، اكتفاء بكون المؤسستين الوحيدتين في مصر معروفتين معلومتين للعامة، وقاعدة جواز الصمت عن المعلوم من السياق بالضرورة مكانها تماماً هنا، وتعمداً منا للترفع عما يستدعي الحساسية ويرهق السياق بمزيد من اللجاج والعناد اللذين لا داعي لهما ندخل مباشرة للصميم. والله تعالى أدرى بالغاية وهو -سبحانه- المُعين على تجاوز الوسائل وسلبيات بعض المتربحين من المؤسستين المحليتين وما أكثرهم:

1- تململ الغرب من حكم حسني مبارك الطويل، فبعد نحو 30 عاماً شاخ الرجل وترهل نظامه، وكذلك إمكانية تقديمه مزيداً من التنازلات تعيد شحن بقائه حتى انتهاء عمره الموفور، فطول العمر خاصية في عائلة "السيد مبارك" الأب، لعلة وسبب قدرهما ويعرف حكمتهما رب العزة.

2- أثرت الشيخوخة وطول البقاء على أنفاس المصريين؛ على ذهنية ولباقة ولياقة وحضور مبارك واتزانه النفسي وأحياناً الجسدي، فقرر وزوجته ونجلهما الأصغر جمال جعل مصر عزبة يتوارثونها بداية من الأخير إلى ما شاء الله، فزاد التململ المحلي والدولي، وقلق الجيش العارم من أن يأتيه "جيمي" وأبناؤه المدللون مثله. ولحب تولي جنرال الحكمَ قاعدةٌ عامة وملتهبة لدى الجيوش أو المؤسسة الأولى في دول العالم الثالث؛ لا مجال لتفسيرها لدينا أو مناقشتها لديهم.

3- توقعت المخابرات الحربية حركة شعبية أو انتفاضة محدودة في 2010م، وقررت دعم الانقلاب على مبارك ونجله وأحفاده، تلاقت الرغبة مع رصد غربي محكم، وتلاقت الرغبات في كانون الثاني/ يناير 2011م.

4- فوجئ المصريون الذين استهدفوا تغيير وزير الداخلية حبيب العادلي في 2011م، أو بالأكثر رئيس الوزراء أحمد نظيف، بأن الاستجابة تأتي بأكثر مما يطلبونه بمراحل، عوضاً عن مسلسلات محكمة يصدقونها بسهولة وسط حالة من "الانفلات الوطني الإيجابي الشديد والرغبة في التغيير الأشد"، وصولاً إلى أن عدة آلاف من الثوار أو مضاعفاتهم في عموم مصر، وبلا قيادة من أي نوع أو لون، يستطيعون إقالة مبارك بجبروته وصولجانه، وغبائه الذي طالما أسعد الحلفاء قبل خصوم الوطن.

5- تولى المجلس العسكري حكم البلاد بقرار من مبارك عقب تنحيه، فإن كان القرار باطلا صادرا من شخص مُزاحٍ عن الحكم، فمَنْ يمكنه أن يحكم إذن؟ وهو ما يساوي ضرب مفهوم محاولة الثورة في 2011م نفسها في مقتل للأسف.

6- خرجت المؤسسة الثانية أو الفصيل الوطني الأبرز في البلاد معلناً أنه شارك بالثورة، وهي حقيقة لا تنكر، وجره إليها الشباب بدمائهم العزيزة المشعة النبيلة. أعلن الفصيل أن المكون الثوري جزء من أدبياته، رغم تنكر الأدبيات والمتعارف عليه من أفكار وتطبيقات الفصيل المؤسسي للأمر، وكونه لما حاول من قبل منذ نحو 60 عاما كاد يودي بنفسه، ولم يكن التكرار هذه المرة مما يلزم المتفوقين أو "الشطار" بالمفهوم الشعبي.

7- مع بداية إعلان الفصيل استعداده للوصول للحكم علت أصوات من جانبين؛ أولهما من داخل الفصيل نفسه بأنه يدمر نفسه ويُزج به في مؤامرة داخلية وخارجية لتدميره (محمد البلتاجي مثالاً ثم بتواضع جم كاتب هذه الكلمات). وكان الصوت الآخر أكثر عدائية وحدّة، وصدر عن قوى وطنية؛ بعضها بحسن نية وعدم تقبل للفصيل في السلطة، والآخر لأنه رأى أن الأخير استخدم الثورة لتحقيق منافع خاصة!

8- بدأ الفصيل المؤسسي عاقلاً لما أعلن كبيره وسابقه عدم رغبته في الترشح للرئاسة، لكن الأسابيع التالية حملت المفاجأة في الأول من نيسان/ أبريل من العام التالي للثورة؛ لمّا أعلن رئيس حزبه (والجمهورية فيما بعد) الترشح للرئاسة بالفعل، ومن هنا استمر "التلاحي والشجار الوطني على أعلى مستوى".

9- صدّق الجميع للأسف المرير أن هناك انتخابات برلمانية ثم رئاسية، وأنه سيتم ترك فصيل مؤسسي أو قوى مدنية لتحكم البلاد وتقودها للنهضة ومن ثم التقدم، وإلا فلديهم وبتفكيرهم سؤال استدراجي بثه أعداؤهم من داخلهم وخارجهم بحسن نية وبغيره في داخلهم: فلِمَ تمت تنحية مبارك بتوافق داخلي/ خارجي؟ وكان ابتلاع الفصيل المؤسسي للطعم إيذاناً بقرب نُضج ثمرة عودة البلاد لأحضان المؤسسة العسكرية.

10- استمر الجيش في تأزيم الصراع الداخلي بين قوى ادعت أنها وطنية، وهي مع إحسان النية كانت تعاني من جفاف التربة الشديد الذي تسبب فيه مبارك وحكم يوليو 1952م، فضلاً عن دولة محمد علي (باشا) الألباني منذ عام 1805م، بتجديد استدعاء الدولة العميقة ضد مخلصي الثوار، أما غير مخلصي الثوار والمندسون فاستجابوا لرغبة الجيش بكشف عوار وفشل الرئيس المدني المنتخب لأول مرة في التاريخ المصري.
التعليقات (2)
عبد الله احمد
الأربعاء، 18-01-2023 08:34 ص
هذه السنوات تربية و تعليم
القاعدون
الأربعاء، 18-01-2023 06:56 ص
ليته كان حكم الرومان أو الفراعنة بل هو حكم اللصوص، لا أعتقد أن خبراء الكفتة و الأسلحة البلاستيكية خططوا لما بعد مبارك لكن كانوا مثل الأفعى إزدادت حجما لسذاجة المقاومة، لقد أراد "الأعمام" السلمية و حسن الجوار مع أفعى أشد سما و نفاقا، اللهم أرحم السيد مرسي و كل المسلمين و أطلق سراح إخواننا المسلمين و المسلمات