قضايا وآراء

ولا عزاء للمغفلين العرب

أميرة أبو الفتوح
1300x600
1300x600
يحل رئيس الولايات المتحدة "جو بايدن" ضيفاً على السعودية، لا أعرف إن كان سيكون ضيفاً عزيزاً أم ثقيلاً! ولكن من المؤكد سيحاول الجميع إظهار الحفاوة والترحاب بمعاليه ويُخفي ما تضمره الصدور خاصة عند ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، الذي لا يشعر بأي ود تجاهه نظراً لمواقفه العدائية منه في حرب اليمن والتهديد بوقف التعاون العسكري مع السعودية، وفي ملف حقوق الإنسان وخاصة في قضية مقتل الصحفي المغدور "جمال خاشقجي"، والذي دائما يسلطه بايدن سيفاً على رقبة ابن سلمان، وإن كان في الوقت ذاته يشعر الأخير بفرحة ونشوة انتصار وهمية داخله؛ بأنه استطاع أن يجعل أكبر رئيس دولة في العالم يتنازل ويجيء إلى عقر داره بعدما رفض استقباله في البيت الأبيض سابقاً، فيما على الجانب الآخر، فإن بايدن ينفي ذهابه إلى السعودية للقاء ولي العهد السعودي، بل سيحضر فقط اجتماعاً دولياً إلى جانب شحصيات أخرى، ولن يجتمع معه بصورة ثنائية، وأنه لن يغير طريقة تعامله مع قضية خاشقجي!!

لا شك أن تبرير بايدن هذا يبدو ساذجاً لتنازله عن مواقفه السابقة، بعد أن هاجمه دعاة حقوق الإنسان بشدة لنقضه لوعده بأن تكون قضية حقوق الإنسان في بؤرة السياسة الخارجية الأمريكية، والسعودية من أولى الدول التي سجلها في حقوق الإنسان حافل بالانتهاكات، لكن للسياسة أحكام، ولعبة السياسة تقتضي على مَن يدخل حلبتها أن يجيد قواعدها وأهمها لغة المصالح، فللدول مصالح أهم بكثير من الشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني الدول، ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة لرئيس وزراء بريطانيا الراحل تشرشل: "لا عداء دائم ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة"..
تبرير بايدن هذا يبدو ساذجاً لتنازله عن مواقفه السابقة، بعد أن هاجمه دعاة حقوق الإنسان بشدة لنقضه لوعده بأن تكون قضية حقوق الإنسان في بؤرة السياسة الخارجية الأمريكية، والسعودية من أولى الدول التي سجلها في حقوق الإنسان حافل بالانتهاكات، لكن للسياسة أحكام، ولعبة السياسة تقتضي على مَن يدخل حلبتها أن يجيد قواعدها وأهمها لغة المصالح

هذه هي القاعدة البراجماتية أو الواقعية السياسية البعيدة كلية عن المثل والقيم التي لا محل لها من الإعراب في السياسة الواقعية؛ التي تحكمها المصالح وليس القيم، فالسياسة في الأساس صراع من أجل المصالح وحسب، ولتحقيق ذلك يري المحللون السياسيون، أنه لا بد من الارتكاز على الاستراتيجية الناعمة، أي الدبلوماسية، فهي الأكثر فاعلية في تعزيز المصالح السياسية، والاعتماد على مبدأ الواقعية السياسية والتعاون لتعزيز مصالح الدول..

لهذا فإن الدول لا تستطيع المضي وراء قاعدة المبادئ والأخلاق، بل يسبقها دائما رفع مستوى الدفاع عن الوطن ومصالحه القومية..

ولقد عبر عن ذلك بوضوح الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، في مقاله في صحيفة "واشنطن بوست" قبل وصوله إلى المنطقة، برر فيه أسباب زيارته إلى السعودية، إذ أنها تندرج في إطار المواجهة مع روسيا والصين، وأن وظيفته الحفاظ على بلاده ومواجهة عدوان روسيا، والتغلب على الصين، والعمل من أجل المزيد من الاستقرار في دول المنطقة والسعودية إحداها، وأن هدفه تعزيز شراكة استراتيجية تستند إلى المصالح والمسؤوليات المتبادلة بين الولايات المتحدة والسعودية. وأضاف أنه منذ البداية كان هدفه إعادة توجيه العلاقات مع السعودية كدولة "شريكة استراتيجياً" لمدة 80 عاما، وليس قطعها، وأن إدارته غيرت سياسة الشيك على بياض مع السعودية..

ولتجميل تصريحاته هذه لا بد من إضافة المساحيق التجميلية الأمريكية، من نوعية حقوق الإنسان وما إلى ذلك، فيؤكد تمسكه بـ"القيم الأمريكية الأساسية"، وأنه يدرك عدم اتفاق الكثيرين مع قرار سفره للسعودية، زاعماً أن آرائه حول حقوق الإنسان واضحة وأن الحريات الأساسية ستكون على جدول أعماله في سفره للسعودية!
تجيء أولاً من أجل هذا التطبيع المُحرم وتعميمه على العالم العربي ليصبح جزءا من نسيجه وليشمل معظم دوله وأولها السعودية، والتي هي بالفعل قد أخذت خطوات جدية وسريعة في طريق ذلك وما كان يحدث بالأمس في الخفاء أصبح معلناً اليوم؟

ونصل إلى مسك الختام الذي يفتخر به بايدن، أنه أول رئيس أمريكي يسافر بطيران مباشر من إسرائيل إلى المملكة العربية السعودية، والذي يري فيه رمزاً نحو تحسين العلاقات بين الكيان الصهيوني والدول العربية والسرعة في الخطوات نحو التطبيع والتي تعمل إدارته على تعزيزها وتوسيعها. وهنا بيت القصيد كما يقولون أو المغزي من زيارته للسعودية، فهي تجيء أولاً من أجل هذا التطبيع المُحرم وتعميمه على العالم العربي ليصبح جزءا من نسيجه وليشمل معظم دوله وأولها السعودية، والتي هي بالفعل قد أخذت خطوات جدية وسريعة في طريق ذلك وما كان يحدث بالأمس في الخفاء أصبح معلناً اليوم؟ يكفي هذا المجال الجوي السعودي الذي أصبح مفتوحاً  أمام إسرائيل ليعلن عما يحدث على الأرض من مختلف أشكال التطبيع!

لذلك رأينا الفرحة العارمة التي عمت على أجواء الكيان الصهيوني باختصاصه بأولى المحطات في زيارة "بايدن" للمنطقة، وقد وصفه رئيس حكومة الكيان "يائير لابيد"، بأنه "أفضل صديق لإسرائيل في تاريخ السياسة الأمريكية". وفي الحقيقة إن "لابيد" لم يخطئ في وصفه هذا، فتاريخ بايدن وتصريحاته تثبت أنه صهيوني مخلص للكيان الصهيوني من دون الحاجة لاعتناق اليهودية، فهو صاحب مقولة "لا حاجة لأن تكون يهودياً كي تكون صهيونياً"، وحينما كان سيناتورا في مجلس الشيوخ وقف يقول: "لو لم توجد إسرائيل، لتعين على الولايات المتحدة خلقها"!
تجيء زيارة بايدن للمنطقة لتكمل مسيرة سلفه ترامب في التطبيع بعد أن عمد له الطريق، والهدف المعلن تشكيل التحالف العربي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة، أو الناتو العربي الصهيو- أمريكي

تجيء زيارة بايدن للمنطقة لتكمل مسيرة سلفه ترامب في التطبيع بعد أن عمد له الطريق، والهدف المعلن تشكيل التحالف العربي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة، أو الناتو العربي الصهيو- أمريكي، كما أسميته في مقال سابق منذ أكثر من عام في نهاية عهد ترامب، بعد الرحلات المكوكية التي كان يقوم بها صهره وكبير مستشاريه "جاريد كوشنر"، ما بين الكيان الصهيوني والسعودية والإمارات ومصر والأردن، لإقامة هذا التحالف العربي الصهيوني المشبوه، تحت زعم مواجهة إيران، وهو في الحقيقة تحالف يدعم مكانة الكيان الصهيوني ويرسخ أقدامه في المنطقة أكثر، بعد أن بدأ الخوف والفزع من قرب نهايته وزواله يتسرب إلى قادته وشعبه، وخصوصا بعد تزايد قوة وفعالية المقاومة الفلسطينية التي برزت وظهرت جلياً في السنوات الأخيرة..

إنه تحالف يعزز قيادة الكيان الصهيوني للدول العربية، ويحقق الحلم الصهيوني "من النيل إلى الفرات". فبموجب هذا الحلف المشين تصبح كل الدول العربية المشاركة فيه تحت اللواء الصهيو- أمريكي، وتحت سيطرة الكيان الصهيوني، وسيكون الحلف موجها ضد من يواجه الكيان كدولة احتلال غاصبة لأرض فلسطين، أما مواجهة إيران فهذه هي الأكذوبة الكبرى التي أصبحت مدعاه للسخرية والسخف، فهي الفزاعة التي صنعتها أمريكا كي تخيف بها دول الخليج وتظل تحت سيطرتها وتدور في فلكها وتفرغ خزائنها لتصب في الخزانة الأمريكية!
مواجهة إيران فهذه هي الأكذوبة الكبرى التي أصبحت مدعاه للسخرية والسخف، فهي الفزاعة التي صنعتها أمريكا كي تخيف بها دول الخليج وتظل تحت سيطرتها وتدور في فلكها وتفرغ خزائنها لتصب في الخزانة الأمريكية!

إنها نفس اللعبة التي مارستها أمريكا من قبل، إبان حكم صدام والفزاعة التي صنعتها منه وأنهكت دول الخليج مادياً وعسكرياً وتكبدت بسببها خسائر فادحة لا تزال الأمة العربية تعاني من آثارها، وبعد أن قضت أمريكا على الفزاعة الصدامية بأموال دول الخليج لم تسلمها العراق خالياً من صدام وتهديداته كما وعدتها، بل سلمته إلى عدوتها (إيران)، لكن للأسف العرب لا يتعلمون!

لم تكن إيران يوماً ما عدوا لأمريكا، دعك من الشعارات الجوفاء من نوعية "الموت لأمريكا"، و"أمريكا الشيطان الأكبر" إلى آخره، ومن التصريحات المعادية للولايات المتحدة وللكيان الصهيوني على لسان قادتها ومسؤوليها أو من أحد صبيانها في المنطقة "حسن نصر الله"، الذي يهدد بصواريخه التي تصل إلى حيفا وما بعد بعد بعد حيفا، ولم نر صاروخاً واحداً وصل إلى ما قبل حيفا!!

لقد وصل "آية الله الخميني" إيران على متن طائرة فرنسية في حماية الطائرات الأمريكية التي كانت ترافقه وتحلق في السماء، لقد قالها ثعلب السياسة المخضرم "هنري كيسنجر"، وزير خارجية الولايات المتحدة إبان حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973: "إنها آخر الحروب بين العرب وإسرائيل، ولندخلهم في حرب المئة عام بين السنة والشيعة". وبهذه الورقة الذهبية يقامر الأمريكي على مائدة اللئام والمغفلين. وهنا أيضا يحضرني قوله: "ليس من مصلحة أمريكا أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة وتحركها حسب المصلحة القومية الأمريكية"، ولا عزاء للمغفلين العرب..

twitter.com/amiraaboelfetou
التعليقات (0)